ليبيا والاقتراب من سيناريو الدولة الفاشلة
لم يكن أحد يتخيل أن الأوضاع في ليبيا يمكن أن تصل إلى هذا المستوى من الاضطراب والفوضى بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام على اشتعال ثورة السابع عشر من فبراير 2011م، ونجاحها بعد أشهر عدة في إسقــــاط نظام القذافي وتصفيته هو وعــــــدد من رمــــوز حكمــه في أحــــد مدن الغرب الليبي، فمازالت الدولة هناك عاجزة عن القيام بدورها وبسط نفـــــوذها وهيمنتها على المشهــــــد، بل تحولـــــت البــلاد خــــلال الأعوام الثلاث لســــاحة خصـــبة للصراعات القبلية والجهوية والإثنيــــــة، وصارت للميلشيات الكلمة الفارقــــة في حسم الصراع السياسي وسط غياب لصوت العقل والسياسة بما سمح لفلول نظام القذافي بالعمل بقوة لاستعادة أرضيتهم في الساحة السياسية.
تدخل دولي
وتعالت خلال الأيام الأخيرة الدعوات لتدخل عسكري دولي في ليبيا، بل إن بعض المحسوبين على السابع عشر من فبراير قد طالبوا بتدخل دولي في مواجهة تنامي قوة التيارات المتطرفة في إشارة للوجود المكثف لقوى إسلامية راديكالية في شرق ليبيا وتحديدًا في (درنة) بعدَ أن ظهر أن وجود هذه القوى هي أكبر معرقل لمد سلطات الدولة إلى هذا الجزء المهم الذي شكل مهدًا للثورة على القذافي رغم تأكيده على أن الشعب الليبي لن يقبل بتدخل دولي على أراضيه، بل يدعم بأكثر من ضربة جوية مكثفة تستهدف استئصال شأفة هذا الوجود الذي يهدد بإشعال مواجهة مع دول الجوار من بينها مصر في ظل الاتهامات الموجهة لليبيا باحتضان جيش مصري حر يستهدف النظام القائم في القاهرة حاليا.
ومما زاد الأجواء توترًا توالي الاتهامات الموجهة لليبيا في وسائل إعلام رسمية في مصر وغيرها، بأنها تحولت للمصدر الأول لتهريب السلاح والمخدرات إلى مصر وعدد من دول الجوار في ظل عجز حكوماتها المتعاقبة عن بسط سيطرتها على حدودها المترامية مع مصر ودول الجوار، ووصل الأمر إلى تهديد مبطن من قبل القاهرة بالقيام بعمل عسكري مصري ضد مناطق في الشرق الليبي تهدد أمن مصر؛ مما دفع الحكومة الليبية لإقامة ساتر ترابي لمناطق محاذية مع مصر في مسعى لضبط الحدود من جانب، وعمل عوائق طبيعية أمام أي قوة تريد غزو الشرق الليبي بريًا.
أزمة متشعبة ومعقدة
الأزمة داخل ليبيا متشعبة ومعقدة؛ فالأمر لا يتوقف على الأزمة مع مصر أو إبداء قوى خارجية قلقًا شديدًا على مجمل الوضع الأمني المهترئ، وعجز الدولة عن هيكلة أجهزتها وبسط سيطرتها على مجمل أراضيها؛ بل إن الأزمة في الداخل تتصاعد بطريقة غير مقبولة على الصعيد الداخلي، وهو ما ظهر واضحا في الضجة التي اشتعلت داخل المؤتمر الوطني العام لانتخاب رئيس وزراء جديد ورفض عدد نتائج التصويت التي أفضت لاختيار أحمد معيتيق رئيسًا للوزراء، وتشكيكًا في شرعيته ومخالفة ذلك للوائح المؤتمر العام واعتراض التحالف الوطني والقوى الليبية على أن معيتيق لم يحصل إلا على 113صوتًا، في حين تشترط اللوائح تأمينه لـ 120صوتا، وهو الأمر الذي رفضته القوى الإسلامية وفي مقدمتها: حزب العدالة والبناء الذي عَدَّ معيتيق رئيس وزراء شرعيًا لليبيا
سجال سياسي
وكان لتصاعد الخلافات داخل المؤتمر الوطني والسجال بين النائب الأول لرئيس المؤتمر والنائب الثاني تداعيات سلبية على مجمل الوضع السياسي والأمني؛ حيث عرقلت قدرة مؤسسات الدولة عن القيام بواجبها، وهو ما ظهر بقوة في اتساع نطاق اختطاف الدبلوماسيين العرب والأجانب وكان آخرهم السفير الأردني لدى طرابلس وربط الإفراج عنه بقيام عمان بإخلاء سبيل أحد النشطاء الإسلاميين، وهو ما تحقق بالفعل وهي أوضاع أمنية وسياسية مضطربة تحول دون استقرار البلاد أو انسياب الاستثمارات لدرجة أن عددًا من الخطوط الجوية الغربية قد أوقفت رحلاتها إلى ليبيا، وسحبت بعض الدول دبلوماسييها، وكذلك تراجعت عديد من الشركات الأوروبية عن العمل في ليبيا انتظارًا لتحسن الأوضاع الأمنية.
الخلافات تجاوزت الطابع السياسي وانتقلت في صدام مسلح بين القوى السياسية المختلفة، فالإسلاميون وحلفاؤهم يرفضون بشدة أي عودة لنظام القذافي من قريب أو بعيد، وأي عودة لسطوة الدولة بنظامها القديم على الدعوة، وهو ما يرد عليه خصومهم بالرغبة في اتهام بتكريس الفوضى وسيطرة دولة المليشيات على الأوضاع وهو ما يستغله أنصار القذافي لتأجيج الأوضاع وإشعال النزعات الجهوية والإثنية سواء في الغرب أم الجنوب الليبي، بل إن هذه الأوضاع المعقدة دعت وزير الخارجية الليبي للتأكيد على أن عودة الملكية هي السبيل الوحيد لاستقرار الأوضاع في البلاد، وهي دعوة لاقت رفضًا قويًا لكون أن الملكية قد تجاوزها الزمن، ولم تعد خيارًا مقبولاً لكثير من الليبيين.
دولة فاشلة
ومن المؤسف التأكيد على أن الانتخابات المحلية التي جرت في ليبيا خلال الفترة الماضية لم تستطع الخروج بالبلاد من أزمتها، فهي لم تحسم الصراع بين الفرقاء لصالح أي منهم، فمازالت الأجواء محتدمة بين الإسلاميين عبر ممثليهم العدالة والبناء وكتلة الوفاء للشهداء، وهو الأمر الذي يرجح معه استمرارًا للصراع السياسي وتداعياته المتمثلة في الانفلات الأمني، وتكريس سلطات المليشيات وعدم قدرة الدولة على بسط هيمنتها بما جعل البعض يتحدث عن إمكانية معاناة ليبيا من السيناريو الصومالي المتمثل في الدولة الفاشلة في ظل الصراع المحتدم بين قوى استخباراتية دولية وإقليمية على الحصول على أكبر قدر من الكعكة الليبية المتمثلة في ثروة نفطية هائلة يقع معظمها في الشرق المضطرب.
المخاوف من تحول ليبيا إلى دولة فاشلة تفرض على مؤسسات الدولة وعلى الفرقاء السياسيين خطوات عدة كما يؤكد السفير عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصرية السابق منها الدعوة لحوار وطني يحقق التوافق بين الفرقاء، ويجمعهم على كلمة سواء تضع مصالح الدولة الليبية في مقدمة أولوياتها، وتضع خارطة طريق ملزمة لجميع القوي السياسية للخروج بالبلاد من هذه الأزمة.
وأشار الأشعل إلى ضرورة أن يدرك الفرقاء الليبيبون أن المراحل الانتقالية تدار بالتوافق، ولا يمكن أبدًا أن يسيطر عليها نهج المغالبة فضلاً عن ضرورة الاستفادة من الدرس الذي وقع في مصر، مشددًا على ضرورة أن يصل الفرقاء الليبيون إلى توافق يمكن حدوث أي تغييرات دراماتيكية، ويقطع الطريق على أي تدخل دولي في الشأن الليبي ولاسيما أن الشعب الليبي لن يقبل هذا التدخل.
وشدد على ضرورة اتخاذ الحكومة الليبية إجراءات لضبط الأوضاع في مدن الشرق الليبي والتأكيد بعدم وجود أية تهديدات لأمن دول الجوار واتخاذ إجراءات فاعلة تؤكد عدم تحول الشرق لمعقل للتيارات المتطرفة والتصرف بوصفها حكومة مسؤولة معتبراً أن استمرار الأوضاع الحالية يقود البلاد إلى كارثة، ويكرس إلى غياب القانون وهيبة الدولة.
وتفاقمت الأزمة، وزادت حراراتها، وأخذت أبعادًا أكثر اتساعًا وشيوعًا لدرجة أنها أشعلت مواجهة بين مصر والجزائر وصلت للتلاسن بينهما والتهديد على لسان أحد المرشحين للرئاسة في مصر بغزو بلد المليون شهيد، وهو ما رد عليه ساسة جزائريون رداً عنيفاً دعا القاهرة للتراجع وتسوية الأزمة، وهو ما أرجعته مصادر مطلعة لوجود صراع بين جهازي مخابرات البلدين؛ حيث تبدي الجزائر تخوفا شديدًا من أي احتمالات لتقسم ليبيا أو تطبيق النظام الفيدرالي الذي تعُّده أكبر خطر على وحدتها وأمنها القومي، بل إن الجزائر كثيراً ما توجست من دور سلبي لأجهزة استخبارات عربية في ليبيا، سواء عبر تقسيم البلاد أم محاولة إشعال الفتنة بين الفرقاء، وهو دور ترفضه الجزائر رفضاً واضحاً، وترى ضرورة دعم العملية السياسية للخروج بالبلاد من أزمتها.
غموض دولي
يأتي هذا في الوقت الذي تبدي القوى الدولية مواقف غامضة، ففي الوقت الذي تعرب عن قلقلها من الأوضاع الأمنية المهترئة ورفضها لتصاعد الصراع بين الفرقاء السياسيين في ليبيا ومطالبتها للحكومة الليبية بوضع إجراءات للحد من انتشار الانفلات الأمني، واختطاف الدبلوماسيين وتحول شرق ليبيا كمعقل للمتطرفين، إلا أنها لم تلوح بخطوات قوية ضد ليبيا، رافضة التعليق على الدعوات بشن غارات جوية ضد المليشيات التي تهدد مؤسسات الدولة، أو تتخذ من الشرق معقلاً لتهديد دول الجوار.
ومن البديهي التأكيد على أن مثل هذه الأوضاع يكون لها تأثيرها السيئ على الوضع الاقتصادي؛ فغياب الأمن وغياب سلطة الدولة أسهم في تراجع إنتاج ليبيا من النفط إلى ما يقرب من 150 ألف برميل يوميًا، بعد أن كان يتجاوز مليوني برميل لدى اشتعال الثورة على القذافي، وهو انخفاض أشعل المخاوف على قدرة الدولة على الاستمرار بوصفها مورداً آمناً للنفط ولاسيما أن أزمة سيطرة ثوار على حقلي رأس لانوف والسدرة في الشرق الليبي لم تسو نهائيا حتى الآن في ظل اتهامات من الثوار للحكومة القائمة بعدم تنفيذ التزاماتها حتى الآن بما يهدد بعودة الأزمة للمربع الأول مجددًا؛ مما يشير لإمكانية عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها ومنها تسديد رواتب الجهاز الحكومي؛ مما يهدد باضطرابات واسعة النطاق بدأت في صفوف قوات تأمين مجلس الوزراء اعتراضا على عدم حصولهم على رواتبهم.
تجربة دول الجوار
مجمل الوضع في ليبيا مرشح للتصاعد في حالة استمرار السجال السياسي والأزمة الاقتصادية لاسيما أن التلاسن الدائر بين الفصائل السياسية حول شرعية رئيس الوزراء القادم أحمد معيتيق كما يؤكد الدكتور طارق فهمي -أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة- يشير إلي أن رئيس الوزراء السابق لن يكون أفضل حالاً من سابقيه، بل تجري محاولة لإضعافه رغم أنه يحظى بدعم فصائل التيار الإسلامية متنامية النفوذ في العملية السياسية في ليبيا.
ونبه إلى ضرورة وجود دعم لمعيتيق من قبل الفرقاء السياسيين ضروري جدًا للعبور بالبلاد من المأزق الشديد الذي تعاني منه نحو استعادة دور الدولة وبسط هيمنتها على كافة أرجائها، مشددًا على أهمية إيجاد تسوية لأزمة حقول النفط في الشرق لكون سيطرة المسلحين عليها يضر بالاقتصاد الليبي، ويعرض البلاد لأزمة شديدة في المعابر.
ونبه لأهمية أن تستفيد القوى المتصارعة من دول الجوار سواء في مصر وتونس للخروج من المأزق الحالي، فنهج المغالية أضر بالتيار الإسلامي ضرراً بالغاً في مصر، فيما نجحت سياسة التوافق وتقديم تنازلات متبادلة في الخروج في تونس بالبلاد من أزمتها وهو سيناريو يتمني الجميع تكراره ولاسيما أن هناك تيارات إسلامية في ليبيا ومنها التيار السلفي تأبي الدخول في المهاترات السياسية وقوى وطنية شريفة ترفض أي دور لفلول القذافي والرهان على هؤلاء يمكن أن يخرج البلاد من أزمتها.
لاتوجد تعليقات