رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 17 أكتوبر، 2016 0 تعليق

فضيلة الشيخ عبد الله البعيجان:العام الجديد.. وشهر الله المُحرَّم

 حريٌّ بالمسلم أن يستقبِلَ عامَه الجديدَ بطاعةِ اللهِ -عز وجلَّ- والانقِيادِ لأوامرِه والاستِعدادِ للقائِه وأن يستشعِرَ ويعرِفَ للأشهر المُحرَّمة حُرمَتَها وفضلَها ومكانتَها

 رجَّحَ كثيرٌ من أهلِ العلم أن شهرَ مُحرَّم أفضلُ الأشهُرِ الحُرُم ولعِظَمِ مكانتهِ في نفوس الصحابة استأنَفُوا به تقويمَ السنةِ الهجريةِ

 

ألقى فضيلة الشيخ عبد الله البعيجان - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (العام الجديد.. وشهر الله المُحرَّم)، التي تحدَّث فيها عن العام الجديد الذي حلَّ على الناسِ، وضرورةِ التذكُّر والاعتِبار، واغتِنام أيامِه وشهوره في مرضاةِ الله -تعالى- مُبيِّنًا بدايةَ التأريخ الهجريِّ، كما ذكرَ فضلَ صيام شهر المُحرَّم، وفضلَ صيام يوم عاشوراء خصوصًا؛ وكان مما جاء في خطبته:

     اعلَمُوا - رحِمَكم الله - أن الزمانَ سيَّار، وقد أدبَرَ عامُه واستدَار، وما مضَى فلن يعُود، وكلُّ لحظةٍ تمرُّ تزُفُّك -عبدَ الله- إلى يومٍ موعود، وشاهِدٍ ومشهودٍ، وإلى فِراقٍ ولُحُودٍ، فاغتنِمُوا الفرصةَ، وحاسِبُوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبُوا، وتزيَّنوا للعرضِ الأكبرِ، وإنما يخِفُّ الحسابُ يومَ القيامةِ على من حاسَبَ نفسَه في الدنيا، {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}(المزمل: 20).

عام جديد

قد دخَلتُم في عامٍ جديد، بدايتُه شهرٌ حرام، ونهايتُه شهرٌ حرام. طِبتُم في غُرتِّه وسائرِ أيامِه، وبُورِكَ لكم في أوقاته وأزمانه.

     وشهرُ محرَّم من الأشهُرِ الحُرمِ التي قال الله -تعالى- فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}(التوبة: 36)، وقالَ فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الزَّمانَ قدِ استدَارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعَةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ مُتوالِياتٌ: ذو القَعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمُحرَّمُ، ورجَبُ مُضرَ الَّذي بينَ جُمادى وشعبانَ»؛ متفقٌ عليه.

     فحرِيٌّ بالمسلم أن يستقبِلَ عامَه الجديدَ بطاعةِ اللهِ -عز وجلّ-، والانقِيادِ لأوامرِه، والاستِعدادِ للقائِه، وأن يستشعِرَ ويعرِفَ للأشهر المُحرَّمة حُرمَتَها وفضلَها ومكانتَها، وتلك طاعةٌ يُلتمَسُ ثوابُها، ويُحذَرُ من عقابِها، قال الحسنُ البصريُّ - رحمه الله -: إن الله افتَتَحَ السنةَ بشهرٍ حرامٍ، واختَتَمَها بشهرٍ حرامٍ، فليس شهرٌ في السنة بعد شهرِ رمضان أعظمَ عند الله من المُحرَّم، وكان يُسمَّى: (شهرُ الله الأصمُّ)، من شدَّة تحريمه.

صيام المحرم

     وقد رغَّبَ الشارِعُ في صيام شهر المُحرَّم تطوُّعًا، فاحرِصُوا على أن يكون لكم أكثر نصيبٍ من فضلِه، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أفضلُ الصيامِ بعدَ رمضان: شهرُ اللهِ المُحَرَّم، وأفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضة: صلاةُ الليل»؛ رواه مسلم.

تقويم السنة الهجرية

     ورجَّحَ كثيرٌ من أهلِ العلم أن شهرَ مُحرَّم أفضلُ الأشهُرِ الحُرُم، ولعِظَمِ مكانتهِ في نفوس الصحابة، استأنَفُوا به تقويمَ السنةِ الهجريةِ، ففي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جمَعَ الناس واستشارَهم: من أين يُبدأُ التاريخ؟ فقيل: يُبدأُ من مولدِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وقيلَ: من بِعثتِه، وقيلَ: من هِجرتِه، وقيلَ: من وفاتِه، وترجَّحَ في رأيِه صلى الله عليه وسلم أن يُبدأَ من الهجرة؛ لأنَّ الله فرَّقَ بها بين الحقِّ والباطلِ؛ ولأنها هي التي كان فيها قيامُ كِيانٍ مُستقِلٍّ للمسلمين.

     ثم شاورَ عمرُ الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - من أيّ شهرٍ يبدؤُون السنةَ، فقيلَ: من ربيعٍ الأول؛ لأنه الشهر الذي قدِمَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم  مُهاجِرًا إلى المدينة، وقيلَ: من رمضان، ثم اتَّفقَ عمرُ وعثمانُ وعليٌّ -رضي الله تعالى عنهم- على البدءِ بشهرِ الله المُحرَّم، وتلقَّت الأمةُ بأَسْرِها ذلكَ بالقبول؛ لأنه شهرٌ حرامٌ، ويلِي ذي الحجَّةِ شهرٍ حرامٍ، ويلِي الشهرَ الذي بايَعَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأنصارَ على الهجرة؛ فكان أَولَى الشهور بالأولوية، فرضِيَ الله -تعالى- عن عُمر، وعن كافَّة أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم ، ونسألُ الله أن يمُنَّ على المسلمينَ في هذا العامِ الجديد بعِزٍّ وتمكينٍ، ونصرٍ مُبين، وأن يُؤلِّفَ بين قلوبهم، ويجمَعَ كلمتَهم، ويوحِّدَ صفَّهم.

غاية الخلق

عبد الله: لا للَّهو خُلِقتَ ولا للَّعِبِ ولا للهَزَل، ولا للنومِ ولا للطعامِ ولا للكسلِ؛ فبادِر وبادِر ودَع عنك العِلَل.. واغتَنِمِ الفُرصةَ قبل فواتِ الأمَلِ، ولا تكُن كمن نعَاه الحادِي:

قَطَعْتَ شُهورَ العامِ لهوًا وغفلةً

                                    ولم تَحْتَرِم فيما أتَيْتَ المُحَرَّمَا

فلا رجَبًا وافَيْتَ فيه بِحَقِّهِ

                                   ولا صُمتَ شهرَ الصَوْمِ صومًا مُتَمَّمَا

ولا في ليَالي عشرِ ذي الحجَّةِ الذي          

                                   مضَى كُنْتَ قَوَّامًا ولا كُنْتَ مُحْرِمَا

فَهَل لك أن تمحُو الذُّنوبَ بِعَبرةٍ  

                                  وتبكِي عليهَا حسرةً وتنَدُّمَا

وتستقبِلَ العامَ الجديدَ بِتَوبةٍ  

                                  لعلَّك أن تمحُو بِهَا ما تَقَدَّمَا.

     أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(المنافقون: 9- 11).

يوم عاشوراء

     ومن فضائل هذا الشهر  يوم عاشوراء وهو يومٌ نجَّى الله فيه موسى وأهله، وأهلَك فرعون وقومه، ولهذا صامَه موسى وبنو إسرائيل شكرًا لله - عزَّ وجل -، ثم صامه النبي صلى الله عليه وسلم شكرًا لله -عزَّ وجل-. وقد انتَحَلَ الوضَّاعُون في شأنه وأمره مُفترياتٍ كثيرة، لم تصِحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن الصحابةِ الكرام، وعلى عن أئمَّةِ السلف، فجعلَ بعضُ الناس يغلُو فيه فيبتدِعَ عباداتٍ لم تُشرَع، ويتشبَّثَ بأوهامٍ وضلالاتٍ لم يُوفَّق للخيرِ في مُلابسَاتِها.

فلو كان يدري يوم عاشوراءِ

                                     ما كان يجري فيه من بلاءِ

ما لاحَ فَجرُه ولا استنَارَا

                                     ولا أضاءَت شمسُه نهارًا

     فاتَّقُوا الله - عباد الله - في أنفسكم وفي دينِكم، لا تبتدِعُوا ولا تُحرِّفُوا شريعةَ الله؛ فقد ائتُمِنتُم وأنتم خيرُ أمةٍ أُخرِجَت للناس، وحُذِّرتُم وأنتم أمةٌ وسَطًا، وقد ترَكَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على مثل البيضاء، ليلُها ونهارهُا سواء، «ومن أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ»، «ومن عمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».

والله لا يُتعبَّدُ إلا بما شرعَ على لسان نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم ، وفيه كفاية، الزيادةُ عليه إفراطٌ وغلوٌّ وتنطُّع، والتقصيرُ فيه تفريطٌ وتساهُل، وحسبُنا قولُ ربِّنا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة: 3).

     قال حذيفةُ - رضي الله تعالى عنه -: «كل عبادةٍ لم يتعبَّدها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبَّدُوها؛ فإن الأولَ لم يدَعْ للآخرِ مقالًا. اتَّقُوا الله وخُذُوا طريقَ من كان قبلَكم؛ فواللهِ لئِن استَقمتُم لقد سبقتُم سَبقًا بعيدًا، ولئِن تركتمُوه يمينًا وشمالًا، لقد ضللتُم ضلالًا بعيدًا».

فنسألُ الله أن يرزُقَنا التمسُّك بالسُّنَّة، والسيرَ على وِفقِها، وأن يُجنِّبَنا البدعَ ويُعيذَنا منها، وأن يُجنِّبَنا طرائقَ الغُلاةِ والجُفاةِ، وأن يشرحَ صدورَنا للحقِّ، ويجعَلَنا أهل وسطيةٍ واعتدالٍ، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك