بحضور كوكبة من العلماء من داخل الكويت وخارجها- وزارة الأوقاف الكويتية تقيم ندوة «إلا تنصروه فقد نصره الله»
في أمسية رائعة كانت أشبه بملحمة فكرية، اختتمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالتعاون مع منظمة النصرة العالـمية الأسبوع الـماضي فعاليات ندوة: «إلا تنصروه فقد نصره الله»، وقد حضر الندوة كوكبة من العلماء والمفكرين من داخل الكويت وخارجها وعلى رأسهم من مصر كل من الدكتور محمد يسري، والدكتور محمد عبد المقصود، ومن المملكة العربية السعودية الدكتور عبد الوهاب الطريري وغيرهم، وقد استمرت الندوة إلى قرابة الحادية عشرة مساءً، واستطاع فيها المحاضرون أن يلهبوا مشاعر الحضور وحماسهم من خلال أطروحاتهم المتميزة، إلا أنهم استطاعوا أن يضبطوا هذه المشاعر الجياشة بحب النبي صلى الله عليه وسلم، برباط العقل القائم على الدليل من الكتاب والسنة، فكانت أمسية رائعة خرجت في النهاية بمشاريع عمل نسأل الله أن تحقق المراد منها إن شاء الله.
وقد افُتتحت الندوة بكلمة لوكيل الوزارة الدكتور عادل الفلاح بيَّن فيها حرص دولة الكويت ودورها الحضاري في دعم القضايا الإسلامية والحفاظ على ثوابت الإسلام وشعائره، كما وجه الشكر لمنظمة النصرة العالمية مبينًا دورها الرائد في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم بيَّن بشاعة الفيلم الذي تعرض للإساءة لنبينا صلى الله عليه وسلم موضحًا أن الله تبارك وتعالى جعل حبه وتقديره وتوقيره مقتضى عظيمًا من مقتضيات الإيمان، بل لا يصح الإسلام إلا به، من هنا فمن الطبيعي أن يستنكر المسلمون هذا الفعل الشنيع في حق نبينا صلى الله عليه وسلم وأن يغضبوا لذلك، ولكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا الغضب وهذا الانفعال لا يكون باستنفار كره الآخرين، وإيذاء من ليس له ذنب.
ثم بين أن من أهم الأحكام الشرعية التي تحكم غضبنا، الحفاظ على العهود والمواثيق، وحماية السفراء والتجار وغيرهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، ..» الحديث، ثم بيَّن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الرسل، ثم أكد على ضرورة التعامل الحضاري مع الحدث من خلال تقييمه ووضع التصور الصحيح للتعامل معه؛ حتى لا نقع في أخطاء لا ترتضيها شريعتنا ولا رسولنا صلى الله عليه وسلم ، مبينًا دور وزارة الأوقاف الاستباقي في التعامل مع انتهاك المقدسات وفق رؤية حضارية لا تعتمد على ردات الفعل من خلال التعاون مع منظمة النصرة العالمية في عقد المؤتمرات والندوات والمعارض داخل الكويت وخارجها، لتقديم الصورة الناضجة للدفاع عن ثوابت الإسلام ومقدساته، وذلك كله تحت رعاية وتوجيه سمو أمير البلاد، ثم بين في نهاية كلمته ضرورة أن تُفوِّت الشعوب الإسلامية الفرصة على الذين يستفزونهم من خلال هذه الأفعال المشينة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في العالم.
مشاريع عملية للنصرة
ثم تكلم الدكتور سالم الشمري الأمين العام لمنظمة النصرة العالمية، الذي حيا في بداية كلمته وزارة الأوقاف الكويتية على دورها في دعم المشاريع الحضارية، ثم بين أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون بالأفعال المتشنجة غير المسؤولة، واستطرد في ذكر عدد من الأمثلة والنماذج من السيرة النبوية لتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع مثل هذه الإساءات، ومنها موقفه صلى الله عليه وسلم حينما قالت له اليهود: «السام عليك يا محمد»، فرد عليهم: «وعليكم» وانتهى الأمر، ثم لما قيل له يا رسول الله إن دوسًا أبت، ادع الله على دوس، فقال صلى الله عليه وسلم : «اللهم اهد دوسا، اللهم اهد دوسًا»، ثم بين مواقف كثيرة من صبر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكافرين له، مبينًا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ثم بين احتفاء غير المسلمين من المفكرين والأدباء بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأنها أعظم شخصية على مدار التاريخ، كما سرد عددا من المشاريع العملية التي قامت بها منظمة النصرة العالمية منذ إنشائها، وكيف كان لهذه المشاريع - التي وصفها بالمشاريع الحضارية – التأثير الكبير على الغرب وتغيير نظرتهم للنبيصلى الله عليه وسلم .
إلا تنصروه فقد نصره الله
ثم كانت الكلمة للدكتور محمد عبد المقصود التي كانت بعنوان «إلا تنصروه فقد نصره الله»، والذي قال: إننا لم نأت إلى الكويت إلا نصرة لأنفسنا لأن الله قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره}، وقال تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه}، ثم بيَّن أن معاداة الرسل والأنبياء سنة قرآنية، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه}، وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}، وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}، ومع ذلك فقد وجدنا أن الله تبارك وتعالى يسلط على بعض رسله أعداءهم فقتلوهم، قال تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون}، فهل كان ذلك خذلانًا من الله تبارك وتعالى لرسله – حاشاه سبحانه – لأن الله بين أن مهمة الرسل هي البلاغ، ثم بيَّن الإيذاء الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم طوال دعوته ومنه الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن ابن مسعود: لما وضع عقبة ابن أبي معيط سلا الجذور بين كتفيه، يقول ابن مسعود وأنا أنظر وقال: «لو كانت لي منعة لطرحته عن ظهر النبي صلى الله عليه وسلم »، وبرغم أنهم ضربوه وكسروا رباعيته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ومن هنا كان لزامًا علينا معرفة كيف ننصر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأرى -والله أعلم- أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم تكون في إعلاء سنته، واتباع منهجه [، وأن ذلك يكون غاية النصرة، ألا ترى حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء»، فلما سئل صلى الله عليه وسلم عن الغرباء قال في رواية: «النزاع من القبائل»، وفي رواية: «الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي»، فدلَّت هذه الرواية على أن غربة الإسلام هي غربة السُنَّة، ومن هنا نستطيع أن نفهم هذه الهجمة الضارية عليه وعلى سنته صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك علينا أن نبذل الجهد في نشر سنته بين الناس.
ثم بين الشيخ أن من سعى لنصرة منهج النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره صلى الله عليه وسلم فهذا لا يكون نصرةً أبدًا، فلا يعقل أن يُسَب النبي صلى الله عليه وسلم على بعد آلاف الأميال فيعتدي بعضنا على بعض، ونعتدي على الأموال سواء الأموال الخاصة أم الأموال عامة، وهذا ما نهى صلى الله عليه وسلم عنه وحذَّر منه، كذلك لا يجوز لنا أن نغدر وننقض العهد مع الذين أمَّناهم وأدخلناهم بلادنا، فالتأشيرة في العصر الحديث هي عقد أمان وإن لم يُنص فيها على حرمة الدم، فلا يجوز لنا أن نعتدي على حاملها سواء كان سفيرًا أم سائحًا أم حتى كافرًا ما دمنا أمَّناه لا يجوز لنا أن نعتدي لا على دمه ولا على ماله ولا على عرضه، ومن فعل هذا كانت فضيحته فضيحة كبرى يوم القيامة، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُنصب لكل غادرٍ لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان»، فعلينا إذا أردنا أن ننصر النبي صلى الله عليه وسلم أن نستمسك بالذي أوحي إليه فإنه على صراط مستقيم.
نظرة الغرب للإسلام قديمًا وحديثًا
ثم تحدث الدكتور عادل الصلاحي صاحب كتاب (النبي الإنسان) المطبوع باللغة الإنجليزية، واستعرض في كلمته نظرة الغرب إلى الإسلام قديمًا وحديثًا وهل تغيرت هذه النظرة أم لا، ثم ذكر أن الغرب لا يعرف معنى احترام المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم فهم يصورون المسيح في صور شتى منها السلبي والإيجابي حتى وصلوا إلى وصفه والعياذ بالله بالشذوذ، والكنيسة لا تستطيع وقف هذا؛ لأنهم يعدون حقوق الإنسان وحرية التعبير مقدمة على كل شيء، كما أننا لا بد أن نعرف نظرة الغرب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومع الأسف الشديد فهي صورة سلبية للغاية، بسبب الشبه القديمة التي روج لها المستشرقون، كزواج النبي صلى الله عليه وسلم من تسع نساء، وانتشار الإسلام بالسيف وغيرهما من الشبهات، في المقابل فإن الصوت الذي يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغرب صوت خافت لا يرقى لمواجهة أصوات هؤلاء المتطرفين.
ثم انتقل إلى مسؤوليتنا لمواجهة هذه الحملة الخبيثة، وأنه لا بد أن تكون هناك جهود متكاملة تتوافر فيها عدة عناصر من أهمها:
- معرفة طبيعة المجتمع الذي نخاطبه ومكانة الفرد فيه.
- معرفة الخطاب المناسب لهذا المجتمع.
- تنوع الأسلوب والوسائل.
- معرفة تأثير الجالية المسلمة في المجتمع الغربي ومساعدتها على فهم دورها في التغيير.
ثم اختتم تلك العوامل بأنها لا يمكن أن تأتي منفردة ومن الخارج وإنما يجب أن يشارك فيها الغربيون أنفسهم حتى نضمن استثمار هذه الجهود واستمراريتها.
ضرورة نشر سيرة النبي
ثم انتقلت الكلمة للدكتور عبد الوهاب الطريري، الذي ألهب فيها حماس الجمهور، مؤكدًا على أهمية هذه الملتقيات في ترشيد وتوجيه الانفعال في مثل هذا الحدث الجلل، ثم بين مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أن جميع الكون والخلق يحبه، مبينًا في الوقت نفسه أننا يجب ألا نزايد على محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهم أعظم الناس حبًا له، وأعظم الناس غيرة عليه، وأعظم الناس ارتباطًا بمنهجه.
ثم استعرض الشيخ عددا من الروايات الدالة على ذلك منها قصة سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في صلح الحديبية؛ حيث كانت المفاوضات دائرة بين النبي صلى الله عليه وسلموالمشركين، قال: فذهبت إلى شجرة لأستريح تحتها، وكان هناك عدد من المشركين علقوا سيوفهم عليها، فوقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآذاني كلامهم، فقمت عن الشجرة وتركتهم، ثم سمعت صوتًا يقول: قُتل فلانٌ من المسلمين، فرجعت إلى الشجرة وأخذت سيوفهم، ثم قدتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعفا عنهم صلى الله عليه وسلم . ثم تساءل قائلاً: كانت القينات في مكة تعزف بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فهل ورد في السيرة أن المسلمين انشغلوا بإيذاء هذه القينات للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ لا؛ لأنهم كانوا منشغلين بتبليغ المشروع الرسالي إلى الناس كافة.
ثم ذكر الشيخ قصة ثمامة بن أثال بن النعمان، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلمربطه في المسجد ثلاثة أيام، وذكر أن الهدف من ذلك هو أن يتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الذي لا بد أن نكون عليه في التعامل مع هذا الحدث، وخاصة أن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم لها ميزات لم توجد في غيرها من الشخصيات، ومنها:
الوضوح: فحياة النبي صلى الله عليه وسلم شفافة كما قال أحد المستشرقين «ذاك نبي يمشي تحت الشمس».
التفاوت والشمول: فحياة النبي صلى الله عليه وسلم صالحة لكل شخص، وليس كغيره من البشر، فمثلاً شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يستطيع كل أحد أن يكون على نمط شيخ الإسلام نفسه، بعكس النبي صلى الله عليه وسلم ، يستطيع كل شخص أن يجد فيها كل ما يريد.
وختم الشيخ حديثه بضرورة نشر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الناصعة النقية على العالم أجمع حتى يعرفوا من هو النبي صلى الله عليه وسلم وما هي أخلاقه.
انحسار الصورة السلبية للمسلمين لدى الغرب
ثم تكلم الشيخ الدكتور محمد يسري مبينًا أنه رغم هذه الإساءات المتكررة للنبي صلى الله عليه وسلم ، والإسلام عمومًا، إلا أن الصورة الذهنية والنمطية السلبية للمسلمين لدى الغرب آخذة في الانحسار، وذكر أن الأدلة على ذلك كثيرة، ومنها أن عددا ليس بالقليل من المستشرقين الرجال والنساء مثل (روبرت فيسك) و(سوزان دوجلاس) وغيرهما، بدأوا يتكلمون عن الإسلام بصورة إيجابية، فضلاً عن أنَّ كثيرا من الدول الغربية بدأت تدرس المنهج الإسلامي في مدارسها، وهذا أفاد المسلمين الموجودين في الغرب كثيرًا، ولقد كان السبب في ذلك تأكيد عدد من الخبراء والمختصين أن الصورة التي تعرض عن المسلمين صورة مشوهة وغير حقيقية، فبدؤوا بالاستعانة بمجموعة من الأكاديميين والمتخصصين لوضع المناهج المنضبطة عن الإسلام والمسلمين، وهذه من المبشرات التي نستبشر بها، كما أن من المبشرات زيادة أعداد الراغبين في تعلم اللغة العربية، فمصر مثلاً تستقبل عشرات الآلاف سنويًا من هؤلاء، وطائفة منهم ترجع إلى بلادها وقد تغيرت الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين وطائفة أخرى ترجع مسلمة إلى بلادها.
كما أننا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الغرب ليس على درجة واحدة في العداء، كما أنهم ليسوا على درجة واحدة في فهم الثوابت الإسلامية، وطائفة كبيرة منهم تحتاج إلى التعريف بديننا وبنبينا عليه الصلاة والسلام.
كما بين في نهاية كلمته آلية التحرك عند حدوث مثل هذه الاساءات، وضرورة بذل جهود وقائية وعلاجية لمواجهتها.
لاتوجد تعليقات