الفيصل كثف ضغوطه على كيري لانتزاع موقف دولي لإنهاء حقبة الأسد- تعثر «جنيف2» يعمق المأساة السورية
- تمسك المعارضة بتنحي الأسد والدعم الروسي الإيراني لاستمراره يضع جهود التسوية السياسية على المحك
- التفرد الأمريكي الإيراني يطلق رصاصة الرحمة على إيجاد تسوية للأزمة السورية
- خلافات المعارضة السورية أضعفت موقفها وتنازلات الأسد أطالت عمر نظامه
- النظام البعثي يراهن على طوق النجاة الصهيوني وصفقة الكيماوي ستتكرر على مستوى صواريخ بعيدة المدى
- تواطؤ واشنطن مع جرائم العصابة البعثية يشعل التوتر مع الرياض
لا يبدو أن أزمة الشعب السوري المشتعلة منذ ثلاث سنوات تقريبًا في طريقها للحل، أو على الأقل الوصول لتسوية توقف عدد ضحايا إجرام النظام الأسدي عند 100 ألف قتيل وأكثر من مليون جريح وخمسة ملايين مشرد و5000 مواطن يغادرون البلاد يوميًا هربًا من جحيم عصابات الأسد وشبيحته وميليشياته وأنصاره مثل الحرس الثوري الإيراني وميليشيات المالكي ونصر الله.
فمؤتمر «جنيف2» الذي يعول عليه الكثيرون لإخراج البلاد من أزمتها لا يبدو أنه سيعقد هذا الشهر أو الشهر القادم بسبب العراقيل التي تواجهه بدءًا من مطالبة المعارضة السورية بضرورة أن تسفر المؤتمرات عن تنحي الأسد وتشكيل حكومة انتقالية تعد البلاد لصياغة دستور وإجراء انتخابات عامة، وهو الأمر الذي يرفضه النظام رفضاً باتاً بالتأكيد أن «جنيف2» لن تناقش تنحي الأسد من الأساس بل ويريد المسؤولون السوريون من التشدد بالقول أن الأسد سيترشح في انتخابات الرئاسة في 2014م بما دفع أحمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني السوري إلى الرد على المسؤولين بالتأكيد أن المعارضة لن تحضر المؤتمر طالما أن تنحي الأسد ليس مدرجًا على جدول الأعمال.
مشكلات وتعقيدات
وقد أكد نائب وزير الخارجية الروسي (ميخائيل بوجدانوف) على صعوبة عقد مؤتمر «جنيف2» في موعده مرجحًا إمكانية التئام شمل المعارضة والنظام في المؤتمر المرجح الدعوة إليه في ديسمبر القادم على أقل تقدير، وهو موقف يكشف كيف تباعدت الشقة بين النظام والمعارضة، وكيف أن إصرار المعارضة على تنحي الأسد قد يحبط فكرة المؤتمر في مهده ولا سيما أن هذا الخيار يبدو الوحيد أمام قوى إقليمية معتبرة في المنطقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي شددت على أنه لا مستقبل سياسي للأسد في سورية، وأن المجتمع الدولي لا يجب أن يقبل أن يكون له هذا الدور بعد كل المجازر التي ارتكبها نظامه في حق شعبه، وهو الأمر الذي شاطره إياه أمير قطر الذي أكد دعم بلاده لثورة الشعب السوري مؤكدًا في إشارة غير مباشرة لضرورة تنحي الأسد وإلزام جميع الأطراف باستحقاقات، منتقدًا الصمت الدولي المطبق تجاه مأساة السوريين.
ويبدو أن تمسك المملكة العربية السعودية وقطر بضرورة رحيل الأسد قد أزعج بشدة النظام السوري وحليفه الروسي لدرجة دفعت نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى التأكيد أن رحيل الأسد ليس مطروحًا على طاولة «جنيف2» بل وأن النظام السوري لن يتنحى استجابة لرغبة وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل وهو الموقف الذي أيده وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي أكد أن تنحي الأسد أمر يحدده الشعب السوري مشددًا على أن أهمية مشاركة إيران في «جنيف2» بوصفها إحدى القوى المؤثرة في المشهد السوري وهو أمر لازالت قوى فاعلة داخل المعارضة السورية ترفضها رفضاً تاماً بما أثار استغراب (لافروف) بشدة الذي لم يخف غضبه من المواقف المتشددة لرئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا.
أزمة دبلوماسية
ولا يبدو أن تنحي الأسد قد أشعل الغضب فقط بين الفرقاء بل أنه أثار أزمة دبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وهو ما اعترف به وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي ألمح لوجود أزمة بين بلاده والمملكة على خلفية الموقف من المعضلة السورية.
غير أن المسؤول الأمريكي عاد وأكد أن الخلافات مع السعودية بخصوص سوريا تدور حول التكتيكات وليس الاستراتيجيات مشيرًا إلى استغرابه لاعتقاد الأسد بإمكانية قبول المعارضة السورية لاستمراره في السلطة بأي شكل من الأشكال.
تراخٍ أمريكي
المتتبع للموقف الأمريكي حيال الأزمة السورية يشعر بتراخي واشنطن في حصار الأسد وعدم تبني موقف قوي لإجباره على التنحي بل على العكس تمامًا فهناك قبول بين شخصيات نافذة في إدارة أوباما لإمكانية استمرار الأسد في السلطة ولاسيما أنه أقدم على خطوات جيدة لتحقيق أمن إسرائيل منها تسليمه لترسانته من الأسلحة الكيمائية وعدم ممانعته في اتخاذ خطوة مماثلة فيما يتعلق بتصفية ترسانته من الصواريخ طويلة المدى، وهي الصواريخ التي حرص الأسد طوال أربعين عامًا على تجميعها خصمًا من رفاهية الشعب السوري استعدادًا لمعركة طويلة مع إسرائيل إذ أنه بتسليم هذه الترسانة طوعًا بشكل أثار إعجاب واشنطن وتل أبيب التي صارت الورقة الوحيدة في يد الأسد للبقاء في السلطة.
فالنظام الذي رفع شعارات الممانعة والمقاومة لمدة أربعين عامًا لم يعد يجد هو وحلفاؤه أي غضاضة في الرهان على طوق النجاة الإسرائيلي لضمان بقائه في السلطة انطلاقًا من أن ترسانة الأسلحة الكيمائية وملف الصواريخ بعيدة المدى كانت تشكل محطة توتر بين تل أبيب ودمشق، ولكن إذا تخلص الأسد من الملفين المزعجين وقدم إشارات على حسن النية التي ظهرت مؤخرًا في ترك الطائرات الإسرائيلية تعيث في الأجواء السورية دون أي مشكلات فيمكن لنظامه أن يظل في السلطة ولاسيما أن المواقف الإقليمية والدولية حيال استمراره في السلطة لا تبدو مزعجة في ظل استمرار الدعم الروسي الصيني الإيراني العراقي ووجود أنظمة عربية قوية لا ترغب في طي صفحته وهي تطورات منحت نظامه (رئة) لمواجهة الضغوط الدولية.
حسم المعركة
وعودًا على بدء فلا يمكن الحديث في هذا السياق عن نهاية قريبة للأزمة السورية فلا انفراجة فيما يخص الوصول لتسوية سياسية طبقًا لـ«جنيف2»، وليس هناك قدرة للجليش السوري الحر على حسم المعركة مع النظام ولا المعارضة السورية نجحت في تسوية الخلافات بينها خصوصًا بين الائتلاف الوطني والجيش الحر من جانب ودولة العراق والشام وجبهة النصرة من جانب آخر، بل أن الخلافات والمعارك بين الطرفين مشتعلة في مناطق عدة فيما لم يستطع الطرفان لجم خلافاتهما حول المشاركة في جنيف دون الحصول على ضمانات بتنحي الأسد، وهو ما ترفضه جميع رعاة المؤتمر بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تبدي حماسًا لهذا الأمر في ظل التنازلات المتتالية التي يقدمها الأسد في وقت لم يكن يحلم أعداؤه بهذا الأمر.
جلسة تشاور
ويتوقع أن تزداد الخلافات بين أقطاب المعارضة السورية خلال الأيام القادمة في ظل الدعوة التي وجهها مساعد وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف لكل من النظام والمعارضة لجلسة تشاور في موسكو أو حتى في جنيف للتحضير للمؤتمر سعيًا لتوفير سبل النجاح له وهي دعوة يمكن أن تثير جدلاً بين صفوف المعارضة بين مؤيد ومعارض ولا سيما أن حديث موسكو عن إمكانية حضور رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد أو قدري جميل نائب رئيس الوزراء المقال الذي طالب المشاركة في المؤتمر بوصفة أحد أقطاب المعارضة وهو أمر سيرفضه أغلب قوى المعارضة باعتبار أن الأسد وجميل شاركوا في جرائم ضد الشعب السوري سواء خلال ثمانينيات القرن الماضي في حمص وحماة أو خلال الثورة السورية التي خلفت أكثر من 100 ألف قتيل على الأقل.
ولاشك أن هذه الخلافات حول «جنيف2» تفرض حالة من الضبابية على الأزمة السورية كما يؤكد السفير ناجي الغطريفي مساعد وزير الخارجية المصري السابق والذي يرى أن فرص عقد مؤتمر «جنيف2» تبدو معدومة في ظل تباين المواقف بين الطرفين، فالمعارضة تتمسك بضرورة رحيل الأسد بوصفه شرطاً لحضور المؤتمر وتطالب كذلك بضرورة تطبيق مقررات مؤتمر جنيف1 وبضرورة تشكيل حكومة انتقالية لقيادة البلاد خلال الأشهر القليلة القادمة، وهو أمر يفسره كل طرف وفق مصالحه فالنظام يرى أن تشكيل حكومة انتقالية تؤدي فيها المعارضة دورًا مهمًا لا يعني رحيل الأسد، وهو الأمر الذي يصعب من محاولة الوصول لتسوية كهذه المعضلة ولاسيما أن الموقف الدولي يشهد انقسامًا غير مسبوق بين قوى رافضة لأي دور للأسد مثل السعودية وتركيا وبين دول داعمة للنظام مثل روسيا وإيران وبين دول ذات موقف غائمة مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ونبه إلى ضرورة طرح أحد القوى الإقليمية مبادرة للخروج من هذه المعضلة ولاسيما أن استمرار هذا الصراع يهدد بقاء سوريا كدولة موحدة فالأوضاع تشير إلى أن غالبية السوريين لن تقبل بدور سياسي للأسد، ولن تتعايش مع الأقلية العلوية فيما يحاول الأكراد الاستفادة مما يحدث للاعتراف بحقوق تاريخية لهم في سوريا قد تنتقص من الهوية العربية للبلاد.
وطالب الغطريفي الدول العربية ومنها مصر والسعودية بضرورة بحث عن تسوية تخرج سوريا من أزمتها ولاسيما أن استمرار السجال بين المعارضة والنظام والمعارك بين الجيش النظامي والحر سيحول سوريا لدولة أشلاء لن يستطيع أحد لملمتها.
غضب خليجي
من البديهي التأكيد أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدول العربية ومنها مصر وتركيز دول الخليج العربي على تنامي الدور الإيراني في دول الجوار وسعي إيران للتحول إلى قوى عظمى إقليمية قد شتت هذه الدول وجعلها لا تركز على إيجاد تسوية للأزمة السورية ولا سيما أن بلدان الخليج وهي أكبر بلدان العالم العربي قوة دخلت في سجال مع الولايات المتحدة حول التمدد الإيراني ورفض واشنطن للجم تصاعد النفوذ الإيراني في سوريا ومشاركة الحرس الثوري وفي ذبح السوريين وهو الأمر الذي اعترف به وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لدى زيارته لبولندا وهي خلافات كما يرى الدكتور طارق فهمي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة ستزيد من عمق الأزمة السورية بل ستفتح الباب على مصراعيه لتمسك كل دولة بموقفها من الصراع السوري مما سيحول الشعب السوري للمتضرر الأكبر من تدويل أزمته وتحول بلاده إلى مسرح للصراع الدولي.
ويرى فهمي أن النظام السوري قد نجح في توظيف عدد من التنازلات لتعزيز موقفه دوليًا وتخفيف حدة الضغوط لتنحي الأسد غير أن هذا الأمر لا يحسم الصراع، فالجيش الحر وفصائل المعارضة مازالت تكتسب أرضية أن يومية وتحقق نتائج جيدة على الأرض وإن كانت غير حاسمة إلا أنها تبقى هذه الفصائل تبقى لاعبًا أساسيًا في الساحة.
وطالب فهمي قوى المعارضة السورية بضرورة توحيد مواقفها سواء أكانت إسلامية أم علمانية ولاسيما أن الأسد قد استفاد من خلافات المعارضة والمعارك التي دارت بين الجيش الحر وجبهة النصر ودولة العراق والشام الإسلامية لافتًا إلى ضرورة طي هذه الخلافات إذا كانت هذه القوى راغبة في طي صفحة الأسد وإنهاء مأساة الشعب السوري.
لاتوجد تعليقات