رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 6 نوفمبر، 2012 0 تعليق

700 ألف لاجئ سوري على أبواب شتاء قارس ومعاناة لاتنتهي فصولها

 

تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية إلى أن عدد النازحين السوريين منذ اندلاع الثورة وصل أكثر من 330 ألف سوري، ذهب أغلبهم إلى عدد من دول الجوار (تركيا، لبنان، الأردن، مصر)،  ويتوقع المراقبون أن يصل العدد إلى 700 ألف بحلول آخر العام الجاري، ولا سيما أن معدل الشهداء آخذ في الارتفاع، إذ أصبح المتوسط اليومي مائتي شهيد!

وتشير التقارير إلى تفاوت حالة اللاجئين من بلد لآخر، ففي لبنان حيث يوجد أكثر من خمسين ألف لاجئ مسجل، قالت المفوضية إن تدهور الأوضاع الأمنية فيه أدى إلى عرقلة جهود مساعدة اللاجئين، أما في الأردن، فيبدو أن غياب الدعم المالي الدولي انعكس سلبًا على ظروف التكفل بآلاف اللاجئين في مخيم الزعتري في الشمال.

     وفي العراق وصل عددهم زهاء خمسة عشر ألف لاجئ حيث أقامت السلطات مخيما لهم، وإن كانت أعدادهم أقل، وتظل الأعين ترقب البوابة التركية لاعتبارات جغرافية وسياسية، ففي أربع وعشرين ساعة دخلها ثلاثة آلاف وخمسمائة لاجئ، وهو رقم قياسي يعكس مدى تردي الوضع الأمني، خصوصًا أن الأمر يتعلق بمحافظات شمالية شكلت مراكز ثقل وتمركز معارضي النظام، أما في مصر فقد صرح محمد الديري المتحدث باسم المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يوم الخميس 18 أكتوبر، بأن عدد اللاجئين السوريين النازحين إلى مصر تجاوز 150 ألف شخص، كما دعا المتحدث السلطات المصرية إلى مساعدة الأمم المتحدة في التعامل مع النمو المتسارع لعدد اللاجئين والنازحين من سورية.

انتهاكات منهجية ومدروسة

     من جانبه ذكر عبد الكريم ريحاوي رئيس الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان أن ما يجري في سوريا الآن مروع، مؤكدًا أن من صاغ القانون الدولي الإنساني، ومن صاغ الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بحاجة لإعادة النظر بمفرداته بعد قراءته للتجربة السورية، وما يجري حقيقة من قبل النظام السوري المجرم على الأرض هي انتهاكات مروعة تجري بطريقة منهجية ومدروسة لإفراغ المدن من السكان ولترويع السكان ولتهجيرهم، وللانتقام والتشفي من المدن الثائرة في محاولة يائسة من هذا النظام لإخضاع الثورة السورية ولإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من مارس.

     وهناك ما يزيد عن ثلاثة ملايين ونصف مهجر داخليًا في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة نظرًا للأوضاع الاقتصادية المتردية وللأوضاع الأمنية المتردية أيضًا، وحاليًا لا يوجد منطقة آمنة في سوريا إلا في بعض المناطق الموالية للنظام التي تحظى بدعم النظام، وتسكنها فئة ذات غالبية موالية للنظام، أما بقية المدن والبلدات السورية فهي تحت القصف، هي بالتأكيد جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، نحن أمام حالة فريدة من نوعها، عادة ما ترتكب هذه الجرائم خلال صراعات بين دول، ولكن هي المرة الأولى التي نشهد فيها حكومة تعلن الحرب على شعبها بهذه الطريقة، فالأسد أعلن الحرب على شعبه وإزهاق أرواحهم على مدار الساعة، نشاهد يوميًا ارتفاعا لمعدل الشهداء بشكل يومي لما يزيد عن 200 شهيد، فضلاً عن خطف الجرحى من المشافي والإجهاز على الكوادر الطبية، وتقطيع أوصال المدن، وقصف بالطائرات، وقصف بالقنابل الثقيلة والمدفعية الثقيلة، ما نشهده حالة من جرائم إبادة جماعية جرى توصيفها باتفاقيات جنيف، وجرى توصيفها بقانون روما الأساسي لإنشاء قانون محكمة الجنايات الدولية وبالقانون الدولي الإنساني أيضا، هذه الجرائم كلها يحاسب عليها هؤلاء المجرمون في القانون الدولي الإنساني. 

مأساة النازحين في الداخل السوري

     من ناحية أخرى أشارت صحيفة (وول ستريت جورنال) إلى الصعاب والتحديات التي تواجه النازحين السوريين داخل بلادهم؛ حيث قالت: إن الاهتمام الدولي انصب على مئات آلاف اللاجئين السوريين الذين فروا إلى الدول المجاورة، وإن مشكلة النازحين في الداخل باتت تتفاقم تفاقماً كبيراً وتنذر بالخطر.

     وأوضحت أن أكثر من ربع مليون لاجئ سوري فروا من الحرب الأهلية والتجؤوا إلى الدول المجاورة، ولكن حوالي ثمانية آلاف منهم تقطعت بهم السبل عند الأسلاك الشائكة بين سوريا وتركيا، فضلاً عن مئات الآلاف من المشردين داخل البلاد، وتقول مصادر تابعة للأمم المتحدة: إن التقديرات الرسمية لعدد المشردين السوريين تصل إلى مليون ونصف، موضحة أن بعض مسؤولي الأمم المتحدة ومسؤولين تابعين للهلال الأحمر السوري يقدرون المشردين السوريين بمليوني سوري، ولكن الأمم المتحدة تقول: إن عدد اللاجئين السوريين في الدول المجاورة بلغ أكثر من 300 ألف لاجئ.

     وحذرت (وول ستريت جورنال) من التحديات التي يفرضها موسم الشتاء القادم على الأبواب، ولاسيما أن مئات الآلاف من النازحين السوريين هائمون على وجوهم في العراء أو يتخذون ملاجئ مؤقتة في المساجد والكنائس والمدارس والأبنية المهجورة.

     ويقول مسؤولو الإغاثة: إن حجم مشكلة المشردين السوريين من النازحين واللاجئين يتزايد بشكل متسارع؛ مما يضع تحديات تزيد عن الجهود التي تقوم بها منظمات الإغاثة، مضيفين أن اللاجئين السوريين في دول الجوار لا يتلقون الدعم الكافي الذي يتناسب مع أعدادهم المتزايدة.

     وأشارت الصحيفة إلى أن استمرار قوات الرئيس السوري بشار الأسد في قصف المدن والبلدات السورية بالطائرات والمدافع الثقيلة وراجمات الصواريخ، يسفر عن تدمير المنازل على رؤوس ساكنيها، ويؤدي بمئات آلاف المدنيين السوريين إلى الفرار خارج البلاد إلى الدول المجاورة، أو إلى النزوح داخل البلاد من منطقة إلى أخرى، مما يجل المناطق التي ينزحون إليها بؤرا قابلة للاشتعال مرة أخرى، في ظل تنامي الصراع بين السنة والشيعة في البلاد.

رفض اللجوء

     وفي هذا السياق فقد أشارت التقارير إلى أن ملايين الأسر السورية رفضت ترك بلادها رغم القصف المتواصل بالمدفعية الثقيلة والطيران الحربي، ورغم تهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، وعبرت عن ذلك الناشطة إسلام الزعبي من محافظة درعا عن رفضها مغادرة سوريا مع أطفالها، موضحة أن النظام لا يريد إلا ذلك، بهدف تفريغ البلاد لغرض في نفسه، وقالت: “إننا نربي جيلا جديدًا هنا فوق أرض سوريا وتحت سمائها، ولو ذهبنا إلى أي مكان فلن نستطيع أخذهما معنا”.

موقف المجتمع الدولي من قضية اللاجئين

     تشير التقارير الواردة بهذا الخصوص إلى عدم وجود أي رؤية من قبل المجتمع الدولي لاتخاذ قرار سواء لإنشاء مناطق آمنة داخل سوريا أم لفرض مناطق حظر جوي، ولا تستطيع أي دولة اتخاذ هذا القرار دون ضوء أخضر من الإدارة الأميركية، ومن ثم رغم كل ما يقال عن إمكانية إنشاء مناطق آمنة داخل سوريا، وعلى الرغم من ترديد هذا الحديث من قبل بعض القيادات التركية، فإن الولايات المتحدة لم تتخذ قرارًا لا بالتدخل العسكري- لأن هذا يعني قرار حرب - ولا حتى قرارا بتسليح المعارضة مباشرة.

     كما تؤكد تلك التقارير أن السياسة الأميركية حتى الآن تعتمد على جزأين: تقديم مساعدات إنسانية مادية لملف اللاجئين، حوالي خمسة وسبعين مليون دولار حتى الآن، ومساعدة المعارضة بمساعدات غير عسكرية، ومن هنا فإن المسألة -للأسف- سوف تطول، ومع التصعيد العسكري في سوريا يمكن أن نشهد عشرات الآلاف من اللاجئين الذين سيحاولون النجاة إما إلى تركيا، أو لبنان، أو الأردن، أو مصر، وعلينا ألا ننسى أن هناك حوالي مليون ونصف سوري لاجئ داخل سوريا؛ لأن الحرب كان لها تأثير جذري على بنية المجتمع السوري في العديد من المناطق داخل سوريا. 

     من جانبه يذكر برهان كور أغلو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باهشه شهير، أن تركيا كانت من البداية تريد أن يتدخل المجتمع الدولي في هذه الكارثة والأزمة الكبيرة؛ لأن الدولة تقصف شعبها، وتقتل يوميًا أعدادا كبيرة من الناس، والنازحون يتدفقون إلى الدول المجاورة، وتركيا تحاول أن تنظم استقبال هؤلاء اللاجئين من خلال فتح مراكز ومخيمات جديدة، في مدن أخرى غير المدن الحدودية، هناك مدن أخرى داخل تركيا، تحاول تركيا أن توزع هؤلاء اللاجئين على مدن مجاورة، طبعًا فضلاً عن المخيمات، استعملت مساكن الجامعات، مساكن المدارس، أو بعض المناطق والمراكز الحكومية، ولكن بعد وصول عدد اللاجئين إلى 100 ألف، من خلال خططنا فأعتقد أن هذا هو الحد الأقصى إلى الآن، بالإضافة إلى أن هناك حوالي أكثر من ستة آلاف على الحدود، وتركيا لا تستطيع أن تستوعب هذه الأعداد الكبيرة بنفسها، والمجتمع الدولي لا يتعاون، ولا بد من الضغط عليه، وعلى كل المحاور، لا بد أن يشعر المجتمع الدولي أن هذه الجريمة يجب أن تتوقف، لا بد أن نفتح مجالا لإيجاد مخيمات داخل الأراضي السورية؛ لأن الأعداد تتزايد ويمكن أن تصل إلى مئات الآلاف، يجب أن يكون هناك مناطق عازلة داخل المناطق السورية. 

     وفي هذا السياق أشارت (آريان رومري) المتحدثة باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن ردود فعل المجتمع الدولي فيما يتعلق بتمويل العمليات الإنسانية لم تكن في الحقيقة كافية، فقط ثلاثة وثلاثون بالمائة من الخطة جرى تمويلها، وبالتالي الآن وقد ازدادت وتضاعفت أعداد اللاجئين ليصبحوا بمئات الآلاف فسنحتاج إلى استجابة أكبر للدول المانحة لكي نستطيع أن نساعد هؤلاء اللاجئين المتزايدين في الأعداد.

 الدور الهش للمعارضة السورية

     وللحديث عن دور المعارضة السورية يؤكد عبد الكريم ريحاوي أن تلك المعارضة لا تستطيع أن تفعل شيئا، هي معارضة هشة وغير متماسكة، ولم ترتق حتى الآن إلى الحد الأدنى من دماء السوريين، نحن بحاجة إلى مئات المنظمات العاملة في الميدان لنستطيع توثيق الانتهاكات التي ترتكب على الأرض، أعتقد أنه عندما يسقط النظام وتتجلى الحقيقة كاملة ستكون النتائج مروعة للضمير الإنساني ومروعة للعالم بأسره، ولكن أنا من هذا المنبر أوجه نداء بأن الأزمة الإنسانية الآن في سوريا هي أزمة خانقة وربما تتزايد في الأيام القادمة، فمن المتوقع وصول المزيد من اللاجئين وهم بحاجة إلى دعم وإغاثة على جميع المستويات. 

الحل الأمثل للمشكلة

     من جانبه أكد برهان كور أغلو أن الحل الأمثل لإنهاء المشكلة هو دعم الثوار، ولكن ليس من طرف تركيا فقط، لا بد أن يقوم بذلك المجتمع الدولي، فالنظام يقتلهم بكل الوسائل، والثوار لا بد من أن يدعموا، على الأقل بالدفاع عن أنفسهم؛ لأن النظام يستعمل الطائرات والمدفعيات والدبابات ولا بد من أن يكون هناك وسائل كافية لهؤلاء على الأقل أن يدافعوا عن أنفسهم، فالتدخل العسكري الدولي هو الأساس، ولكن على الأقل يجب أن يزود هؤلاء الثوار بالأسلحة، أما من طرف تركيا، فطبعًا تركيا يجب أن تستمر باستقبال اللاجئين شعبًا وحكومة ودولة، يجب أن نستمر باستقبال اللاجئين ما دام هناك تدفق وما دام هناك حاجة، لا يمكن أن نقف ونرفض هؤلاء اللاجئين وأعتقد أن تركيا ستجد حلولاً ما دام هناك تدفق.

 تحديات تواجه العمل الإغاثي

     لم تنته المأساة عند هذا الحد، وإنما هناك مأساة من جانب آخر وهي التحديات التي تواجه العمل الإغاثي وتعطل جهوده، وتستغله استغلالاً سيئاً من قبل المنظمات الدولية، والتي من أبرزها:

- قلة الدعم المالي مقارنة بالأعداد الكبيرة للاجئين.

- تأخر وصول المساعدات، فالفارق الكبير بين الإعلان عن حملات الإغاثة الإقليمية والدولية لدعم اللاجئين والوجود الحقيقي لها على أرض الواقع، سبَّب إرباكًا لخطط سير البرنامج الإغاثي، وخيبةَ أمل لدى اللاجئين، وتبرز أصابع الاتهام إلى القائمين على العمل الإغاثي.

- تركيز كثير من المتبرعين على الطرود الغذائية رغم وجود حاجات أساسية للاجئين يغفلونها، فمثلاً الكثير من اللاجئين الذين يعيشون في بيوت مستأجرة لا يستطيعون تحمل نفقات الإيجار ولا أحد يساعدهم على ذلك إلا القليل من أهل الخير.

- ومن المعوقات أيضاً إصرار المتبرعين على التوزيع الشخصي للمساعدات، وهذا الأمر يسبب إرباكاً كبيرًا، فلا يمكن ضبط تواريخ المساعدات ضمن برنامج محدد، بل تصبح تحت رحمة زيارة المتبرع! كما أن المتبرع الفردي تكون قدرته محدودة على تغطية الأسر المنتظرة للمعونة «فنصبح في حرج؛ من تعطي ومن تدع»، ولأنهم يعيشون في بيوت مستأجرة متباعدة وليس في مخيمات، فهذا الأمر فيه إهدار للوقت وإرهاق للكوادر وتكلفة مالية عالية بسبب التنقل بالتبرعات العينية.

ابتزاز اللاجئين وتنصيرهم

     ولعل من أخطر المآسي التي يتعرض لها اللاجئون في غفلة من المؤسسات الإغاثية التي تأتي من الدول الإسلامية المجاورة التي تركز فقط على المعونات المادية، تستَّر كثير من المنظمات الدولية والغربية بستار الإغاثة لنشر منصِّرين لابتزاز اللاجئين واستغلال حاجتهم إلى المأكل والمشرب والملبس وغيرها، وهذا الأمر من المؤسف أنه يقع بين ظهرانينا ونحن نتأمل ذلك ولا نفعل شيئًا، حيث تقوم الكنائس في كثير من الأحيان بتوزيع مساعدات على أسر سورية من خلال بعض المنصِّرين مع أناجيل وبطانيات تحمل صور صلبان، وتم هذا التوزيع من قبل الكنائس والمدارس الكنسية مباشرة، مع توزيع منشورات تنصيرية، وعند تقديم المساعدة الطبية للأسر السورية يتم طلب ترديد عبارات الخلاص وربوبية المسيح.

     وفي نهاية المطاف فإن هذه القضية من أهم القضايا التي تضع الإنسان المسلم أمام اختبار حقيقي لـمؤازرة إخوانه في الدين وتعويض ما فاتهم من حرمان والتهوين من آلامهم، فهم وقفوا دفاعًا عن الأمة الإسلامية بكاملها ضد عدو هو الأخطر من بين أعدائها، وهم النصيريون ومن أعانهم من الـمجوس، فماذا أنتم فاعلون..؟!

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك