المراكز الإسلامية بالبلقان تواجه (اﻹسلاموفوبيا)
اجتهد علماء الأمة وفقهاؤها في تدوين القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية الوقفية وتصنيفها منذ القرن الثاني، ففي كتاب المدونة للإمام مالك بن أنس (ت179هـ) ذكر ضوابط فقهية عدة، ونما هذا التأصيل في العهود الإسلامية، وخصصت له مصنفات مستقلة.
لا تزال ظاهرة الإسلاموفوبيا تثير قلق الأقليات المسلمة في الدول الغربية، ولاسيما في أوروبا، وليست منطقة البلقان التي شهدت حروبا طائفية وعرقية طاحنة أواخر القرن العشرين بمنأى عن هذه الظاهرة، لكن ثمة من يرى أن المراكز الإسلامية تمثل أملا جديدا في التصدي السلمي لهذه الظاهرة.
ويؤكد هذا الرأي رئيس العلماء المسلمين في مقدونيا الشيخ سليمان أفندي رجبي الذي يعد هذه المراكز «أمل المسلمين الوحيد في البلقان من أجل توطيد وحدتهم وحمايتهم، ولاسيما أنهم لم يعودوا يثقون بالسياسيين؛ لأن التجربة أثبتت أن الأحزاب السياسية -الإسلامية منها وغير الإسلامية- لم تنجز لهم شيئا، وأن ثقتهم يجب أن تكون بالمراكز أو المنظمات الإسلامية».
ويتفق معه في هذا الطرح (إبراهيم ملانوفيتش) -نائب مفتي سلوفينيا- الذي يؤكد أن مسلمي البلقان «من خلال مراجعة الذات والتركيز على الاندماج الإيجابي في المجتمعات، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يكون شرارة للصدام، وجدوا في المراكز الإسلامية شكلا ومضمونا ورافدا مهما لتجسيد الوحدة فيما بينهم وتشجيع التعايش السلمي بينهم وبين غيرهم في البلاد التي يوجدون فيها».
ثبات وتضحيات
ويصر (ملانوفيتش) على أن شكل المركز لا يقل أهمية عما يقدمه، ويرى أن المراكز يجب أن تواكب التقدم العمراني والهندسي والتقني للبلاد التي توجد فيها، وهذا ما «يسمح لها بالاندماج في محيطها ويسهل لمن يرتادونها الاندماج في مجتمعهم».
وينبه إلى أن انهيار الحكم الشيوعي في يوغسلافيا السابقة وما تلاه من صراعات طائفية وإثنية في منطقة البلقان، وما عاناه المسلمون بالذات على أيدي الصرب والكروات الذين خيروهم بين الرجوع عن دينهم أو القتل، كان له أثر بالغ على تشبث المسلمين بدينهم وعودتهم إليه والتضحية بالغالي والنفيس من أجل ذلك، بما في ذلك بناء مراكز تحافظ على هويتهم».
وحسب مفتي بيهاج في البوسنة (حسن أحمد ماكتش)، فإن «البذل في التعليم الديني بمساجد البوسنة مثلا، جعل تلك المساجد تتحول إلى مراكز مهيئة من حيث بنائها وتجهيزاتها وتدفئتها بوضع أفضل مما عليه الحال في المدارس حتى يعتز بها الأطفال وتكون مثار فخرهم وإعجابهم».
أما بشأن دور هذه المراكز في تخفيف حدة (الإسلاموفوبيا)، فيرى ماكتش أنها تمثل «عنوانا واحدا لمسلمي المنطقة الواحدة، مما يسهل التعارف والتواصل بين هؤلاء المسلمين وغيرهم، ويجعل الصلة بينهم وبين غير المسلمين شيئا عاديا»، مضيفا أن كل ما يصب في جعل العلاقات عادية بين المسلمين وغيرهم أمر ينبغي تشجيعه.
تفاوت
لكن اقتناع مسلمي البلقان بأهمية هذه المراكز واستعدادهم للتضحية من أجل تشييدها يقابله في بعض دول المنطقة -كما هي الحال في كثير من البلدان الأوروبية- رفض ومماطلة في أحسن الأحوال.
فلا تكاد تقابل مسلما من الدول الأوروبية إلا وتجد لديه قصة مركز أو مسجد أو مدرسة دينية أو حتى مصلى صغير لم يتمكن المطالبون بالترخيص له من تحقيق هدفهم، بسبب معارضة السلطات أحيانا والسكان المحليين أحيانا وهما معا في أحايين أخرى.
وتختلف الدول الأوروبية في ذلك بين دول تعترف بالإسلام دينا رسميا، وبين أخرى تحظر كل مظاهر التدين من خمار للنساء ومنارات للمساجد وغيرها. ولئن كانت المظاهر الإسلامية في البوسنة والهرسك وكوسوفو أمرا مألوفا، فإن الحال في باقي دول يوغسلافيا السابقة مختلفة، باستثناء كرواتيا التي تتميز عن غيرها بأنها تعترف بالإسلام دينا رسميا منذ بداية القرن العشرين.
لكن ثمة مبشرات في بعض هذه الدول كما يقول أفندي رجبي، وهي أن أعداد المسلمين في تزايد مقارنة بغيرهم، وهو ما سيجعلهم في دولة مثل مقدونيا أغلبية خلال أقل من عقد من الزمن.
لاتوجد تعليقات