وقفات إيمانية وتربوية مع اسم الله القيوم
يقول الله -تعالى- في محكم كتابه: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، الله -جل وعلا- تعرف إلينا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأمرنا أن نتعلم هذه الأسماء لندعوه بها ونعبده بها -سبحانه وتعالى- كما أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم-، وبشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حفظ أسماء الله الحسنى وفهم معانيها وعقلها وتعبد الله بها فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة» أي حفظها.
وإن من أسماء الله -جل وعلا- التي تعرف بها إلينا (القيوم) الذي ذكره الله -تعالى- في آية الكرسي وهي أعظم آية في القرآن فقال -سبحانه-: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}، وقال -تعالى- في سورة آل عمران: {الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال -تعالى- في سورة طه: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}، فما معنى هذا الاسم العظيم؟ وكيف نتعبد الله -تعالى- به؟
معنى القيوم
- القيوم: معناه أن الله -جل وعلا- قائم دائم لا يزول ولا يحول وأنه -سبحانه وتعالى- أزليُ أبدي لا يلحقه الفناء ولا الموت، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء كما قال -سبحانه وتعالى-: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ويقول النبي -[- في دعائه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء»؛ فكل من في الكون يموت ويلحقه الفناء كما قال -سبحانه وتعالى-: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}، وقال -تعالى-: { كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، ويبقى الله -سبحانه وتعالى-: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، وهو -سبحانه- الذي يقيم هذا الكون ولولا إقامته لهذا الكون لفني منذ زمن بعيد، وسقطت السموات علينا، يقول الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}، وقال -سبحانه-: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، جعل الله -عز وجل- هذه الأرض قرارًا مستقرة كما قال -سبحانه وتعالى-: { أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا}.
الزلزال والخسف
ولكن إذا شاء الله -جل وعلا- أمر الأرض أن تتزلزل فتزلزلت بأمره -سبحانه وتعالى-، وتنشق هذه الأرض وتبتلع مَنْ على ظهرها، وهذا هو الزلزال والخسف الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يكسر في آخر الزمان، وأن من أشراط الساعة وعلامتها كثرة الزلازل، فإذا كثر الفساد والمنكرات والمعاصي فإن الله يزلزل الأرض بأهلها حتي أنه في آخر الزمان تكون خسفات عظيمة في المشرق العراق وإيران، وفي المغرب في الشام وفي جزيرة العرب، هذه ثلاث علامات من علامات الساعة الكبرى.
بقاؤنا وحياتنا ورزقنا
والله -سبحانه وتعالى- هو الذي يمدنا بما فيه بقاؤنا وحياتنا ورزقنا ينبغي أيها المسلم أن تستحضر ضعفك وفقرك إلى الله -عز وجل- وأنك بحاجة إليه في كل لحظة وثانية ولمحة بصر، بعض الناس لا يستحضر هذا الأمر، ويظن أنه غني عن الله -تعالى-. أنت محتاج إلى الله أعظم من حاجة الطفل الرضيع إلى أمه، فهل يستطيع الطفل الرضيع أن يستغني عن أمه في رضاعته وحمله وتعهده وفي تنظيفه؟ فأنت بحاجة إلى الله -سبحانه وتعالى-، فلولا أن الله -عز وجل- يمدنا بالحياة لهلكنا؛ فالله يمدنا بالبصر ولولا مده لنا لما بصرنا، ولولا أنه يمدنا بالسمع ما سمعنا، ولولا أنه يمدنا بالنطق والبيان والكلام ما استطعنا أن نتكلم، ولولا أنه أمدنا بالحركة ما استطعنا أن نتحرك شبرًا واحدًا، من الذي يجري الدم في أجسادنا؟ ومن الذي يحرك القلب والأعضاء؟ إنه الله -سبحانه جل وعلا-؛ فاستحضر فقرك أيها الإنسان لله -عز وجل- لا تمنَّ على الله ببعض أعمالٍ تعملها، نرى بعض الناس يتكاسلون عن الصلاة ولا يعلمون عظمتها وأهميتها، ولا يشعرون أنهم بحاجة إلى الله وأن الله ليس بحاجه إلى صلاتهم؛ فبعضهم يأتي إلى الصلاة كسلان متثاقلا، يتأفف يتضجر ويقوم يجر نفسه كأنما يجر السلاسل! ينبغي أن تعلم أنك فقير إلى الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، الله مستغن عنا ليس بحاجة لا لصلاتنا ولا ركوعنا لكن نحن بحاجة إليه.
يراقبنا ويحصي أعمالنا
الله -سبحانه- هو القيوم الذي يراقبنا ويحصي أعمالنا، يقول الله -تعالى-: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ}، كيف يُجعل لله شريك وهو قائم على كل نفس يرزقها ويدبر أمرها ويحصي أعمالها، ويراقبها ويحاسبها؟! الله رقيب علينا في كل وقت فهل نحن نراقب الله -عز وجل-؟ كما قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} وقال -تعالى- {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} أي ليرصد أعمال العباد ويراقبها -سبحانه وتعالى.
نبي الهدى ونبي الرحمة محمد بن عبدالله -صلوات ربي وسلامه عليه- ورضي الله عن أصحابه الغر الميامين المجاهدين في سبيل رب العالمين الذين حملوا راية الإسلام والتوحيد ونشروها في ربوع المعمورة، لاسيما الخلفاء الراشدون والأئمة الخلفاء المهدون أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي أبو السبطين، واحشرنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
التوكل عليه -سبحانه.
إذا علمنا أن الله -سبحانه وتعالى- هو القيوم فعلينا أن نتوكل عليه في أمورنا كله كما قال -تعالى-: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}، كل شيء يموت فكيف تتوكل على غير الله -سبحانه وتعالى-؟ يجب أن تفوض أمورك إلى الله -عز وجل- وتعتمد عليه في كل حركة، ويجب أن تطلب رزقك من الله -عز وجل-؛ فهو من قيومته أنه هو الرزاق، قال -تعالى-:
{وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.
خشية الله -عز وجل
وعليك أن تخشى الله -عز وجل-؛ لأنه رقيب عليك، يحصي أعمالك ويكتبها ويسجلها وأنت غافل تلعب لكن الله -عز وجل- لا يغفل ولا ينسي -سبحانه وتعالى- كما قال موسي لفرعون: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، وقال أيضا: {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَ}؛ فالله -سبحانه- لا ينسى وسوف يخبرك بأعمالك يوم القيامة، ويخرج لك كتابا كما قال -تعالى-: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}، هل تجد في كتابك هذا سيئة زائدة أو حسنة ناقصة؟ الجواب: لا {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}. فالمجرمون الذين سودوا كتبهم بالمعاصي والمنكرات والفجور سوف تسود وجوههم عندما يرون كتبهم.
الخوف والإجلال
فعليك -أيها المسلم- أن تزداد خوفًا وإجلالا وتعظيمًا لله -تعالى- وعليك أن تزداد حبًا لله -عز وجل- الذي يرزقك ويحفظك -سبحانه-، ويجعل لك السمع والأبصار والعقل ولو شاء الله لسلب منا هذه النعم؛ الله -عز وجل- يهدد أهل الشرك والوثنية فيقول -تعالى-: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ويقول الله -تعالى- أيضا: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ}، لوشاء الله لمسخ الكفرة قردة وخنازير كما فعل مع بني إسرائيل، ولكنه يمهل ولا يهمل. قال الله -تعالى-: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}، وقال الله -تعالى-: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}، فعلينا أن نستشعر ضعفنا وذلنا وفقرنا لربنا -سبحانه وتعالى- وأن نزداد تعبدا ورقا لله -سبحانه وتعالى.
لاتوجد تعليقات