وقفات مع الاعتداءات اليهودية على القدس وفلسطين!(1)
لا شك أن كثيراً من الأحداث الجسام على أرض فلسطين كانت شعلتها الأولى القدس والمسجد الأقصى، فمنذ أحداث البراق في عام 1929م وإلى الآن، كانت القدس وما زالت عنوان الصراع مع اليهود الغاصبين، الذين جعلوا من تهويد القدس وبناء الهيكل المزعوم أسمى أماني قادة اليهود وجماعاتهم، وأعلى مقاصدهم لتحقيق المهانة لأمة الإسلام قاطبة.
نتيجة حتمية
ومع تنامي الاستفزازات والاعتداءات من المغتصبين اليهود الذين أطلق لهم عنان التنكيل بالفلسطينيين تحت حماية جيش الاحتلال ورعايته، وكذلك العمل على حرمان شعب من أبسط حقوقه، الذي ترادف مع الاعتقالات ضد الفلسطينيين في القدس والمسجد الأقصى والضفة، والاشتباكات مع المصلين وأهالي القدس، وإغلاق المسجد الأقصى، والعمل بكل سرعة لتقسيم المسجد الأقصى وسلب سيادته من العرب والمسلمين ، مشاهد لم يحتملها الكثير من أبناء القدس ونسائها ، فالاعتداءات بهذه القسوة والوحشية غير مسبوقة منذ أن احتل اليهود شرقي القدس عام 1967م وإلى الآن، فكانت هبة مقاومة المحتل نتيجة حتمية لشعب يرفض الإهانة وتدنيس المقدسات .
عفوية الثورة
فاجئ الجميع – مع ضعفهم وقلة حيلتهم - إصرار من أهل القدس والضفة بفئاتهم للدفاع عن المسجد الأقصى والوجود فيه، والذي منبعه القناعة أن هذا الكيان بممارساته وتهويده واعتداءاته لا يحترم قانونا ولا معاهدة ولا غيرها، فهو لا يفهم إلا لغة الصد والقوة !! ولسان حالهم يقول: ماذا جنينا من اتفاقيات السلام ولاسيما اتفاقية أوسلو التي تمخض عنها السلطة الفلسطينية، والتنسيق الأمني؟!!
فردود الأفعال من الفلسطينيين جاءت عفوية وفردية، ففي الانتفاضة الأولى كانت الحجارة هي السلاح المستخدم، وفي الانتفاضة الثانية استخدمت الحجارة وأحيانا الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وأطلق عليها انتفاضة الأقصى، وما يجري اليوم يبدو وكأنها انتفاضة ثالثة تعم القدس ومناطق الضفة والمناطق التي احتلت في عام 1948م ، وسلاحها السكين ،
انتفاضة ثالثة
قبل سنة تقريباً صرح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بأن القيادة الفلسطينية لن توافق ولن تسمح بأي حال على اندلاع انتفاضة ثالثة، ولكن الذي لا يملك أمره لا يملك شعبه؛ فالأحداث الدائرة الآن أكبر دليل على ذلك التصريح ، فالمسببات للانتفاضة الثالثة متوافرة، مع ضعف الإمكانات والقدرات التي يمتلكها من سيكون وقود تلك الانتفاضة.
ومع ذلك يحمّل بنيامين نتنياهو – رئيس وزراء الكيان الغاصب لفلسطين - المسؤولية لمحمود عباس شخصيا مسؤولية كونه يحرض على تأجيج انتفاضة ثالثة – بزعمه - !!
مواليد مابعد أوسلو
ومن المفارقات العجيبة أن معظم المشاركين في مقاومة المحتل هم من مواليد ما بعد أوسلو 1993م ، أي أن أعمار جلهم دون العشرين عاماً، وهذا يحمل معاني كثيرة ، فماذا جنينا من أوسلو؟! وما مخرجات السلام مع اليهود ؟!شباب لا يرى أملا ولا مستقبلا في ظل حكومات يهودية عنصرية عملت بكل جهد على إذلال هذا الجيل، وكسر إرادته للقبول بما يمليه عليه المحتل، ليعيش مسلوب الإرادة في وطنه، لا يفكر بمستقبل له ولا لوطنه.
صمت الرباعية
حتى الدول الراعية للسلام التي أطلق عليها الرباعية ، بقى صامتة لا حراك لها مع كل المناشدات والمشاهدات لكبح جماح الاعتداءات الصهيونية - حكومة بمؤسساتها، ومغتصبون بأطيافهم – فمنذ الانتفاضة الثانية وإلى الآن لم تحرك ساكنا، وإذا بها الآن تنشط من جديد لتنقذ مأزق دولة الاحتلال، ولتئد تلك الهبة والحراك الوطني الشبابي الذي تحرك قدراً بعفوية ووطنية غير مسبوقة.
شباب لاسياسيون
والجديد في تلك الأحداث التي نعيشها، أنها من شباب -جلهم إن لم يكن كلهم- غير مؤطر سياسياً ولا حزبياً ولا فصائلياً، ويرفض أن ينتسب لتلك الأطر الحزبية ، ويرى أنها سبب في وصول حالهم إلى ما هم عليه؛ فبعضهم كتب في صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي إذا حدث له حدث فلا يريد أن يتبناه أحد من تلك الفصائل ، فهو عمل ذلك من أجل مقدساته ووطنه.
وكان الرفض كذلك من عائلاتهم في بيوت العزاء التي رفضت عرض بعض تلك الفصائل للقيام بتحمل مصاريف العزاء ، أو رفع رايات حزبية ، واكتفوا برفع علم فلسطين .
وترادف ذلك مع الاستبانة التي أجرتها جامعة (بير زيت) للطلبة الجامعيين الذين دون الـ20 عاماً إن كانوا ينتمون أو يرغبون بالانتماء للفصائل الفلسطينية، فكانت النتيجة 70% لا ينتمي ولا يرغب في الانتماء.
ولا شك أن تلك النتيجة تحمل معاني عديدة؛ فهنالك عزوف عن التأطير السياسي الذي زاد من الفرقة وضياع الحقوق.
صعوبة التوقيت
لا شك أن التوقيت في غاية الصعوبة ، فالشعب الفلسطيني الآن في أضعف حالاته، والانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة لا يزال قائماً ومستعراً، والقيادة الفلسطينية أُضعفت – عمداً – وتهالكت إلى درجة يصعب معها الاستمرار، سبق ذلك الواقع ولازمه تصاعد ممارسات اليهود في القدس والضفة؛ وواقع عربي مرير، ونار مشتعلة في الكثير من الأقطار العربية، ومشاهد الدماء أضحت ديدناً يومياً لا بد أن نصبح ونمسي على سفك الدماء، وتقطيع الأشلاء، ومع هذا لم يجد الشباب الفلسطيني إلا خيار السكين ليقاوم أو ليدفع بعضاً من الظلم الذي يعيشه بكل مجالاته.
النصر وإن طال الزمن
ومع ذلك فقد وعد الله -تعالى- المؤمنين بأن ينصرهم على عدوه وعدوهم وإن طال الزمان بنظر المؤمنين أو قصر، وربط الرسول صلى الله عليه وسلم الأرض المقدسة بأصلها الأصيل وهو الإسلام، فهو مستقبلها وبه حياتها، ولن يتم لها أمر، أو يعلو لها شأن إلا من خلال هذا الدين وأهله المصلين الموحدين المؤدين فرائضه، والمجتنبين معاصيه، فالنصر موعود الله -سبحانه وتعالى- للجباه الساجدة، والقلوب الموحدة، والأيدي المتوضئة، قال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور: 55).
النصر قادم
ومن سنن الله -تعالى- أن تكون العاقبة للمتقين طال الزمان أو قصر، فالنصر والتمكين لدين الله قادم لا محالة بنا أو بغيرنا قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }(التوبة: 33).
وقتال اليهود حادث ولا ريب، وسيقضي المسلمون المجاهدون على الدجال ومن معه من اليهود جميعاً، وتستريح البشرية جمعاء من شرور اليهود وأطماعهم وإفسادهم؛ روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود».
الجهد والجهاد
ولكن النصر لا يكون بالتمني والأماني والركون إلى الدنيا؛ إنما النصر بالجهد والجهاد وبتحقيق التوحيد لله تعالى، فالعودة إلى الإسلام هو الطريق لإنقاذ فلسطين والمسجد الأقصى السليب، وبتمسكنا بالإسلام ترجع إلينا إن شاء الله مقدساتنا التي اغتصبت في بيت المقدس، وديارنا السليبة في جميع أنحاء الأرض، ويتحقق لنا شرط التمكين والنصر قال تعالى: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}(الحج:41). وتكون بهذا العاقبة للمتقين والنصر للمؤمنين.
لاتوجد تعليقات