الأرض المقدسة.. حقائق وعبر (4-14) إسحق ويعقوب ويوسف – عليهم السلام –
الحمد لله الذي فضل بعض الأماكن واصطفاها، وقدم بعض البقاع واختارها، والصلاة والسلام على من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، وبعد:
من الحقائق الشرعية والقصص والعبر، أن الله -سبحانه وتعالى- بشر إبراهيم بإسحق ويعقوب، وهو في الأرض المقدسة فلسطين، بعد ما تقدمت به السن وزوجه سارة عقيم،بإرسال ملائكة كرام كانوا في طريقهم ليدمروا القرية التي فيها قوم لوط، ويخبروه لينجو والذين آمنوا معه، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } (هود:69-71).
وما حصل هو معجزة ومنة ربانية لخليل الرحمن، فقد ذكرت زوجه سارة ثلاثة موانع لحصول الحمل والولادة، أنها عجوز وعقيم وزوجها شيخ كبير، فقالت الملائكة: «أتعجبين من أمر الله»، فأمر الله لا عجب فيه، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(يس: 82)، وأن هذه المعجزة من تمام رحماته وبركاته وإحسانه على عباده المتقين.
وقبل ذلك بشر الله إبراهيم بإسماعيل في الأرض المقدسة، قال تعالى: {وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} (الصافات:99-101).
بعد وفاة إبراهيم عليه السلام ودفنه في الأرض المقدسة، قامت ذريته إسحق ويعقوب بواجبهم في الدعوة إلى الله وهداية الناس، وحافظوا على إمامتهم وقيادتهم للناس، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}(الأنبياء: 73).
عن أبي هريرة رضي الله عنه:سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم لله». قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: «فأكرم الناس: يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: «فعن معادن العرب تسألونني؟ الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية: خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».(1).
وفي رواية يقول عليه الصـــلاة والسلام: الكريمُ ، ابنُ الكريمِ ، ابنِ الكريمِ ، ابنِ الكريمِ ، يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحقَ بنِ إبراهيمَ عليهم السَّلامُ»(2).
وَقَالَ النَّوَوِيّ: وأصل الْكَرم كَثْرَة الْخَيْر وَقد جمع يُوسُف، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَكَارِم الْأَخْلَاق مَعَ شرف النُّبُوَّة، وَكَونه ابْنا لثَلَاثَة أَنْبيَاء متناسلين وَمَعَ شرف رياسة الدُّنْيَا ملكهَا بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان.
والرؤيا التي رآها يوسف عليه السلام وأخبر والده يعقوب بها كانت في الأرض المقدسة، وكذلك البشارة ليوسف بأن الله سيجتبيه ويعلمه تأويل الأحاديث أيضا في بيت المقدس، قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴿4﴾قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿5﴾وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (يوسف:4-6).
فلما حزم إخوة يوسف أمرهم وألقوه في غيابت الجب، وقيل هو مكان في بيت المقدس، ثم حصل ما حصل مع يوسف عليه السلام من محن وابتلاءات ثم تمكين ورفعة وغلبة وهو في مصر.
يوسف عليه السلام من شدة تعلقه بالأرض المقدسة، ولم يتيسر له العيش فيها والتعبد بعد النبوة، أوصى علماء بني إسرائيل أن ينقلوا عظامه معهم عند انتقالهم إلى فلسطين، وكان يعلم بأنهم سيتركون مصر، وحصلت بعد وفاته معجزة؛ فهو كريم حيا وميتا عليه السلام.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ فأكرَمه فقال له ائتِنا فأتاه فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَلْ حاجتَك فقال ناقةٌ نرَكَبُها وأعنُزٌ يحلُبُها أهلي فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعجَزْتُم أن تكونوا مِثلَ عجوزِ بني إسرائيلَ فقال: إنَّ موسى لَمَّا سار ببني إسرائيلَ مِن مِصرَ ضلُّوا الطَّريقَ، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤُهم إنَّ يوسفَ لمَّا حضَره الموتُ أخَذ علينا مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ألَّا نخرُجَ مِن مصرَ حتَّى ننقُلَ عِظامَه معنا، قال: فمَن يعلَمُ موضِعَ قبرِه؟ قال: عجوزٌ مِن بني إسرائيلَ، فبعَث إليها فأتَتْه، فقال: دُلِّيني على قبرِ يوسُفَ قالت: حتَّى تُعْطيَني حُكْمي! قال: وما حُكْمُكِ؟ قالت: أكونُ معك في الجَنَّةِ؛ فكرِهَ أن يُعْطِيَها ذلك فأوحى اللهُ إليه أن أعطِها حُكْمَها، فانطلَقَتْ بهم إلى بُحَيرةٍ مَوضعِ مُستنقَعِ ماءٍ فقالتِ: انضُبوا هذا الماءَ، فأنضَبوه، قالتِ: احتفِروا واستخرِجوا عِظامَ يوسُف،َ فلمَّا أقَلُّوها إلى الأرضِ إذ الطَّريقُ مِثلُ ضوءِ النَّهارِ.(3).
يوسف عليه السلام الذي اتصف بالكرم كما ذكرنا، أكرمه الله -عز وجل- بذلك حتى بعد موته، فحصلت تلك المعجزة وأنار بجسده الطاهر الطريق لموسى ومن معه، في إشارة لأهمية الأرض المقدسة وارتباطها بأنبياء الله وأصفيائه.
الهوامش:
1- السلسلة الصحيحة برقم 3996.
2- صحيح البخاري.
3- السلسلة الصحيحة برقم 313.
لاتوجد تعليقات