رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سامح محمد بسيوني 22 مارس، 2017 0 تعليق

وقفات مع قصة ذي القرنين (4)مقومات القوة الجماعية

تحدثنا فيما مضى عن المقومات الأساسية اللازمة لتحقيق الإصلاح المنشود ودفع الظلم والفساد الموجود، وهي: تعلق القلوب بالله والسعي في رضاه، والجماعية ونبذ الفردية، والعوامل البشرية للقوة الجماعية، وها نحن أولاء -بعون الله- نشرع في ذكر مقومات القوة الجماعية التي نتلمسها من قول الله -تعالى- على لسان ذي القرنين: {فأعينوني بقوة...}، التي تحتم على المتعاونين السعي في الأخذ بعوامل القوة اللازمة؛ لجعل هذا التعاون أو ذلك التجمع مؤثرًا فيما حوله، محققًا لأهدافه المنشودة بطريقة صحيحة، ومن هذه العوامل التي تقوي العمل الجماعي وتجعله مؤثرًا في مجتمعه، التي يجب أن ننتبه إليها إن كنا صادقين في الإصلاح ما يأتي:

توحيد الفكر ووضوح المنهج

     من أهم العوامل المؤثرة في العمل الجماعي توحيد الفكر، ووضوح المنهج وبيان الرؤية الإصلاحية عند أفراد المؤسسة؛ وذلك لأن التفاوت في وضوح الفكرة والرؤية عند الأفراد ينشئ حالة من الصراع الداخلي بينهم؛ فيبعثر المجهودات، ويشتت الأذهان، ويستهلك الطاقات، ويؤدي إلى الفرقة التي تولد الضعف؛ فتزول النعمة وتضيع البركة؛ مما يؤدي في النهاية إلى فشل في النتائج المرجوة التي من أجلها اجتمعوا.

     وفي الحقيقة فإن بيان هذه الرؤية وتوحيد فكر الأفراد حولها هو دور القيادة دائمًا في أي تجمع، ولعلنا نتأمل في ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل الجيش في غزوة مؤتة؛ فاستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: «عليكم زيد بن حارثة فإن قتل زيد، فأميركم جعفر، فإن قتل جعفر فأميركم عبد الله بن رواحة»، فكان هذا توجيهًا وتوحيدًا فكريًا في الحقيقة لأفراد الجيش بأهمية وجود القائد؛ لذلك لمّا مات القادة الثلاثة -رضي الله عنهم أجمعين- ودُفعت الراية لخالد رضي الله عنه لم يختلف عليه أحد من أفراد الجيش؛ لتفهمهم ضرورة وجود القائد في تلك المواقف بعد ذلك التوجيه النبوي السابق لهم.

وجود تنظيم إداري

     أي عمل تعاوني مثمر لابد له من تنظيم إداري واضح، له رأس وهيكل، وله مسؤوليات وواجبات وصلاحيات، وذلك حتى لا تتبعثر الجهود أو تهدر الأوقات بغير طائل، أو تضيع المسؤولية بين الأفراد، أو تختلف التوجيهات بينهم؛ فيحدث الضرر بالمؤسسة، ولنا في ذلك أصل من أمر النبي  صلى الله عليه وسلم في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم». (صحيح سنن أبي داود/السلسلة الصحيحة).

     قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لروايات هذا الحديث المتعددة: وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعداً أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه؛ فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو مسافرين فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى. (نيل الأوطار 294/8 ط.دار الحديث).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث أيضا: «فأوجب  صلى الله عليه وسلم  تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع». (مجموع الفتاوى28 /390).

ضبط العلاقات بين الأفراد

     إن من أعظم عوامل بقاء المؤسسات الدعوية وقوتها تنمية روح المحبة بين الأفراد المتعاونين، وضبط العلاقات فيما بينهم؛ لضمان استمرارهم وحرصهم على التعاون والبذل، وهذا يحتاج إلى أمور عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: نشر حقوق الأخوة الإيمانية الواجبة والتحفيز الدائم لتطبيقها عمليًا من الأفراد فيما بينهم، ومن هذه الحقوق الأخوية الإيمانية الواجب مراعاتها:

- أمور واجبة، كتقديم إحسان الظن، وقد قال  صلى الله عليه وسلم : «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث».

- وأمور يغفل عنها الكثير منا (كالتهادي)، قال صلى الله عليه وسلم : «تهادوا تحابوا»، و(الزيارة في الله)، و(التناصح)، و«البذل والعطاء لصاحب الحاجة فيما بيننا»؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»، فمثل هذه المحبة تهون الصعاب، وينشر الله -عزوجل- بها القبول والمحبة بين الأفراد فيما بينهم  وكذلك بينهم وبين المجتمع من حولهم؛ مما يساهم في قوة الكيان وزيادة تأثيره.

حفظ الفضل لأهل السبق

- حفظ الفضل لأهل السبق وتوقيرهم واحترام القيادة وحفظ حقها: فلا يصح أن يتناسى الأتباع والشباب ما بذله الكبار والقادة في السابق، وما يبذلونه في الواقع من جهد وبذل فى سبيل الإصلاح فلا ينبغي أن يتعرض القادة للانتقاص من الأتباع لمجرد وقوع بعض الأخطاء منهم بحكم بشريتهم؛ فهم بشر معرضون للخطأ، بل يجب السعي في إصلاح الأخطاء من غير تنقص أو تحويل الأمر إلى قضية شخصية.

الدمج بين خبرة الكبار وحماسة الشباب

- الدمج بين خبرة الكبار وحماسة الشباب في التكليفات والأعمال الواحدة؛ فإن هذا مما يساهم في التوازن في الأداء مع نقل الخبرات وسرعة النتائج وجودتها مع ما في ذلك من تعميق الترابط والألفة بين الأجيال؛ ولهذا فلا نعجب من تولية النبي  صلى الله عليه وسلم  قبل موته لأسامة بن زيد رضي الله عنه للجيش وهو شاب وفي الجيش شيوخ الإسلام أبو بكر وعمر

وضع النظم الإدارية

 - وضع النظم الإدارية واللوائح المنظمة للعمل التعاوني: بما يتيح تحديد المسؤوليات والصلاحيات ومعرفة الحقوق والواجبات للأفراد توزيعا للطاقات واستغلالا لها، مع منع التنازع أو فتح المجال لنزغ الشياطين من الأنس والجن، الذين لا يرضيهم وصول الكيان الإصلاحي لحالة من النظام والتناغم والمحبة والقوة التي تهيئ إلى دفع الفساد ونشر الخير والصلاح في المجتمع، ولعل خير ما نتمثل به فى ذلك:

     ما كان من النبي  صلى الله عليه وسلم  في هجرته في تحديد الوظائف والمسؤوليات، فعلي بن أبي طالب رضي اللهع نه  يبيت في سريره  صلى الله عليه وسلم  لتضليل المشركين ريثما يكون قد غادر هو وأبو بكر مكة إلى غار ثور، وهذه أسماء بنت أبي بكر تمدهما بما يلزمهما من طعامٍ وشراب، وهذا عبد الله بن أبي بكر ينقل لهما ما يجري في مكة من أخبار ليكونا على اطلاعٍ بما يجري حولهما، وهذا أيضا عامر بن فهيرة يكلف بأن يمر بغنمه مساء عليهما ليأخذا حظهما من اللبن، ولتطمس الأغنام بحوافرها آثار الأقدام التي تتردد على الغار.

     وكذلك ما كان من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من تنظيم الأعمال وتحديد المسؤوليات كما روي عنه في قوله: «أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت إلى أُبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن  الفرائض فليأت إلى زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت إلى معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني خازناً وقاسماً»، إلى جانب ما وضعه  رضي الله عنه من تقسيم العمل في الدواوين؛ فأنشأ ديوان الخراج، وديوان الجند، وغيرها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك