وقفات تربوية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم
مقالنا اليوم تهفو إليه الأفئدة، وتجثو عنده العواطف، حديثُ اليوم في سيرة تتقاصرُ دونها السير، وصفاتٌ لا تدانيها الأوصاف، إنها لمحاتٌ ونفحاتٌ تعبقُ من صفات الرسول المجتبى، وشمائلُ الحبيبِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}(آل عمران: 164).
فتعالوا بنا إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أسوتُنا الحسنة، وقدوتُنا الصالحة، الذي بعثه اللهُ معلماً للبشرية، ورحمةً للإنسانية، في مواقفَ تربويةٍ نستفيدُ منها في حياتنا اليومية .
ألا أبْلِغا عني النبيَ محمدا
بأنك حقٌ والمليكَ حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الرشد والتقى
عليك من الله الكريمِ شهيدُ
وأنت امرؤ بُوئت فينا مباءةً
لها درجاتٌ سهلةٌ وصعود
موقفٌ عظيمٌ
موقفٌ عظيمٌ لنبينا الكريم، ومعلمِنا الحليم، -عليه أفضلُ الصلاة وأزكى التسليم-، وهو يدخلُ مكةَ فاتحاً، وهي التي تآمرت على قتله، وأخرجته، وعذبتْ أصحابَه، ونكَّلت بهم، وقاطعته، وكذبته، وقاتلته في بدر، وأحد، والخندق، وألَّبت عليه العربَ جميعًا، لقد ألقى أهلُها كلَ سلاح، ومدوا إليه أعناقَهم؛ ليحكمَ فيها بما يرى ، فأمْرُه نافذٌ في رقابهم، وحياتُهم جميعاً معلقةٌ بين شفتيه، وهذه عشرةُ آلاف سيف تتوهجُ يوم الفتح، فوقَ رُبى مكة، تأتمرُ بأمره وتنتظرُ إشارةً منه، إنها تستطيعُ أن تبيدَ مكةَ وأهلَها عن بكرة أبيهم، لقد دخلها يومَ الفتح الأعظم، دخولَ المتأدبين الشاكرين، معترفاً بعظم الفضل، ولم يدخلها دخولَ المتكبرين المتجبرين، ثمِلاً بنشوة النصر .
لقد سار النبيُ صلى الله عليه وسلم في موكب النصر يومَ فتح مكةَ حانياً رأسَه، حتى تعذر على الناس رؤيةُ وجهه، وحتى كادت ذؤابةُ عمامته تلامسُ عنقَ بعيره، مردداً بينه وبين نفسه، ابتهالاتِ الشكر المبللةِ بالدموع .
سأل أعداءَه بعد أن استقرَ به المقام: يا معشرَ قريش، سألهم: «مَا تَظُنُّون أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟»، وصاحت الجموع الوجلة بكلمة واحدة، كأنما كانوا على اتفاق بترديدها، قالوا: خيراً.. أخ كريم وابن أخ كريم؛ فقال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ» (سيرة ابن هشام 2/ 412)
الله أكبر! عفا عنهم، وصفح عن أعمالهم، مع أنه كان قادراً على الانتقام، لكنه خلقٌ عظيم، خلقُ العفو عند المقدرة، فصلوات ربي وسلامه عليه:
لما عفوتُ ولم أحقد على أحد
أرحتُ قلبي من هم العداوات
إني أحـيي عدوي عند رؤيته
لأدفع الشــر عني بالتحيات
وأظهر البِشرَ للإنسان أبغضه
كأنما قد حشــى قلبي محبات
أهميةَ التوكل على الله -تعالى
وموقفٌ آخر من حياة النبي صلى الله عليه وسلم يُظهرُ لنا أهميةَ التوكل على الله -سبحانه- وتسليمِ الأمر إليه فهو الكافي، ونعمَ المولى ونعمَ النصير؛ ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله -رضي الله عَنْهُمَا- أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ؛ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً؛ فَإِذَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ؛ فَقَالَ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ «سل» عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا؛ فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ.
مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
وفي رواية الإسماعيلي: فقال: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قال: «الله»، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِه؛ فأخذ السيفَ فقال: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟»، قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه». قَالَ: لاَ، وَلَكِنِّى أُعَاهِدُكَ أَلاَ أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ؛ فَخَلَّى سَبِيلَه، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}(الطلاق 2-3).
يجول الغنى والعزُ في كل موطن
ليستوطنا قلبَ المرء إن توكـلا
ومن يتوكلْ كان مولاه حسـبُه
وكان له فيما يحاولُ معقـلا
إذا رضيتْ نفسي بمقدور حظها
تعالت وكانت أفضلَ الناس منزلا
رحمتُه صلى الله عليه وسلم بالصغار
ومن مواقفه التربوية صلى الله عليه وسلم: رحمتُه بالصغار ورفقُه بهم، في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ»، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ»، وفي الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا؛ فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا؛ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».
مواساة الأطفال
بل كان -عليه الصلاة والسلام- يواسي الطفل إذا رآه حزينًا، في البخاري وغيره عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ يَلْعَبُ بِهِ (أي طائر صغير)؛ فَمَاتَ؛ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا؛ فَقَالَ: «مَا شَأْنُهُ؟»، قَالُوا: مَاتَ نُغَرُهُ؛ فَقَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، في صحيح مسلم يقول أنسٌ رضي الله عنه: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فما أعظمَ رحمتِه صلى الله عليه وسلم بالضعيف.
إن كنتَ لا ترحم المسكينَ إن عَدما
ولا الفقيرَ إذا يشكو لك العدما
فكيف ترجو من الرحمن رحمتَـــه
وإنما يرحمُ الرحمنُ من رحما
رفقُه صلى الله عليه وسلم بالعاصي
ومن مواقفه التربويةِ صلى الله عليه وسلم : رفقُه بالعاصي، وإقناعُه بترك المعصية بالحوار المقنع، ثبت في المسند عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ؛َ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا؛ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ، مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا»، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ.
فما أحوجَ المسلمين اليومَ إلى الاهتداء بهدي رسولهم صلى الله عليه وسلم ، والسيرِ على منهجه، والاقتداءِ بسنته.
وبالســنة الغراءِ كن متمسكا
هي العروةُ الوثقى التي ليس تُفصمُ
تمسـك بها مسكَ البخيلِ بماله
وعُض عليهــا بالنواجذ تســــــلمُ
ودع عنك ما أحدثَ الناسُ بعدها
فمرتــعُ هاتيك الحوادثِ أوخــــمُ
لاتوجد تعليقات