يَا لَـهَـا مِـنْ فتَـاةٍ خَلُـوقـة..!
ابنتي القارئة، أهلا بكِ، كلما كانت منظومة أخلاقك متكاملة، كانت دوافعك نحو الخير أكثر قوة، وسيرتك العطرة بين الناس أكثر عمقًا، وذكرك في السماء محفوف بالثناء الجميل.
ولقد بيّن لنا حبيبناصلى الله عليه وسلم قيمة الأخلاق الحسنة في الإسلام، فنراه قد جمع رسالته كلها في هذا الهدف الجميل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». السلسلة الصحيحة للألباني.
ويكفي صاحب الخلق الحسن شرفاً أن يكون أقرب الناس مجلساً من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ففي الحديث: «إن أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلساً؛ أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني في الآخرة؛ أسوؤكم أخلاقاً؛ الثرثارون المتفيهقون المتشدقون». صحيح الجامع للألباني، (كريم الشاذلي: الشخصية الساحرة، ص:113 بتصرف).
ألزم صفات الفتاة الخلوقة
الخلق الحسن من ألزم صفات الفتاة الصالحة؛ فالخلق الحسن ضروري للفتيات المسلمات؛ فهو مع كونه فطرة فيهن، يملن إليه بطبعهن أكثر من الذكور، فإن التوجيهات النبوية الكثيرة جاءت لتؤكد أهمية الخلق الحسن لهن، وأنه شعار الصالحات منهن، وأفضل ما تزيَّنَّ به، وخير ما يرشح الواحدة منهن للاقتران بزوج صالح، عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله». رواه ابن ماجة مرفوعاً.
ولئن اغترت بعض الفتيات بجمالهن، أو مالهنّ، أو حسبهن، ولم يكترثن بتحسين الأخلاق وإكمال الفضائل، فإنّ كل ذلك لا ينفع الفتاة إذا صارت زوجة وأماً، وخاضت معترك الحياة، ومارست أدوار الزوجية والأمومة المنوطة بها بغير أساس متين من الخلق الحسن. (الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة: حنان الطوري، ص:138 بتصرف كبير).
ارتباط الأخلاق بالعقيدة والإيمان
قد تلتزم الفتاة بالأخلاق الحسنة لحسن تربيتها، دون أن تربطها بقضية الإيمان، فتكون بمثابة عادات وتقاليد لا تلبث طويلاً أن تزول، أو تضعف أمام ضغوط الحياة المادية، ولاسيما في مرحلة الشباب؛ حيث الشغف بكل جديد، وفي هذه المرحلة يبرز ويتميز من يثبت على الأخلاق الحسنة والمباديء الثابتة.
وأهم ما يعين الفتاة على ذلك أن تستحضر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي ورد فيها ذلك الربط الرائع بين القيمة الخلقية وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، مثال ذلك قول الله -تعالى-: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} آيات (الفرقان:63:77)، في آيات طويلة جاء فيها ذكر أخلاق المؤمنين بالتفصيل، فما أروع اجتماع وصفهم بهذه الأخلاق العظيمة، مدحاً من الله -تعالى- لهم، وبين وصفه لهم في بداية الآيات بوصف العبودية والإيمان (عباد الرحمن)!
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه». رواه البخاري ومسلم. فلابد من ربط الأطر الأخلاقية بالعقيدة لتتعمق في النفس وتكتسب خاصية الثبات. (د.عدنان باحارث:التربية الخلقية للفتاة).
يمنحك الانضباط السلوكي
حسن الخلق يمنحك الانضباط السلوكي، بمعنى أن يكون لدى الفتاة المسلمة من الثوابت الأخلاقية ما يقف صامداً أمام موجات الأخلاق السيئة التي باتت تنتشر بين الفتيات انتشار النار في الهشيم عبر وسائل الإعلام والاتصال والمقلدات لها من الرفيقات، وانضباط الفتاة بالأخلاق الإسلامية كفيل بتحقيق هذا الاتزان لها، وقد أثبتت الدراسات الميدانية أن الفتيات المتدينات أكثر اتزاناً، وانضباطاً من غيرهن.
يرجحُ في الميزان
حسن الخلق يرجحُ في الميزان، وإن قلّت العبادة، فلقد فضل النبي صلى الله عليه وسلم المرء قليل العبادة حسن الأخلاق على المرء كثير العبادة سيء الأخلاق؛ عن أبي هريرة] قال: قال رجل يا رسول الله! إن فلانة يذكر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار»، قال: يا رسول الله! فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها أنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها، قال: «هي في الجنة» – المنذري: صحيح الترغيب والترهيب -
كيف أحسّن أخلاقي؟
ابنتي، لعل هذا السؤال يتبادر إلى ذهنك الآن، وتتلهفين لمعرفة الإجابة عنه، بدايةً كوني على يقين من إمكانية تغيير الأخلاق إلى الأحسن والأرقى، بل قد تكون مرحلة الشباب - ولاسيما عند الفتيات - أقرب لقبول تعديل الأخلاق، وتنميتها من أي مرحلة أخرى؛ ولذلك فمهما بلغ عمق الانحراف وحجمه عند بعض الفتيات؛ فإن ذلك لا يحول دون إمكانية استبداله بالخلق الحسن، ولا تلتفتي إلى أصحاب الهمم الضعيفة الذين يقولون بأن الأخلاق طباع ثابتة، وهيئاتٍ راسخة في النفس لا تتغير حتى يموت الإنسان، واسمعي للإمام الغزالي وهو يرد عليهم، بمنطق عقلي واقعي؛ فيقول -رحمه الله-: «لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير؛ لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات… وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن؛ إذ يُنقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق».
عليكِ بالتكرار
عليك بالتكرار فإنه وسيلة تثبيت الخلق الحسن، والتكرار يصنع العادات، والأخلاق تأتي بالتكرار إلى أن يصير الخلق عادة، مع تعهّد النفس ومراقبة السلوك أثناء ذلك، وإن أعظم وسيلة تتعاطاها الفتاة لتحسين أخلاقها هي: الممارسة المتكررة، والتعاطي المستمر دون انقطاع، ومجاهدة النفس على تحويلها إلى عادات يومية وردود فعل تلقائية أثناء المواقف المختلفة التي تزخر بها الحياة؛ فإن النية الصادقة لا تكفي وحدها لترسيخ الخلق، حتى وإن كان الخلق فطرياً؛ لأن كلَّ شيء في الكيان الإنساني يتقوَّى بالتربية والتدريب، ويضعف بالإهمال والانقطاع، قال[: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم» حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع.
ثلاثة مفاتيح لتحسِّني من أخلاقك
- النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : اقرئي في كتب السيرة النبوية، وسير الصالحين وتراجمهم قدامى ومعاصرين، واحفظي الأحاديث التي تحث على مكارم الأخلاق، واستحضري في كل موقف يقابلك الأسلوب الخلقي الذي تعامل به النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الموقف.
- صديقة مخلصة تنصحك: افتحي الباب لصديقتك الوفية كي تنقدك بإنصاف وموضوعية، واستمعي بتأمل لما تقوله؛ فصديقتك المخلصة هي مرآتك التي تعكس لك صورتك الحقيقية بلا تزوير أو تحسين.
- حاسد يلتمس زلاتك: أحسن معروف يقدمه لنا الحاسدون أنهم يسلطون عدساتهم المكبرة على عيوبنا ويتحدثون بها؛ فالتماس زلاتك وتلقف أخطائك هو شغل حاسدك الشاغل؛ فتلمسي أنتِ من كلامه ما تعرفين أنه حقاً عيبٌ فيكِ، وتخلصي منه فوراً.
وأخيراً، ابنتي: لا تفرّطي فيه أبدا؛ فمن بين الدرّ والياقوت، ونفائس الذهب والفضة اخترت لكِ أروع وأبهى ما تتحلين به..إنه حسن الخلق!.
لاتوجد تعليقات