رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سالم الناشي 22 فبراير، 2016 0 تعليق

من المستحيلات- بين الدين والسياسة

     يبدو أن جدلية هل السياسة من الدين أم أن السياسة ليس لها حظ من الدين؟ والأسئلة التي تثار حول هذا الموضوع، مثل هل يجب فصل الدين عن شؤون الحياة، فيكون مكانه فقط في المساجد ودور العلم الشرعي، وننحي الدين عن إدارة شؤون الناس وحياتهم؟ فما لله فهو لله وما للوطن فهو للوطن! وكقولهم: هل نحن بحاجة إلى مناهج إسلامية تدرس في مدارسنا، أم ندرس فقط ما يعتقد أنه يجمع أبناء الوطن على اختلاف مللهم وطوائفهم؟ هذه الجدلية تظهر واضحة كلما ضعفت التوجهات الإسلامية، وبرزت التوجهات الليبرالية والعلمانية.

     ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تصور فصل الدين عن الحياة بأي حال من الأحوال؛ ذلك أن الدين هو الحياة؛ فالرسالات السماوية أتت لتوجد المجتمعات النقية الخالية من الشرك والفساد الأخلاقي والاقتصادي قال تعالى: مخبراً عما أرسل به جميع الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}(الأنبياء: 25).، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}(النحل: 36).

 وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ}(النحل: 2)، فجميع الرسل كان أول وأهم ما دعوا إليه هو التوحيد.

     وقد دعت الأديان إلى مكارم الأخلاق؛ كالعفو عن المسيء، والصبر على الأذى، والقول الحسن، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف، والتواضع، والعطف على المساكين، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق،قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}(النساء: 36)،وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(المائدة: 2).

     كما أمرت الشريعة بتجنب ما يفسد المجتمعات من كبائر الذنوب والمعاصي؛  فعنِ ابنِ عباسٍ قال نزل تحريمُ الخمرِ في قَبِيلتَيْنِ مِنْ قبائِلَ شرِبُوا حتى إذا ثَمِلُوا عَبَثَ بعضُهُم بِبَعْضٍ؛ فلَمَّا صحُّوا جعل الرجلُ يَرَى الأثرَ بوجْهِهِ وبِرَأْسِهِ وبِلِحْيَتِهِ يقولُ فعل هذا أخي فلانٌ واللهِ لو كان بي رؤُوفًا رحيمًا ما فعلَ هذا بِي، وقال وكانوا إخوةً ليس في قلوبِهم ضغائِنُ فوقَعَتْ في قلوبِهمُ الضغائِنُ؛ فأنزلَ اللهُ تعالى: {إِنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}(المائدة: 90-91).

     وفي أمر الولاية قال النبي صلى الله عليه وسلم  لأبي ذر -رضي الله عن- حينما سأله: «يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها»، وفي رواية قال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تَولَّينَّ مال يتيم»، فإذا كان هذا في الولاية الصغرى وفي الأموال فمن باب أولى في الإمامة العظمى الشاملة للقيام بأعباء الولايات الصغرى والكبرى والأموال وغيرها.

     كذلك فإن الشورى هي الجوهر والركن الأساسي في نظام الحكم في الإسلام ، وقد سئل العلامة ابن عثيمين في فصل الدين عن السياسة، وهل يجب على العالِم الديني الاشتغال بالسياسة أم لا؟ فأجاب «فصل الدين عن السياسة يراد به: أن ولي الأمر يفعل ما شاء مما يظن قيام الدولة به! سواء وافق الشرع أم لم يوافقه!! حتى ولو كان ذلك على حساب الدين؛ لأن الفصل معناه التمييز بين الشيئين والحد بينهما، وعلى هذا فولي الأمر ينظر بما يراه مُصْلِحاً وإن خالف الشرع! ولا ريب أن هذا قول باطل، وقول خطأ».

     وأصل السياسة مأخوذة من السائس الذي يتولى أمر الحيوان، ويقوم بما يصلحه، ويدفع ما يضره، هذه هي السياسة، والدين إذا تأملناه وجدناه بهذا المعنى، وأن الله -تعالى- يشرع لعباده من الأمور المطلوبة ما لا تستقيم حياتهم دونه، وينهاهم عن الأمور التي تفسد أحوالهم العامة أو الخاصة.

     إذاً فالحقيقة أن الدين كله سياسة، ونحن نجزم أن كل من حاول فصل السياسة عن الدين وبنى سياسته على ما يراه هو ، وما تهواه نفسه، فإن سياسته ستكون فاسدة، وفسادها أكثر من إصلاحها، وهي إن أصلحت جانباً حسبما يراه نظره القاصر، فإنها تفسد جوانب كبيرة، ويدل على ذلك التأمل في أحوال الذين بنوا سياساتهم على أهوائهم وآرائهم، وصاروا مبتعدين عن الدين الإسلامي، يجد المتأمل أن هذه السياسات كلها فساد أو غالبها فساد، وأنها إذا أصلحت جانباً أفسدت جوانب.

فعلى هذا نقول: «إن فصل السياسة عن الدين أمر خطأ، وأن الواجب لمن أراد أن يصلح نفسه ويصلح غيره ألا يسوس أحداً إلا بمقتضى الدين الإسلامي».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك