الإجازة الصيفية والسفر وقفات وأحكام
لا يتمتَّع صاحبُ سفر المعصية مِن رُخص السفر المشروعة لأنَّ الرُّخصَ لا تُناط بالمعاصي
لا تجعلْ إجازتِك إجازةً للمعاصي وإغضابِ الربِّ سبحانه فالمسلِم ملتزمٌ بدِينه وخُلقه أينما حلَّ وارتحل
بحلولِ فصْل الصيف، ترَى كثيرًا من الناس يتأهَّبون للسَّفر؛ مِن أجْل الترويح والاستجمام، ودفْع سآمة النفْس، وربَّما هروبًا من شِدَّة الحر، التي شهدت ارتفاعًا ملموسًا في السَّنوات الأخيرة، غير أنَّ السفر يحتاج إلى وقفاتٍ وأحكام وآداب، يَجدُر التذكير بها؛ لأنَّ بعضَ الناس قد يغفلونها، أو يتهاونون فيها.
معرفة أخلاق الرجال
من الوقفات المهمة في السفر معرفة أخلاق الرجال، قال أهلُ اللُّغة:”سُمِّي السفر سفرًا، لأنَّه يُسفِر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم»، وقال صدقة بن محمَّد - رحمه الله -: «يُقال: إنَّ السَّفَر ميزانُ القوم»، فالسَّفر محكٌّ لمعرفة أخلاقِ الرِّجال ومعادنهم، واشتهر أنَّ رجلاً قال لعمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: إنَّ فلانًا رجل صدق، فقال له: هل سافرتَ معه؟ قال: لا، قال: فهل كانتْ بينك وبينه معامَلة؟ قال: لا، قال: فهل ائتمنتَه على شيء؟ قال: لا، قال: فأنتَ الذي لا عِلمَ لك به، أراك رأيتَه يرفع رأسَه ويخفضه في المسجِد».
السفر أربعة أنواع
1- سفر طاعة: كالسَّفر لأداء مناسِك الحجِّ أو العُمرة، أو صِلة الرَّحِم، أو زيارة مريض؛ أو غيره من الطاعات التي ترضي الله تبارك وتعالى.
2- السفر في طلَبِ العلم: يقول أبو العالية - رحمه الله -: «كنَّا نسمع الرواية عن أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالبَصْرة، فما نرضَى حتى نركبَ إلى المدينة فنسمعها مِن أفواههم»، وقال الإمام الشعبي: «لو سافَرَ رجلٌ من الشام إلى أقْصَى اليمن في كلمة تدلُّه على هُدًى، أو تردُّه عن ردًى، ما كان سفرُه ضائعًا».
3- سفر معصية: كالسَّفَرِ لارْتكاب المحرَّمات، وقَصْدِ أماكن الفِسق والفجور، والخَلاعة وشُرْب الخمور، والعُري والتبرُّج والسفور؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومَن كانتْ هِجرته لدُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يَنكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجَر إليه»؛ متفق عليه، ولا يتمتَّع صاحبُ سفر المعصية مِن رُخص السفر المشروعة، كالقصر، والجمْع بيْن الصلاتين، والإفْطار في رمضان وغير ذلك؛ لأنَّ الرُّخصَ لا تُناط بالمعاصي.
4- السفر المباح: كالسَّفَرِ مِن أجل التجارة، أو الصَّيْد، أو النُّزهة والتأمُّل في خَلْق الله.
خير الزاد التقوى
إنَّ السَّفر يحتاج إلى زاد، وخيرُ الزاد التقوى، وإنَّ الأرزاق مقسومة، والآجال مضروبة، والأكفان منسوجة، فاختر وجهتَك التي تُرضِي ربَّك، فإنَّك لا تدري، لعلَّ أجْلك يدركُك في وجهتك التي سافرتَ إليها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أراد الله قَبْض عبدٍ بأرض، جعَل له فيها حاجَةً»؛ أحمد وهو في صحيح الجامع. فاجعلْ سَفْرَتَكَ تذكيرًا بالسَّفر إلى الآخِرة؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15)، يقول محمد بن الفَضْل - رحمه الله -: «ما خَطوتُ خُطوة منذ أربعين سَنَة لغيرِ الله - عزَّ وجلَّ».
لا تغضب ربك
لا تجعلْ إجازتِك إجازةً للمعاصي وإغضابِ الربِّ سبحانه، فالمسلِم ملتزمٌ بدِينه وخُلقه أينما حلَّ وارتحل، والشواطئ الصيفيَّة مدعاةٌ لإطلاق البصر، ووقوعه على المحرَّمات؛ قال - تعالى -: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (النور: 30 - 31)، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله يغار، وإنَّ المؤمن يغار»؛ متفق عليه، فكيف - بربك - تجدُ الأبَ لا يجد غضاضةً أن يرَى بنتَه عارية، وزوجتَه عارية، وأختَه عارية، ثم لا تتحرَّك غَيْرتُه، ولا يتيقَّظ ضميرُه؟! يقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (التحريم: 6).
ليس للمسلم وقت فراغ
ليس للمسلِم وقتُ فراغ؛ فكلُّ أوقاته عبادةٌ لله تعالى؛ قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: 99)، ويقول الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنمْ خمسًا قبلَ خمْس... – ومنها -: فراغَك قبلَ شُغلِك»؛ أحمد وهو في «صحيح الجامع»، وليس الاستجمامُ إلا إراحةً للبدن، ليَقوَى على العبادة.
أحكام السفر
وأما أحكام السفر وآدابه، فمنها:
البدء بالاستخارة
البَدء بصلاةِ الاستخارةِ قبل السفر؛ حتى تكونَ قد جعلت الله -تعالى- يختارُ لك ما فيه نفعك، فقد قال جابرُ بن عبدالله - رضي الله عنه -: «كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمنا الاستخارةَ في الأمور كما يُعلِّمنا السورةَ من القرآن»؛ البخاري.
المبادرة بالتوبة
المبادرة إلى التوبة، وهي واجبةٌ على كلِّ مسلم ومسلمة، إقامةً وسفرًا؛ قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} (النور: 31).
قضاء الدين
قضاء الدَّيْن، أو الوصية به، أو تَرْك ما يَفِي به عندَ الوفاة؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مات وعليه دَيْن، فليس ثَمَّ دِينار ولا درهم، ولكنَّها الحسناتُ والسيِّئات»؛ صحيح الترغيب.
اترك نفقة لأهلك
أن يتركَ المسافر نفقةً لأهله؛ لحديث: «كَفَى بالمَرْءِ إِثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يَقُوتُ»؛ صحيح أبي داود.
لا تسافر وحدك
تجنُّب السَّفر مفردًا قدْرَ الإمكان؛ فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رجلاً قدِم من سفر، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم -: «مَن صَحِبتَ؟» قال: ما صحبتُ أحدًا، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الراكِبُ شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكْب»؛ صحيح الترغيب.
ودع أهلك بالدعاء
توديعُ الأهلِ المسافِرَ بالدُّعاء، وذلك بقولهم: «أستودِعُ اللهَ دِينَك وأمانتَك وخواتيمَ عملك»؛ صحيح أبي داود، قال ابن عبد البر: «إذا خرَج أحدُكم في سفر، فليودِّع إخوانَه، فإنَّ الله جاعلٌ في دُعائهم بَرَكةً»، ويقول المسافر لمن ودَّعه: «أستودِعك الله الذي لا تضيع ودائعُه»؛ صحيح ابن ماجه.
دعاء السفر
أن يقول دعاءَ السفر عندَ الاستواء على المركوب.
السفر يوم الخميس
استحباب السَّفر يومَ الخميس؛ فعن كعب بن مالك - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خرَج يومَ الخميس في غزوة تبوك، وكان يُحبُّ أن يخرجَ يومَ الخميس»؛ البخاري.
التكبير حال الصعود
أن يُكبِّر إذا صعِد مرتفعًا، ويُسبِّحَ إذا هبَط واديًا؛ لحديث جابِرٍ - رضي الله عنه - قال: «كنَّا إذا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإذا نزلْنا سَبَّحْنَا»؛ البخاري.

الإكثار من الدعاء
الإكثار مِنَ الدعاء؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثُ دعواتٍ يستجاب لهنَّ لا شكَّ فيهن: دَعْوة المظلوم، ودَعْوة المسافِر، ودعوة الوالِد لولدِه»؛ صحيح ابن ماجه، وفي صحيح الترمذي: «ودعوة الوالدِ على ولده».
أمّروا أحدكم
تحديد واحدٍ مِنَ الرفقة يَرجِعون إليه، ويستشيرونه؛ لأنَّه أدْعى لنزع الخِلاف؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان ثلاثةٌ في سفر، فليؤمِّروا أحَدَهم»؛ صحيح أبي داود.
الرفيق الصالح
اختيار الرفيقِ الخَلوق، المتأدِّب بآداب الإسلام؛ قال أنس - رضي الله عنه -: «خرجت مع جريرِ بن عبدالله في سَفَر، فكان يَخْدُمني، وكان جريرٌ أكبرَ من أنس»؛ متفق عليه، وقال مجاهد: «صَحِبتُ ابنَ عمر لأخدمَه، فكان يخدُمني».
دعاء دخول البلدة
أن يأتيَ بالدعاء المأثور قبلَ دخول القرية أو المدينة: «اللهمَّ ربَّ السموات السبع وما أظللْنَ، وربَّ الأرَضينَ السبع وما أقللْنَ، وربَّ الشياطين وما أضْللْنَ، وربَّ الرِّياح وما ذرَيْنَ، أسألك خيرَ هذه القرية، وخيرَ أهلها، وخيرَ ما فيها، وأعوذ بكَ من شرِّها، وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها». السلسة الصحيحة.
البدء بالمسجد
أن يبدأَ بالمسجد إذا رجَع، كما أخبر كَعْبُ بنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ كان قَلَّمَا يَقْدَمُ من سَفَرٍ سافَرَهُ إلا ضُحًى، وكان يَبْدَأُ بالمسْجِد، فيَرْكَعُ ركعتَيْنِ»؛ أي: شُكرًا لله؛ البخاري.
لا تطرق أهلك ليلا
ألاَّ يَطرُقَ أهلَه ليلا؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: «أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَطرُق أهلَه ليلاً، وكان يأتيهم غدوةً أو عشيَّةً»؛ مسلم، وفي حديث جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: «نهَى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلاً؛ يَتَخَوَّنُهُمْ أو يَلْتَمِسُ عَثَراتِهم»؛ مسلم.
دعاء المكان
وأوصانا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إذَا نزَل أحدُكم منزلاً فليقلْ: أعوذ بكلماتِ الله التامَّاتِ من شرِّ ما خَلَق، فإنَّه لا يضرُّه شيء حتى يرتحلَ منه»؛ مسلم.
دعاء الخوف
17- وإذا خاف المسافِرُ قومًا قال: «اللهمَّ إنَّا نجعلك في نُحورِهم، ونعوذ بك مِن شرورِهم»؛ صحيح أبي داود.
لاتوجد تعليقات