رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أحمد أبو زيد 2 يونيو، 2010 0 تعليق

يضم تاريخ أم القرى منذ النشأة الأولى وحتى اليوم- متحف مكة للآثار .. ملحمة حية لتراث الحج والحرمين

 

     المتاحف مؤسسات ثقافية وحضارية مهمة؛ فهي تعد مستودعا لتراث الأمم والشعوب، وتضم الآثار والتحف والمقتنيات التاريخية، التي تعبر عن الحضارة والثقافة وأنماط الحياة في مختلف العصور. وقد أولت المملكة العربية السعودية الآثار والأماكن التاريخية والأثرية أهمية خاصة، وحرصت على العناية بها والمحافظة عليها، فأقامت المتاحف الأثرية، التي تضم كل ما يتعلق بالأماكن والآثار التاريخية. ويعد متحف مكة المكرمة للآثار والتراث الإنساني، والذي أنشأته وزارة التربية والتعليم بالمملكة، وتم افتتاحه منذ 4 سنوات، وبالتحديد في شعبان 1427 هـ (سبتمبر 2006م)، بقصر الملك عبدالعزيز بحي الزاهر في العاصمة المقدسة، من أهم المتاحف التي أقيمت في المملكة، ولعل ذلك يرجع إلى ارتباطه بمكة المكرمة أم القرى وأشرف البقاع.
 
     وهذا المتحف يحتوي على نحو 10 آلاف قطعة أثرية، ويضم بين جنباته تاريخ مكة المكرمة منذ فجر التاريخ، وحتى وقتنا الحاضر؛ وذلك لخدمة تراث السعودية وتاريخها وحضارتها بعامة، ومكة المكرمة على وجه الخصوص.
وتشتمل معروضاته المتحفية على مجموعة من القطع الأثرية والتراثية والسكوكات والنقوش والكتابات الحجرية، فضلاً عن مجموعة من الوثائق والأدوات التعليمية القديمة، كما يضم مكتبة وقاعة محاضرات، وهذا يتيح لمواطني المملكة وزوار مكة المكرمة من المعتمرين والحجاج الاطلاع على ما يتضمنه من قطع أثرية وتراثية تجسد تاريخ وحضارة المملكة العربية السعودية، وحضارة وتاريخ مكة المكرمة على وجه الخصوص.
 
-موقع المتحف
     ولقد أنشئ هذا المتحف، الذي أسند تشغيله إلى الهيئة العليا للسياحة؛ ليكون معلما وطنيا، ليس على مستوى مكة المكرمة فقط، وإنما على مستوى المملكة، بما يضمه من مقتنيات ومأثورات تسهم في إثراء مسيرة التعليم والتوعية الثقافية.
وهو يشغل قصرا من أقدم القصور، وهو قصر الزاهر الذي تم تشييده عام 1365هـ/ 1946م، بأمر من جلالة الملك عبدالعزيز، رحمه الله، واستغرق بناؤه 7 سنوات؛ حيث فرغ منه عام 1372هـ، واستخدم مدة من الزمن قصرا للضيافة، ثم منح عام 1378 هـ لوزارة المعارف آنذاك، التي حولته ليكون مقرا لمدرسة الزاهر المتوسطة، وأعادت توظيف غرفه وصالاته إلى فصول دراسية، واستمر استخدامه حتى عام 1398هـ، ثم سلم المبنى إلى وكالة الآثار والمتاحف سابقا التي تولت ترميمه ترميما شاملا، وإعادته إلى الحالة المعمارية التي كان عليها، وقد تكلف ترميمه وتهيئته 4 ملايين ريال سعودي.
 
     ومبنى القصر من طراز معماري رائع، يجسد فن وأسلوب العمارة التقليدية في مكة المكرمة، فضلاً عن ما يمثله هذا المعلم التاريخي من تخليد لتاريخ وتراث مكة المكرمة في مبناه ومحتواه.
وتبلغ مساحته 3425 مترا مربعا موزعة على ساحة أمامية بمساحة 1200 متر مربع، والمبنى الرئيس للقصر بمساحة ألف متر مربع، وملحق خلفي بمساحة 425 مترا مربعا، وباقي المساحات تشغلها طرقات وممرات حول القصر.
15 قاعة متحفـيـة
 
     ويتكون المتحف من طابقين، ويشغل مساحة 2000 متر مربع من القصر، ويضم 15 قاعة تحوي كنوز التراث العربي والإسلامي الذي يرتبط بأرض الحجاز، إلى جانب العديد من القطع التراثية ونفائس التراث في مختلف المجالات ومن مختلف القرون، ومنها مخطوطات ومسكوكات نادرة تعود لمئات السنين.
 
- والطابق الأرضي من المتحف يضم 4 قاعات هي: قاعة آثار المملكة، وقاعة ما قبل التاريخ، وقاعة التاريخ الجيولوجي والطبيعي لمكة المكرمة، وقاعة ما قبل الإسلام، أما الطابق الثاني فيتكون من 11 قاعة منها: قاعة الحج وعمارة المسجد الحرام، وقاعة التراث المكي، وقاعة المصحف الشريف، وقاعة السيرة النبوية، وقاعة الكتابة وتطوير الخط العربي، وقاعة المسكوكات، وقاعة الدولة السعودية وقاعة أخرى للتعليم، وقاعة لمعروضات من روائع الحضارة الإسلامية.
قاعة الحج
 
     وتعد قاعة الحج في المتحف من القاعات المتميزة؛ لكبر مساحتها، وعظم المادة المتحفية فيها، فهي كتاب مفتوح عن الحج عبر العصور؛ حيث الطرق المختلفة المؤدية إلى مكة المكرمة مدعمة بخرائط وصور للأحجار الميلية التي كانت توضع على الطريق لهداية الحجاج أثناء رحلتهم من وإلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقلاع التي كانت بمنزلة استراحات الحجاج، كما تضم القاعة صورا قديمة لرحلات الحج ومجسمات للمشاعر المقدسة.
 
     وخصصت قاعة بالمتحف لعرض المراحل التي مرت بها عمارة المسجد الحرام، بدءا من عصر الخلفاء الراشدين ثم العصر الأموي والعباسي، وعهد الخلافة العثمانية، حتى التوسعة في عهد الدولة السعودية التي كان آخرها التوسعة الكبرى التي تمت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، كذلك تم عرض مراحل بناء الكعبة المشرفة وكسوتها فضلاً عن عرض مجسم للمسجد الحرام بوسط القاعة.
 
- آثار الحج والحرمين الشريفين
- وإذا نظرنا إلى الآثار التي يضمها المتحف التي تتعلق بتاريخ الحج والكعبة المشرفة والمسجد الحرام، نجد ما يلي:
- منبر المسجد الحرام، صنع قبل حوالي قرن من الزمان.
- ساعة كانت في المسجد النبوي، ربما تكون من إحدى الساعات التي أرسلها السلطان العثماني عبدالمجيد الأول للمسجد النبوي عام 1277هـ.
- ميزاب الكعبة، مصنوع من الخشب المُصَفّح بالذهب من الخارج، ومبطن بالرصاص من الداخل، يعود تاريخه لعام 1273هـ.
- إطار الحجر الأسود من عهد السلطان العثماني مُراد خان.
- زخرفة على حجر الشميسي، كانت مثبتة في أروقة المسجد الحرام، نقش عليها البسملة وسورتا المعوذتين، يعود تاريخها للقرن الثاني عشر الهجري.
- لوح من حجر الشميسي نقش عليه اسم السلطان المملوكي قايتباي المتوفى عام 1901م، كان مثبتا في أحد أروقة المسجد الحرام.
- مقرنصات على حجر الشميسي كانت موجودة فوق أحد مداخل الحرم يعود تاريخها للقرن الثاني عشر الهجري.
- نص تأسيسي على الرخام لعمارة المطاف في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.
- صورة عن نسخة من المصحف العثماني الأصل الذي كتب في عهد عثمان بن عفان.
- أوان قديمة تم العثور عليها في بئر زمزم قبل أربعة عقود عندما تم تجديد بناء البئر.
- قربة ماء وأوان أخرى عُثر عليها في قاع بئر زمزم.
- صورة قديمة نادرة للمسجد النبوي في المدينة المنورة.
 
- المعالم الأثرية للمملكة
     أما قاعة المعالم الأثرية والتاريخية للمملكة، فتضم صورا لأهم المعالم الأثرية والتاريخية في مناطق المملكة، مثل النقوش، والرسوم الصخرية، والقلاع، وطرق الحج، والمدن، والمنشآت، والمساجد التاريخية ومكتشفات الحفريات التي خصص لها خمس خزائن عرض، تعرض مختارات من القطع الأثرية التي تم اكتشافها أثناء التنقيبات في مناطق المملكة؛ حيث يشتمل العرض على أجزاء لأوان من العرض الصابوني من موقع المعدن بمحافظة الطائف، وأدوات من العصر الحجري مصنوعة من حجر الصوان من منطقة الرياض، ومجموعة من الأواني الفخارية من موقعي الحمراء والصناعية بمحافظة تيماء، ويعود تاريخها إلى الألف الأولى قبل الميلاد، وأوان فخارية من موقع الحجر مدائن صالح، يعود تاريخها إلى سنة 100ق.م، وأوان فخارية متنوعة من المنطقة الشرقية، وأوان فخارية من موقع جنوب الظهران يعود تاريخها إلى الألف الثالث ق.م، وأوان فخارية وأجزاء من الأواني من موقعي سهى وعثر بمنطقة جازان.
التراث المكي
 
      وتعرض قاعة التراث المكي العديد من التراثيات في عشر خزائن عرض كبيرة، ضمت أدوات البادية، وصناعة الخوصيات، والأسلحة القديمة، وأدوات الصيد والزراعة والطهي والأكل والمشرب والإضاءات ودلال القهوة والمياه والملابس النسائية وأدوات الزينة.
 
      وفي قاعة روائع الفن الإسلامي، تعرض مجموعة مختارة من التحف الإسلامية التي تعود إلى فترات إسلامية مختلفة، وتمثل مختلف الدول الإسلامية، ومن ذلك الجرار والأطباق الخزفية المزينة بالزخارف الهندسية والنباتية والشمعدانات النحاسية التي تحمل أشرطة كتابية وزخرفية، والصواني النحاسية المليئة بالرسوم النباتية فضلاً عن مجموعة من السجاد الشرقي.
 
      وفي قاعة السيرة النبوية نجد بعض الإضاءات المشرقة من سيرة أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، منذ ولادته حتى وفاته، كما تضم هذه القاعة خزائن وسطية تعرض كسرا لأوان فخارية وخزفية إسلامية مبكرة، التقطت أثناء أعمال الحرف والتوسعة في منطقة الحرم المكي الشريف.
 
- تاريخ الكتابة العربية
     وتتناول قاعة تطور الكتابة تاريخ الكتابة العربية منذ بدايتها، وأنواع خطوطها، وأماكن نقشها في منطقة مكة بصفة خاصة، وفي المملكة العربية السعودية بصفة عامة، وأشهر الخطاطين العرب، وأشهرهم بمكة المكرمة، ومواد وأدوات الكتابة.
 
     وتوضح أنواع الخطوط وأشكالها وطريقة كتابتها والموضوع الذي من أجله نقش النص، ومن ذلك نص تأسيسي لعمارة مسجد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مؤرخ في عام 319هـ /913م، ونقش بالخط الكوفي يعود إلى القرن الثاني الهجري، وآخر يعود إلى التاسع الهجري، ونص تأسيسي لإنشاء سبيل مؤرخ بعام 844هـ ، ومجموعة أخرى من النقوش، ويضم المتحف مصحفا مخطوطا يعود تاريخ كتابته إلى عام 1287هـ.
العملات الإسلامية
 
     وتعرض قاعة العملات عددا من العملات الإسلامية مختلفة الأشكال والمقاسات، ترجع إلى فترات تاريخية إسلامية متعاقبة، مع توضيح مسمياتها وخصوصا في منطقة مكة المكرمة، وتضم هذه القاعات أربع خزائن عرض، تعرض كل واحدة مجموعة من المسكوكات صنفت لتعطي الزائر فكرة واضحة عن تاريخ العملة ومكان سكها واسم الحاكم أو الخليفة الذي سُكّت في عهده.
 
     وخصص بالمتحف قاعة للبيئة الطبيعية لمكة المكرمة، تعرض جانب التاريخ الطبيعي للبيئة والجيولوجيا في منطقة مكة، وللكائنات الحية بأنواعها من أسماك وطيور وحيوانات التي حافظت على مكونات بقائها؛ نتيجة لحرص حكومة المملكة علي حماية الحياة الفطرية في منطقة مكة المكرمة.
 
     ويستطيع الزائر للمتحف من خلال قاعة مكة التعرف على نشأة مكة وأسواقها القديمة خلال عصور ما قبل الإسلام، التي كانت ملتقى عاما يحوي كل نواحي النشاط الإنساني في الجزيرة العربية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية، والحج وبناء البيت، ورحلة الشتاء والصيف، وحادثة الفيل التي أراد فيها الأحباش غزو مكة المكرمة.
 
-وثائق المملكة
     وتحكي قاعة الدولة السعودية بالكلمة والصورة والخريطة ملحمة تأسيس دولة أصبحت اليوم عظيمة وذات نهضة عمرانية واقتصادية وسيادة سياسية؛ بفضل تمسك حكامها وأهلها بشريعة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
 
     كما تعرض هذه القاعة مجموعة من الوثائق ترجع إلى عهد الإمام فيصل بن تركي من عهد الدولة السعودية الثانية، ووثائق من عهد جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - وعملات سعودية ورقية ومعدنية تعود إلى فترات الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة ومجموعة نادرة من الطوابع.
 
     وهناك مجموعة من الخدمات الثقافية التي يقدمها المتحف، إلى جانب ما يحتويه من كنوز تاريخية، ومنها: تنظيم زيارات لجميع شرائح المجتمع والمؤسسات الحكومية والخاصة والشركات والمدارس وغيرها للمتحف، وإجراء مسابقات ثقافية بين طلاب المدارس، وتنظيم أمسيات شعرية وندوات ومحاضرات.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك