الحكمة ضالة المؤمن(29) والله يعلم وأنتم لا تعلمون
المسلمون مجمعون على أن الله تعالى حكيم، وله الحكمة البالغة، قال الحليمي في معنى الحكيم: «الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، وإنما ينبغي أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم، كما لا يظهر الفعل على وجه الاختيار إلا من حي عالم قدير».
وحكم الله تعالى نوعان: كوني وهو خلقه وفعله، وشرعي وهو دينه وأمره ونهيه، وكلاهما في غاية الحكمة والإتقان والصواب.
فالمسلم قد تواجهه تكاليف شرعية فيها مشقة وتعب، وقد تعرض له حوادث وأمور فيها حزن ونصب، وفي كلا الحالين هو يسلم ويرضى لحكم الله تعالى الكوني والشرعي؛ لأنه يثق بربه ويحسن الظن به، ويجزم بأنه تعالى حكيم ورحيم وعادل، لا يعبث، ولا يظلم، فقوله سبحانه حق وفعله حكمة، فكل ما قضاه سبحانه من أحكام هي حق وحكمة، ولا يخلو فعله ولا أمره من مصلحة عاجلة أو آجلة، قد تظهر للعباد، وقد تخفى عليهم.
وقد تكرر في القرآن الكريم قوله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ليقرر هذه الحقيقة الشرعية، ويرسخ هذه القضية الإيمانية، سواء ما تعلق منها بالأحكام الشرعية ـ العقدية والعملية والأخلاقية ـ، وكذلك ما تناول منها الحوادث الكونية.
قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ومعلوم أن أمر الجهاد من الأحكام الدينية التي فيها مشقة لا تخفى، قال الطبري: «يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه يَعْلَم مَا هُوَ خَيْر لَكُمْ مِمَّا هُوَ شَرّ لَكُمْ؛ فَلا تَكْرَهُوا مَا كَتَبْت عَلَيْكُمْ مِنْ جِهَاد عَدُوّكُمْ , وَقِتَال مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِ؛ فَإِنِّي أَعْلَم أَنَّ قِتَالكُمْ إيَّاهُمْ , هُوَ خَيْر لَكُمْ فِي عَاجِلكُمْ وَمَعَادكُمْ وَتَرْككُمْ قِتَالهمْ شَرّ لَكُمْ , وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْلَم».
قال ابن كثير:{وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} ،وَهَذَا عَامّ فِي الْأُمُور كلهَا قَدْ يُحِبّ الْمَرْء شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَة وَلا مَصْلَحَة وَمِنْ ذَلِكَ الْقُعُود عَنْ الْقِتَال قَدْ يَعْقُبهُ اِسْتِيلاء الْعَدُوّ عَلَى الْبِلاد وَالْحُكْم، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:{وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}؛ أَيْ هُوَ أَعْلَم بِعَوَاقِب الْأُمُور مِنْكُمْ وَأَخْبَرَ بِمَا فِيهِ صَلاحكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ فَاسْتَجِيبُوا لَهُ وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ لَعَلَّكُمْ تَرْشُدُونَ»اهـ.
قال ابن سعدي: «وهذه الآيات عامة مطردة, في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك. وأما أحوال الدنيا, فليس الأمر مطردا, ولكن الغالب على العبد المؤمن, أنه إذا أحب أمرا من الأمور, فقيض الله تعالى له من الأسباب ما يصرفه عنه، أنه خير له, فالأوفق له في ذلك, أن يشكر الله, ويجعل الخير في الواقع؛ لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه, وأقدر على مصلحة عبده منه, وأعلم بمصلحته منه كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره, سواء سرتكم أم ساءتكم.»
وقال الطاهر بن عاشور: «وهذا الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله والمؤمنين، وإن كان سبحانه غنيا عن البيان والتعليل؛ لأنه يأمر فيطاع، ولكنّ في بيان الحكمة تخفيفا من مشقة التكليف، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة، فأشار إلى أن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته؛ إذ قد يكره الطبع شيئا وفيه نفعه وقد يحب شيئا وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب والغايات؛ فإن الشيء قد يكون لذيذا ملائما ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك، وقد يكون كريها منافرا وفي ارتكابه صلاح، وشأن جمهور الناس الغفلة عن العاقبة والغاية أو جهلهما، فكانت الشرائع وحملتها من العلماء والحكماء تحرض الناس على الأفعال والتروك باعتبار الغايات والعواقب.
وجملة: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} تذييل للجميع، ومفعولا (يعلم) و(تعلمون) محذوفان دل عليهما ما قبله أي والله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما؛ لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، والناس يشتبه عليهم العلم فيظنون الملائم نافعا والمنافر ضارا.
والمقصود من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاد أنه الصلاح والخير، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه فنطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها؛ لنفرع عليها ونقيس. ويدخل تحت هذا مسائل مسالك العلة؛ لأن الله تعالى لا يجري أمره ونهيه إلا على وفق علمه»اهـ.
ومن الآيات الكريمة قوله تعالى :{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }، قال ابن سعدي:«فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه, فالله { يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم, مريد لها, قادر عليها, ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره»اهـ.
ومن الآيات التي تتناول مسائل الاعتقاد قوله تعالى :{هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }.
قال ابن كثير: «هَذَا إِنْكَار عَلَى مَنْ يُحَاجّ فِيمَا لا عِلْم لَهُ بِهِ فَإِنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى تَحَاجَّوْا فِي إِبْرَاهِيم بِلا عِلْم، وَلَوْ تَحَاجَّوْا فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهُ عِلْم مِمَّا يَتَعَلَّق بِأَدْيَانِهِمْ الَّتِي شُرِعَتْ لَهُمْ إِلَى حِين بَعْثَة مُحَمَّد [ لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيمَا لا يَعْلَمُونَ فَأَنْكَرَ اللَّه عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مَا لا عِلْم لَهُمْ بِهِ إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الَّذِي يَعْلَم الْأُمُور عَلَى حَقَائِقهَا وَجَلِيَّاتهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:{وَاَللَّه يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }.
ومن الآيات التي تتناول جانب الأخلاق والمصائب في آن واحد قوله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }، فهي تتناول حادثة الإفك التي ابتلي بها النبي [ وزوجه العفيفة الطاهرة عائشة رضي الله عنها، وهي كذلك ترسخ أدبا عظيما من آداب المجتمع الإسلامي،
قال الطبري: «يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاللَّه يَعْلَم كَذِب الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ مِنْ صِدْقهمْ , وَأَنْتُمْ أَيّهَا النَّاس لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ; لأنَّكُمْ لا تَعْلَمُونَ الْغَيْب , وَإِنَّمَا يَعْلَم ذَلِكَ عَلام الْغُيُوب، يَقُول : فَلا تَرْوُوا مَا لا عِلْم لَكُمْ بِهِ مِنَ الإفْك عَلَى أَهْل الإيمَان بِاللَّهِ , وَلا سِيَّمَا عَلَى حَلائِل رَسُول اللَّه [, فَتَهْلَكُوا».
فالخلاصة أن المسلم إذا استحضر أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، ووسع كل شيء رحمة، يحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، وهو سبحانه لطيف بعباده، رفيق بهم، هانت عليه الأمور، وسهلت عليه التكاليف؛ لأنه يوقن بمقتضى هذه الآية الكريمة :{ والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فيجزم بأن الله تعالى يعلم الحقائق ويقدر المصالح العاجلة والآجلة، ونحن - قطعا - علمنا قاصر وإدراكنا محدود؛ فإذا سلمنا لربنا، وأحسنا الظن به، تم إيماننا، واطمأنت قلوبنا، وانقادت جوارحنا، وتلك السعادة العاجلة بإذن الله، وبالله التوفيق.
لاتوجد تعليقات