رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 13 سبتمبر، 2011 0 تعليق

بعد سقوط نظام القذافي هـل اقتربـت سفينـة ليبيا من بر الأمان؟

 

حينما اقتحم الثوار الليبيون طرابلس وبسطوا سيطرتهم على معقل القذافي في باب العزيزية وإسقاط نظامه الذي جثم على صدر الشعب الليبي لأكثر من أربعين عامًا، لم يكونوا ليدركوا أن هذه الحلقة هي أيسر إجراء في مسلسل طويل بدأ بإسقاط نظام العقيد ولن ينتهي قبل مواجهة عدد كبير من التحديات.

      فالثوار الذين عانوا طويلاً قبل النجاح في نهاية المطاف في السيطرة على العاصمة يواجهون عددًا من الأسئلة شديدة الصعوبة التي ينبغي الإجابة عنها قبل تلمس عتبات مستقبل بلادهم والذي يبدو رغم موجة التفاؤل التي تلت سقوط طرابلس أمرًا شديد الضبابية، ولاسيما أن القضاء التام على النظام لم يتحقق في وقت يمتلك هو وفلوله ثروات مالية ضخمة نتيجة النهب المنظم لثروة الشعب الليبي طوال 42 عامًا، وهي أموال يمكن توظيفها في إشعال موجات اضطراب في أغلب المدن الليبية بشكل حدا بالمراقبين لمطالبة المجلس الانتقالي بمحاولة فتح حوار مع بقايا نظام القذافي وضمان تجنيدهم حتى لا يتم استخدامهم سواء من قبل القذافي أم في أجهزة الاستخبارات الغربية لإدخال البلاد في نفق مظلم خصوصًا إذا سعى المجلس الانتقالي لتبني سياسات مستقلة أو رفض التعاطي بإيجابية مع المحاولات الغربية المستمرة للسطو على الثروة النفطية للشعب الليبي.

استعادة الأمن

      ومن البديهي التأكيد على أن هناك تحديات عديدة تجابه المجلس الانتقالي بعد أيام قليلة من سقوط طرابلس أهمها العمل على استعادة الأمن لأغلب المدن الليبية في ظل وجود الملايين من قطع السلاح في أيدي الثوار واحتمال أن تسهم مثل هذه الأوضاع في شيوع فوضى.

       ولعل لجوء المجلس الانتقالي لتأسيس لجان شعبية ومناشدة منتسبي الأجهزة الأمنية لمعاودة العمل كان خطوة جيدة لقطع الطريق على أي محاولات لحدوث عمليات نهب منظم للمؤسسات والممتلكات العامة والخاصة يشبه ما حدث في بعض المدن العربية بعد سقوط نظامي مبارك وبن علي في مصر وتونس.

      ولا تتوقف التحديات التي تجابه المجلس الانتقالي عند هذا الحد خصوصًا فيما يتعلق بهوية ليبيا العربية والإسلامية، فلا يخفى على أحد أن الإسلاميين قد أدوا دورًا مهمًا في إسقاط نظام العقيد سواء في المدن الشرقية أم في معركة السيطرة على طرابلس، وهو دور كان محل ترحاب سواء من المجلس الانتقالي أم من الحلفاء الغربيين الذين غضوا الطرف عن هذا الدور باعتبار أن إسقاط العقيد هدف يجب توحيد الصفوف لتحقيقه.

الصمت إلى متى؟!

      ولكن التساؤل الذي يبدو ملحًا حاليًا: هل يستمر الغرب في غض طرفه عن تصاعد نفوذ الإسلاميين في ليبيا وتحولهم لفرس الرهان في المعادلة الليبية شأنهم شأن ما يتوقع حدوثه في كل من مصر وتونس؟ وهل سيستمر شهر العسل بين الغرب والإسلاميين الذين لن يخفوا سعيهم لأداء دور محوري في ليبيا ما بعد القذافي، وهو أمر قد يصطدم بموقف عربي رافض وتحفظ من جانب بعض الفرقاء الليبيين؟

شراكة وطنية

      ولا شك أن مثل هذا التحدث يتطلب مهارة لافتة من جانب المجلس الانتقالي حيث ينبغي عليه الدخول في مفاوضات فورية مع أغلب ألوان الطيف الليبي لتأسيس شراكة وطنية لتخطي الوضع الصعب والمعقد الذي تعانيه البلاد خلال المرحلة القادمة.

      ويعتقد المراقبون أن نجاح المجلس الانتقالي في تجاوز هذه المشكلة وإيجاد توافق وطني على طبيعة المرحلة الانتقالية سيذلل عديدًا من الصعوبات التي تهدد استقرار البلاد في ظل ما يتردد عن ضغوط غربية لتقليم أظافر الإسلاميين وهو ما سيجابه برفض صارم منهم قد يتحول إلى معارك قد تعيد رسم خريطة ليبيا مجددًا.

      ومن الملائم التأكيد أن وجود مصالحة وطنية بين الشرق والغرب يعد من التحديات التي تجابه المجلس الانتقالي خلال المرحلة القادمة في ظل وجود تباينات سياسية واقتصادية وقبائلية بين الطرفين، بل أن حكم العقيد قد عمل طوال الأربعين عامًا الماضية على تكريس حالة من الانقسام بين المنطقتين لتعزيز حكمه عن طريق المزاوجة بين إستراتيجية سيف المعز وذهبه والإغداق على قبائل بعينها في الغرب والوسط لتعزيز نفوذه، وهذا ما يعمل على تطويق هذه الأزمة وإزالة الجفوة بين الشرق والغرب وإيجاد توافق على وجود دولة مركزية قوية ديمقراطية وعاصمتها طرابلس وهذه تعد من المشكلات المهمة التي ينبغي على المجلس الانتقالي إيجاد تسوية قريبة لها.

تحديات جمة

      وكان من الواضح من تصريحات رئيس المجلس الانتقالي المستشار مصطفى عبد الجليل ورئيس المجلس التنفيذي محمود جبريل أنهما حريصان على تقديم رسالة للشعب الليبي بأن التحديات شديدة وأن المستقبل لن يكون مفروشًا بالورود إلا إذا تحمل الليبيون تبعات المرحلة الانتقالية خصوصًا على الصعيد الاقتصادي، فالشعب الليبي الذي حرم طويلاً من التمتع بثرواته النفطية التي تبلغ احتياطياتها أكثر من 46 مليار برميل وحصيلة سنوية قد تصل لـ 50 مليار دولار يتوق لليوم الذي يتمتع فيه بهذه الثروة التي حرمه منها القذافي وهو ما يتطلب من المجلس الانتقالي ضخ جزء كبير من الأموال الليبية التي فك الغرب تجميدها في مشروعات تنموية قد تعطي إشارة لاختلاف النهج الاقتصادي للمجلس عبر سياسات العقيد التي بددت الأموال على دعم مغامرات دفع الشعب الليبي ثمنها من رفاهيته وتمتعه بالحد الأدنى من الخدمات.

دستور توافقي

      وفي هذا الإطار ينبغي الإشارة إلى أن معركة صياغة دستور جديد لليبيا قد تكون فاصلة في تحديد مستقبل البلاد فوجود دستور توافقي يحظى بدعم الليبيين في الداخل والخارج سيبدد كثيرا من المخاوف لدى قطاعات عديدة من الشعب الليبي بتوجس في احتمال صبغ البلاد بصبغة غربية. وفي إطار دفع فاتورة جهود الناتو في إسقاط نظام العقيد، ويخطئ المجلس الانتقالي إذا استجاب لضغوط الغربيين في هذا الإطار ولاسيما أن قطاعات واسعة من الشعب لن تدعم أي مساس بهوية البلاد العربية والإسلامية خلال الدستور الجديد وسيعملون على رفع السلاح في وجه الدول إذا تعاطت بإيجابية مع المطالب الغربية في هذا الصدد، وهو ما سيجعل المجلس الانتقالي يفكر كثيرًا في ظل حاجة هذا القطاع الذي تعمد القذافي إنهاك بنيته الأساسية ليظل مهيمنًا على الأوضاع هناك.

       وفي هذا السياق لا يتوقع أن يقبل المجلس الانتقالي من قريب أو بعيد أي وجود عسكري عربي على الأراضي الليبية انطلاقًا من المواقف العدائية التي يتبناها الشعب الليبي تاريخيًا من الوجود العسكري الأجنبي خصوصًا الجوار العربي.

مغامرات العقيد

      وعلى ذكر الجوار العربي فهناك تشديد على ضرورة سعي المجلس الانتقالي لإعادة علاقاته بدول الجوار العربي إلى مسارها الصحيح وتلافي أي مغامرات قد تهدد هذه العلاقات كما كان يحلو في السابق لنظام العقيد أن يقدم عليه خصوصًا أن الظروف التي تمر بها كل من مصر وتونس تجعل بناء علاقات استراتيجية مع هذه البلدان أمرًا ميسورًا رغم أن الوضع مع الجزائر وبعض البلدان العربية والأفريقية التي لم تخف ضيقها من نظام العقيدة قد تأخذ وقتًا طويلاً إلا أن مصيرها في النهاية للتطبيع بل القفز قفزات نوعية للأمام.

مسار محدد

      من جانبه يرى السفير رفاعة الطهطاوي سفير مصر السابق في ليبيا أن المجلس الانتقالي الليبي يواجه تحديات ضخمة ولكن هذه التحديات على ضخامتها يمكن التعامل معها بشيء من المرونة عبر الإقدام على عديد من الخطوات.

      وكذلك وجود عدد من المسارات منها إيجاد خطوات عاجلة ومدروسة لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة تتيح لجميع القوى والفصائل الليبية المساهمة في بناء ليبيا الجديدة دون إقصاء لأي من هذه الفصائل والعمل بقوة لتجنيب صراع المصالح بإيجاد خطاب توافقي يحظى بدعم جميع الليبيين.

       وتابع صياغة دستور ليبي يحترم التعددية السياسية والتنوع داخل ليبيا, ويضع مصلحة البلاد العليا فوق كل اعتبار، سيكون اختباراً جديًا لمدى صلابة المجلس الانتقالي، لافتًا إلى أن تبني هذا المجلس لسياسات استقلالية تتوافق المصالح الليبية سيرفع أسهمه بين الليبيين وسيقطع الطريق على الحملات التي تحاول تشويه دوره.

       ويعتقد أن رفض أي وجود عسكري عربي في ليبيا وإعادة بناء علاقات ليبيا العربية والأفريقية وفق أسس جديدة والعمل على احتواء الإسلاميين، سيمكن المجلس الانتقالي من تجاوز هذه الصعوبات ولاسيما أن الشخصيات المؤثرة داخل هذا المجلس تحظى باحترام وثقة قطاع عريض من الليبيين مما يؤهله لاكتساب ثقتهم والمرور بالبلاد من حالة عنق الزجاجة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك