رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة - الفرقان: أحمد عبد الرحمن 26 ديسمبر، 2010 0 تعليق

700 ألف يواجهون أبشع مظاهر التهميش والتمييز- مسلمو صربيا .. مأساة شعب مسلم

لم تشكل تصريحات رئيس حزب العمل الديمقراطي في صربيا الوزير المسلم بدون حقيبة في حكومة بلجراد، سليمان أجلانيين الرافضة لمظاهر التهميش والتمييز التي يعانيها المسلمون في صربيا مفاجأة لأحد؛ فالوزير المسلم لم يأت بجديد بل كرر تصريحات سابقة من قبل رسميين مسلمين معروفين بعلاقاتهم القوية مع بلجراد ومنهم مفتي بلجراد ورئيس مجلس العلماء الشيخ حمدي يوسف  سباهيتش، حيث أكد أكثر من مرة أن مسلمي صربيا يعيشون أسوأ أيامهم .

      ولم يخالف (أجلانيين) الواقع حين أكد أنّ البوشناق المسلمين في صربيا لا يحصلون على أدْنَى حقوقهم المشروعة، حتى في مستوياتها الدنيا وأنهم لا يتمتعون بالحقوق والفرص نفسها سواء في الدراسة، أم في العمل، أم في الإعلام، أم في الحريات الدينية، فضلاً عن الحياة السياسية، لاسيما إذا كانوا بوشناقا مسلمين.

     لافتا إلى أن سياسات التمييز ضد المسلمين لم تقتصر على مؤسسات خاصة وجماعات يمينية، وإنما تعبر هذه السياسات عن مؤسسات الدولة الرسمية حيث لا تبدي هذه المؤسسات رغبة مهما كان مستواها في تغيير الأوضاع السائدة حاليًا.

     ودق زعيم حزب العمل الديمقراطي ناقوس الخطر حين ألقى الضوء على ممارسات سلطوية تنتهك أبسط حقوق المسلمين البوشناق: «سجلنا في كثير من الحالات ممارسات فظيعة لانتهاكات لأبسط الحقوق ا الأساسية للبوشناق».

      مؤكدا تجاهل السلطات الصربية لمطالب المسلمين البوشناق «على الرغم من محاولتنا حلّ المشاكل القائمة، إلا أنه لم يحدث شيء؛ مما يثير الريبة في نوايا الحكومة الصربية».

      وطرح (أجلانيين) تصورا لتخفيف الضغوط عن مسلمي صربيا تتمثل في ضرورة تجنيد جميع القوى البوشناقية المسلمة في الانتخابات القادمة من أجل تمثيل أفضل للمسلمين في مؤسسات الدولة، داعيًا كذلك لوحدة المشيخة الإسلامية، وإلى تحالف قوي بين الأحزاب السياسية البوشناقية كالحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يتزعمه  (راسم لياييتش)وحزب العمل الديمقراطي بقيادته  باعتبار ذلك سبيلا مهما لإيصال رسالة للساسة والأحزاب الصربية بأنهم يخسرون كثيرا إذا صمموا على ممارسات التمييز والتهميش  ضد المسلمين.

ثأر تاريخي

      وتعود أهمية التصريحات التي أدلى بها الوزير المسلم بلا وزارة في الحكومة الصربية إلى إلقائها الضوء على مأساة 700 ألف مسلم في صربيا والسنجق حيث يعاني هؤلاء من ممارسات تمييز وتهميش وحصار على مؤسساتهم الدينية والدعوية واستمرار معاناتهم على يد جميع الحكومات المتعاقبة منذ سيطرة الشيوعيين على الحكم في يوغوسلافيا السابقة؛ حيث فرضت العصابة الشيوعية قيودا شديدة على المسلمين في مجمل بلدان الاتحاد اليوغوسلافي ومن بينهم مسلمو صربيا ولكن ما يجعل الصور قاتمة أن باقي مسلمي ما كان يعرف بيوغوسلافيا السابقة قد تنفسوا الصعداء بعد انهيار الاتحاد ورفع القيود على جميع الممارسات الدينية لكن هذا الأمر لم ينطبق على مسلمي صربيا، فبمجرد بدء تفكك أوصال الاتحاد وصل التيار القومي لسدة السلطة في صربيا ولم يعد له هدف  إلا الأخذ بثأره من أحفاد العثمانيين الذين أذلوا الصرب وهزموهم شر هزيمة خلال فتوحاتهم في البلقان.

      واستمرت نزعة الصرب في التعامل مع المسلمين لدرجة أنهم دمروا أكثر من 214 مسجدا للمسلمين تركها العثمانيون قبل غروب شمس دولتهم في البلقان ولم يبق منها حاليا إلا مسجد واحد   يدعى  «البيرق» وهو المسجد الذي تعرض أكثر من مرة للإحراق من قبل المتطرفين الصرب فيما ظل مسلمو صربيا  يدفعون الثمن لأي تطورات سياسية قد تصب في غير صالح صربيا، فمثلا خلال عام 2004وقعت تطورات دامية في كوسوفو بين الصرب وألبان كوسوفو وتعرضت المساجد والكنائس لاعتداءات متبادلة وهنا جن جنون المتطرفين الصرب الذين لم يجدوا أحدا للانتقام منهم غير المسلمين المقيمين بين ظهرانيهم خصوصا في بلجراد ونيش؛ حيث تعرض المسجد الوحيد لمحاولات إحراق بل قاموا بإحراق المكتبة الإسلامية في بلجراد ودمّروها، وهاجموا المدرسة الإسلامية المجاورة لها، وبيت الطلبة، ومدرسة الأئمة التي كانت دار الإفتاء قد أسّستها عام 2000 لتخريج أئمة ودعاة مسلمين، فضلاً عن إلحاق أضرار فادحة  بالمسجد الوحيد الموجود بمدينة نيش وهو ما تكرر غداة إعلان الاستقلال وإبان إقرار محكمة العدل الدولية بشرعية استقلال كوسوفو عن صربيا؛ حيث تعرض مواطنون مسلمون ومصالح إسلامية لاعتداءات منتظمة.

وعود موسمية

      لم يتوقف المتطرفون الصرب عند ذلك الحد فدائما ما يتحدثون عن عدم ولاء البوشناق المسلمين لبلجراد وأنهم متآمرون على صربيا ويجب الحد من وجودهم وعدم الاستجابة لأي مطالب لهم بل النظر إليهم بوصفهم طابوراً خامساً لأعداء صربيا، وهو ما ظهر بوضوح في التحفظ على محاولا ت المسلمين منذ مدة إنشاء مسجد على طريق بلجراد - زغرب السريع بعد حصولهم على قطعة أرض لهذا الغرض ولكنهم لم يتلقوا أي رد على ذلك الطلب حتى الآن بل إن المسألة تجاوزت ذلك إلى رفضهم أيضا بناء مقبرة لدفن موتى المسلمين والاستيلاء على الأوقاف الخاصة بهم وبناء مؤسسات أرثوذكسية عليها بشكل أغضب المسلمين بشدة وجعلهم يواجهون انتقادات لاذعة للساسة الصرب واتهامهم بالتعامل مع المسلمين وفق معايير مزدوجة رغم تركيز بعضهم  على ضرورة دمج البوشناق في المجتمع الصربي وحصولهم على كافة حقوقهم وهو أمر لا نجد له صدى على أرض الواقع، بل يطلقه بعض المسؤولين الصرب من أجل حصد أصوات بعض المسلمين في الانتخابات العامة .

       غير أن هذه التصريحات لا تترجم إلى أفعال بمجرد انتهاء الموسم الانتخابي، وبعده نجد الجميع يتبنى الخطاب اليميني المتطرف الذي يقطر سما وتطرفا ضد المسلمين لدرجة أنك ساعتها لا تستطيع أن تفرق بين يميني أو يساري أو اشتراكي أو ديمقراطي، فكلهم معادون للمسلمين ولا يلقون بالًا لمشكلاتهم ولمعاناة أولادهم في المدارس والجامعات؛ حيث ينظر إليهم كأنهم مواطنون درجة ثالثة لا همّ لهم إلا التآمر على صربيا وتفتيتها، رغم أن الخطاب السياسي للمسلمين في صربيا معتدل ويكرس رغبتهم في بناء شراكة مع الصرب الأرثوذكس؛ لبناء دولتهم المشتركة وتنميتها إلا أن هذا الخطاب لا يجد صدى لدى المسؤولين الصرب.

خلافات مستمرة

      ومما يزيد الطين بلة تصاعد الخلافات في صفوف المسلمين  بين الحزبين الكبيرين (العمل الديمقراطي بقيادة سليمان أجلانيين والاشتراكي الديمقراطي بزعامة راسم لاييتش)، وهي الخلافات التي حالت دون استخدام مشاركة حزبيين ممثلين للمسلمين البوشناق في الحكومة في تحسين أوضاع المسلمين بل تصاعد معاناتهم يوما بعد آخر، غير أن هناك آمالا باحتمال تحسن العلاقات بين الحزبين مع اقتراب الانتخابات البرلمانية وسعي كل منهما لتعظيم الوزن السياسي للمسلمين.

      ولا تتوقف المشكلات على القادة السياسيين، بل أن الخلافات امتدت إلى الساحة الدينية حيث انقسم المسلمون بين مؤيد لمفتي بلجراد ورئيس مجلس العلماء محمد يوسف سباهيتش، وبين المشيخة الإسلامية في نوفي بازار عاصمة السنجق بقيادة الشيخ معمر ذكورليتش، وهي الخلافات التي أعطت الفرصة لصربيا للتملص من الاستحقاقات الخاصة بالمسلمين باعتبار أن قانون الهيئات الدينية ينص على تسمية جهة واحدة للإشراف على الطوائف الدينية، وهو ما يحرم المسلمين من تسمية جهة تعبر عن مصالحهم باعتبار أن مجلس علماء بلجراد هو الجهة المعترف بها ولا تمتد  ولايته  لها على نصف مليون مسلم في السنجق دون أن تلوح في الأفق أي بوادر لحلـحلة هذا الخلاف بسبب تباين الرؤى بين المشيختين. .

تباين

      وظهر استغلال بلجراد  لهذه الخلافات  خلال زيارة  وفد من الاتحاد الأوروبي للنظر في الطلب المقدم من الحكومة الصربية للانضمام إليه؛ حيث زار الوفد المنوط به بحث قضية  حقوق الأقليات الهيئات الإسلامية، وسجلت المشيخة الإسلامية جميع التجاوزات والانتهاكات الخاصة بحقوق المسلمين في حين جامل مجلس العلماء في بلجراد السلطات معتبرا أن المسلمين يتمتعون بقدر كبير من حقوقهم وهو ما زاد غموض الموقف لدى مسؤولي الاتحاد الأوروبي.

      و يفاقم الوضع الاقتصادي المعقد في صربيا من المأساة التي يعاني منها المسلمون، في ظل التحولات الاقتصادية داخل البلاد وتبني الحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام مليوسوفيتش اقتصاد السوق والتخلص من وحدات القطاع العام وخصخصة الشركات العامة؛ مما حمل تأثيرات سلبية على أوضاع المسلمين  نتيجة تنامي الفقر والبطالة لدرجة أن الوظائف على ندرتها إذا أتيحت فهي محصورة لصالح المواطنين الصرب؛ حيث توضع علامة رفض على أي مواطن يتقدم ويحمل اسما أو لقبا إسلامياً، ويحرم من الالتحاق بالوظائف سواء في دواوين الدولة أم في القطاع الخاص، مما قد يجبر بعضهم على  تغيير اسمه للالتحاق بالوظيفة دون جدوى لدرجة أن معدلات البطالة قد سجلت أرقاما قياسية غير مسبوقة في صفوف المسلمين رغم أنهم يقبلون العمل  في المهن الدنيا التي لا يفضل الصرب الالتحاق بها.

فقر وبطالة

     ولا يستغرب أحد تفشي  الفقر بين المسلمين في صربيا خصوصا في العاصمة بلجراد ونوفي بازار؛ حيث صار من المعتاد عليه رؤية أعداد كبيرة منهم تأكل من مخلفات الزبالة ولا يجد أبناؤهم فتات الطعام، بل إن أغلب أبناء المسلمين يدرسون حاليا في مدارس للمعوقين فيما لا تستطيع بعض المدارس الإسلامية في السنجق استقبال كل الطلاب ولاسيما أن الثقافة الصربية تسيطر على جميع المناهج، فيما ترفض الحكومة الاستماع لصوت المسلمين فيما يتعلق بالمناهج لدرجة أنها طردت ممثل المشيحة الإسلامية من لجنة التعليم الحكومية رغم مخالفة ذلك للقانون .

      من جانبه يرى الشيخ محمد يوسف سباهيتش مفتي بلجراد ورئيس مجلس العلماء أن المسلمين في صربيا يعيشون واقعا مؤلما وظروفا صعبة نتيجة ممارسات   التهميش ضدهم وحرمانهم من حقوق العمل والمساواة مع المواطنين الأرثوذكس، بل يفتقد المسلمون نعمة الأمان في كثير من الأحيان لدرجة أنهم يدفعون ثمنا غاليا لأي تطورات تحدث بين الصرب والألبان في كوسوفا.

      وتابع: المسجد الوحيد المتبقي في بلجراد ضاق عن المصلين وقد تقدمنا بطلبات عديدة لتأسيس مسجد جديد وكلما لاحت في الأفق بوادر تغيير سياسي في البلاد نجدد هذا الطلب ومع هذا لا نجد أي فارق في التعاطي كأن المسؤولين الصرب لا يجتمعون على شيء إلا بغض المسلمين وكراهيتهم.

      ومع هذا يتوقع مفتي بلجراد ألا تستمر أوضاع المسلمين في صربيا بهذا السوء ولاسيما أن مساعي صربيا للانضمام للاتحاد الأوروبي ستجبرها على احترام المعايير الأوروبية الخاصة بحقوق الأقليات ورفع الحظر الموجود على بناء المساجد والمقابر الإسلامية وإزالة أي تمييز يتعلق بحقوق الأقليات الثقافية والتعلىمية والاقتصادية وفي مقدمتها العمل مما سيمنح المسلمين فرصة لتحسين أوضاعهم والفرار من ربقة البطالة والفقر اللذين يحاصرانهم حاليا

       ورغم قتامة الوضع الحالي إلا أن للصورة وجها إيجابيا يتمثل في تزايد الالتزام الديني لمسلمي صربيا خصوصا في إقليم السنجق حيث تمتلئ المساجد بالمصلين وينتشر الحجاب في العاصمة نوفي بازار، بل تسجل أعداد حافظي القرآن الكريم ارتفاعا كبيرا بالمقارنة بالعديد من دول البلقان وهذا ما يعود لاهتمام المشيخة الإسلامية في السنجق ببناء مؤسساتهم التعليمية والتربوية والدعوية، فهناك مدارس إسلامية في جميع المراحل وكلية الدارسات الإسلامية.

صف واحد

      ويتفق مع الرؤية السابقة د.محمد رفعت الإمام المتخصص في الشؤون الأوروبية غير أنه يربط هذا التحسن بضرورة توحيد المسلمين ليظهروا صفا واحدا أمام الساسة الصرب باعتبار أن الخلافات المشتعلة فيما بينهم تضعف من وزنهم، وبل تعطي السلطات مسوغاً لعدم الاستجابة لمطالبهم وعدم الاعتراف بمؤسساتهم

      ولفت الإمام إلى أن سعي صربيا للانضمام للاتحاد الأوروبي يقد يخفف من الأوضاع الصعبة التي تواجه بوشناق صربيا؛ حيث تتطلب المعايير الأوروبية ضرورة الحفاظ على صيانة حقوق الأقليات الدينية ومنع أي ممارسات تمييزية ضدهم وهو ما يعطي فرصة للمسلمين لنفض غبار الماضي، مشددا على أهمية دخول المؤسسات الإسلامية في حوار مع الكنيسة الأرثوذكسية صاحبة النفوذ الأقوى وتغيير وجهة النظر التقليدية لهم وهو أمر سيصب في مصلحتهم وسيخفف من الضغوط عليهم واعتبارهم كبش فداء  لأي أزمة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك