كيف نستعد لشهررمضان الكريم؟
لا أعلم شيئاً معيناً لاستقبال رمضان سوى أن يستقبله المسلم بالفرح والسرور والاغتباط وشكر الله أن بلغه رمضان
المسلمون إذا فرحوا واستبشروا، فهم في الوقت نفسه لا يتعدون حدود الله، ولا يتجاوزون المباح، ولا يقعون في الكبائر والمحرمات
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله تعالى- في فضل شهر رمضان: «شهر رمضان هو أفضل شهور العام؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- اختصه بأن جعل صيامه فريضة وركناً رابعاً من أركان الإسلام، وشرع للمسلمين قيام ليله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم : «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه.
أما عن كيفية استقباله، وهل هناك استعداد معين لذلك؟ فقال سماحته: «ولا أعلم شيئاً معيناً لاستقبال رمضان سوى أن يستقبله المسلم بالفرح والسرور والاغتباط وشكر الله أن بلغه رمضان، ووفقه؛ فجعله من الأحياء الذين يتنافسون في صالح العمل، فإن بلوغ رمضان نعمة عظيمة من الله؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان مبيناً فضائله، وما أعد الله فيه للصائمين والقائمين من الثواب العظيم، ويشرع للمسلم استقبال هذا الشهر الكريم بالتوبة النصوح والاستعداد لصيامه وقيامه بنية صالحة وعزيمة صادقة».
إذا نفهم من كلام سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله تعالى- أن استقبال شهر رمضان يكون بالآتي:
- أولا: بالفرح والسرور والاغتباط:
والفرح منه ما هو مشروع وله سبب صحيح يصح الفرح به، ومنه ما هو غير مشروع ومحرم، وباعثه غير شرعي. والإسلام يحرض أتباعه على أن يفرحوا بما يُحمد من الأمور، والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة؛ ونهاهم -جل وعلا- عن أن يفرحوا بضد ذلك.
فالفرح يكون محموداً في مقابل نعمة التوفيق لطاعة من الطاعات، أو قربة من القربات، أو كفرحة المسلم بانتصار الإسلام، أو ظهور ما يحبه الله على ما لا يحبه، وكذا اندفاع الباطل بالحق فإذا هو زاهق، قال تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}(الروم 5-4)، وللمسلمين أن يبتهجوا ويفرحوا إذا نالوا نعمة خالصة، أو أمنية كريمة من الأماني المفيدة.
- ومن الفرح المحمود: فرح الصائم بفطره، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِه، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». رواه الشيخان. كما يفرح المؤمنون بإسلام عبد، أو بتوبة عاصٍ، أو بمن يرجع فيتمسك بدينه، ويلحق بركاب الصالحين، وينضم للطائفة الناجية المنصورة، كما فرح الصحابة بإسلام الفاروق عمر رضي الله عنه ، وأم أبي هريرة وغيرهما من الصحابة -رضي الله عنهم-.
أما الفرح المذموم: فكالفرح بزخرف الدنيا ومتاعها الزائل، أو الفرح بالعلو في الأرض بغير الحق، والفرح بالمغصوب والمأخوذ بغير حق، ونحوه مما لا يحل للعبد؛ فهو مذموم بكتاب الله، كما قال سبحانه: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} (الرعد:26)، وقال تعالى: {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} (غافر:75).
والمسلمون إذا فرحوا واستبشروا، فهم في الوقت نفسه لا يتعدون حدود الله، ولا يتجاوزون المباح، ولا يقعون في الكبائر والمحرمات، فلا يبغون ولا يظلمون الناس بغير حق، ولا يزيغون وينحرفون عن الصواب، بل هم يعمرون فرحتهم بشكر ربهم وذكره، الذي أتم عليهم نعمته، ورزقهم من الطيبات، وهيأ لهم كثيراً من أسباب الفرح والبهجة والسرور.
- ثانيا: شكر الله أن بلغه رمضان:
معنى الشكر
والشكر من صفات المؤمنين الذين يدركون معنى نعم الله عليهم؛ فنعم الله -تعالى- تترى على المسلم،؛ لذا فعليه أولا أن يقر بأن ما تفضل الله عليه من النعم من العبادات وغيرها هي من الله وحده، هو المنعم والمتفضل الذي له الشكر والثناء والحمد كله، فنحن نردد في صلاتنا دائما (ربنا ولك الحمد)؛ فالاعتراف بالنعمة من أساسيات شكرها. وثانيا: على المسلم أن يتحدث بنعمة الله عليه قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، وفي تفسير هذه الآية قال سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدث بنعم الله؛ فيشكر الله قولا كما يشكره عملا؛ فالتحدث بالنعم كأن يقول المسلم: إننا بخير والحمد لله، وعندنا خير كثير، وعندنا نعم كثيرة ، نشكر الله على ذلك، لا يقول نحن ضعفاء، وليس عندنا شيء؛ بل يشكر الله ويتحدث بنعمه، ويقر بالخير الذي أعطاه الله، لا يتحدث بالتقتير كأن يقول: ليس عندنا مال ولا لباس، ولا كذا، ولا كذا، لكن يتحدث بنعم الله، ويشكر ربه -عز وجل- والله سبحانه إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى أثرها عليه في ملابسه وفي أكله وفي شربه، فلا يكون في مظهر الفقراء، والله قد أعطاه المال ووسع عليه، لا تكون ملابسه ولا مآكله كالفقراء، بل يظهر نعم الله في مأكله ومشربه وملبسه، ولكن لا يفهم من هذا الزيادة التي فيها الغلو، وفيها الإسراف والتبذير.
كما يجب أن يتم استعمال هذه النعمة في مرضاة الله -سبحانه- وفيما ينفع العبد فيها نفسه وغيره ، فإذا فعل ذلك فقد شكر النعمة.
ثالثا: بالتوبة النصوح:
التوبة النصوح من الذنوب يمحو الله بها الذنوب، كما قال الله سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها». «والتوبة تشتمل على أمور ثلاثة: الندم على الماضي من المعصية، والإقلاع عنها، والعزم الصادق ألا يعود إليها تعظيما لله وإخلاصا له سبحانه، فإذا فعل المسلم ذلك تاب الله عليه سبحانه وتعالى، ومن تمام التوبة اتباعها بالعمل الصالح والاستقامة، كما قال جل وعلا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}، وقال تعالى لما ذكر الشرك والقتل والزنا في سورة الفرقان: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}؛ فأخبر -عز وجل- أن من تاب وأتبع توبته بالإيمان الصادق والعمل الصالح فإنه -سبحانه- يبدل سيئاته حسنات، وهذا يتضمن قبول التوبة، ثم زاده -سبحانه- مع ذلك بأن جعل مكان كل سيئة حسنة، وهذا من فضله وكرمه وجوده سبحانه.
وإن كان في المعصية حق للمخلوقين من سرقة أو عدوان على بعض أموال الناس أو دمائهم أو أعراضهم فلابد من التحلل من صاحب الحق أو إعطائه حقه، فإذا سامحه سقط حقه.
وهكذا في العدوان على العرض إذا استحل صاحبه فعفا إلا أن يخاف مفسدة؛ بسبب إخباره بالغيبة فإنه لا يخبره ولكن يدعو له ويستغفر له، ويذكره بالخير الذي يعلمه منه في المجالس التي ذكره فيها بالسوء، أو يثني عليه بالأشياء الطيبة التي يعلمها عنه، حتى يقابل عمله السيئ بعمل صالح».
رابعا: قيامه بنية صالحة:
والإخلاص جزء من الأمانة والإيمان، وكون العمل موافقا للشريعة جزء من الأمانة والإيمان، وتأدية الصلاة بالوضوء من الأمانة والإيمان، وتأديتها في وقتها إيمان وأمانة. هكذا الزكاة وغيرها من الواجبات، والإحسان في العمل شيء آخر؛ فهو كمال الأمانة والإيمان وذلك بأن تستكمل العمل في طاعة الله من واجب ومندوب، وتبتعد عن معاصي الله وما كرهه الله من ذلك لعباده.
- والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك}، وأهل هذه المرتبة هم السابقون المقربون المذكورون في قوله سبحانه في سورة الواقعة: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} الآية،.
لاتوجد تعليقات