رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 3 أبريل، 2018 0 تعليق

وقاية الأبناء من خطر الإلحاد

 

 

أصبح من الضروري على المربي المسلم أن يمتلك زمام المبادرة إلى تحصين أبنائه ضد ما يترصدهم من الانحرافات الفكرية المختلفة، قبل أن تتصيدهم غرف الشات وبرامج الإعلام التي باتت تروج للفكر الإلحادي بين أبنائنا الشباب بوضوح، وإن أفلت الابن من براثنها فقد يظل يحمل في نفسه آثاراً من الشك والحيرة إزاء دينه ومعتقده، ولا يخفى أن وراء تلك الموجات مروّجين يحملون هذا الفكر، ويبذلون جهداً منظماً يستهدف عقول أبنائنا وقلوبهم ليذهبوا بدينهم – إن استطاعوا – أو يتركوهم في ظلماتٍ يترددون، فلابد أن تقابلها جهودٌ أكبر من المربين؛ لتتكسرعلى صخورها تلك الموجات.

     وإليك – عزيزي المربي – هذه المهام التربوية التي تعمل متوازية بقوة؛ لتكوّن الحصانة اللازمة لأبنائنا ضد أي أفكار فاسدة أو تيارات منحرفة، بل وتجعلهم مؤثرين فيمن حولهم رافضين لكل ما يخالف المنهج الإسلامي الصحيح الذي تربوْا عليه، وتكونت من خلاله نفوسهم:

العناية بالتربية الإيمانية

     عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: «‏كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»‏‏‏ قال شيخ الإسلام معلقاً على هذا الحديث: «فالصواب أنها فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة»‏، ونؤكد في هذا المقام على:

- الحرص على التلقين في الطفولة المبكرة لألفاظ الإيمان بالله تعالى، والإقرار بربوبيته، كألفاظ الأذان، وكلمة التوحيد، ومن ثَمَّ يكون العلم بوجوده قضية مسلمة في نفس الولد وعقله، فلا تحتاج إلى دليل لإثباتها. كما قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: «وُضِعَ في النفس أن المصنوع لا بد له من صانع»، أي: إن هذه المسألة مما اطمأنت إليها النفس واستقرت فيها.

- تعريف الابن بنعم الله -تعالى- وفي كل جانب من جوانب الكون وحياة الإنسان، يجد الأب مجالا خصبا للتذكير بنعم الله عز وجل. يقول ابن تيمية -رحمه الله- مؤكداً هذا المعنى: «ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده، يُحْمَدُ عليه حَمْدَ شكرٍ، وله فيه حكمةٌ تعودُ إليه، يستحق لأجلها أن يُحْمَدَ عليه حمْداً يستحقُّه لذاته».

- توجيه الابن إلى التفكر في خلق الله تعالى، فهذا هو الطريق الذي وجّهنا إليه الله -تعالى- في كتابه المجيد لمن أراد أن يزداد إيمانا ويقينا في وحدانيته جلّ وعلا، فيدرب الأب ولده على إطلاق العنان لفكره في النظر والتأمل في عجائب الخلق في الكون من حوله «في الرحلات والأماكن المفتوحة«، وفي نفسه من الآيات، قال -تعالى-: «وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات:20-21 )، مع التنبيه على وساوس الشيطان في مسألة الخلق وتحذير النبي -صلى الله عليه وسلم - منها: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته».

الاهتمام بالتربية الفكرية للأبناء

     ويقصد بالتربية الفكرية أن تكون أفكار الأبناء مؤسسة وفق التصور الإسلامي للكون والحياة والهدف من خلق العباد ومصيرهم كما جاء في القرآن الكريم، قال -تعالى-: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، ومن واجبات التربية الفكرية أن يُطْلِعَ الأبُ أبناءه على مكائد غير المسلمين، وأن هذه حقيقة أخبرنا الله -تعالى- بها كي نأخذ حذرنا منها ونحتاط لديننا، {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام:55)، ويحاول أن يبسط لهم الأفكار حسب أعمارهم وسِعَة إدراكهم، مستعيناً في ذلك بما ورد عن الله -عز وجل- وعن رسوله في فضحهم وتحذير المؤمنين من كيدهم. ولمزيد من التوعية للأولاد الكبار يضع الأب بين أيديهم بعض الكتب الإسلامية التي تتحدث عن الغزو الفكري، ومدى تغلغل الأعداء في أجهزة الإعلام وإدارتها، وذلك ليقف الابن على صورة حية متكاملة لمحاولات الإضلال التي تحاك ضد الشباب المسلم، ومن ثم يعرف واجبه ومسؤولياته تجاه هذا الواقع، ولا ينخدع بالبرامج التي تثير الشكوك والشبهات حول ثوابتنا الإسلامية.

     ومن ذلك تكوين ثقافتهم الإسلامية الصحيحة، بأن يوفر الأب المسلم لأبنائه مكتبة مقروءة ومسموعة تتضمن ما يعزز الجوانب الإيمانية لديهم، مثل فيديوهات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وما ينمي فيهم الجانب الوقائي، من خلال فيديوهات المناظرات العلمية، والرد على دعاوى الإلحاد بالحجة والدليل العقلي والنقلي، وهي كثيرة بحمد الله على شبكة الانترنت.

كذلك تربيتهم على التفكير الناقد، بمعنى أن يكون لديهم القدرة على النقد والتمحيص للوارد عليهم استنادا على الأرضية الصلبة التي تربوْا عليها من الثقافة الإسلامية المتينة.

التعامل بأسلوب يحفظ على الابن كرامته وقوة شخصيته

     لأن ضعف شخصية الابن من أهم أسباب انجرافه إلى هذه التيارات، وغالباً ما يكون وراء ذلك الضعف إما أسلوباً عنيفاً في التعامل؛ أوْرَثَ الابن شعوراً بالنقص والدونيه، أو أسلوباً متراخياً في التربية أوْرَثَ الابن جهلاً واستهتارا تجاه أمور العقيدة والدين، والأسلوب الأمثل هو تربية الابن على قوة الشخصية من خلال التعامل معه بأسلوب يحفظ عليه كرامته بعيداً عن التحقير أو الاستهزاء أو عدم الاستماع إليه والتقليل من شأنه.

     وكذلك الاقتراب من عالم الأبناء، والتعرف على أصدقائهم، ومن خلال هذه العلاقة التي تتضمن الوُدّ الصادق والرقابة الوقائية اللازمة، يمكن للأب الاطلاع ولو جزئيا على ما يتداولونه من أفكار ومناقشات، ومن ثَمَّ تحذيرهم من الدخول إلى غرف الشات المجهولة، أو الإلحادية بدعوى الدفاع عن العقيدة وهم ليسوا مؤهلين علمياً لهذه المهمة، فقد يكون الدخول حينئذ إلى تلك الغرف وبالاً عليهم، ومثيراً للشبهات في نفوسهم، كما تمكنه تلك العلاقة الودودة على توجيههم لشغل أوقاتهم ببرامج نافعة ترفع من مستوياتهم الدينية والفكرية والعلمية والرياضية والتطوعية.

إلحاق الابن بأفضل المؤسسات التعليمية الممكنة

إذ لا يخفى ما تمثله المداس الأجنبية من بيئة مُهَيِّئَة لتقبل الدارسين فيها لفكرة الإلحاد بأيٍّ من درجاتها، فلا ينخدع الأب المسلم ببريق اللغات وغيرها من الميزات، ولكن ينتقي أفضل المدارس تعليميا وأقربها إلى السمت الإسلامي فيلحق بها ولده.

إذا وقع المحذور كيف تتصرف ؟

     إذا لوحظ على الابن كثرة الحديث حول الشبهات الإلحادية، فقد يعدُّ هذا الأمر صادماً للأب، وقد ينتج عنه ردة فعل عنيفة من الأب مثل الضرب أو الطرد من المنزل، أو نشر الحديث في وسط الأقارب والمعارف من غير المؤهلين للحلّ، ولكن -عزيزي الأب- كن حذرا حتى لا يخرج الأمر من يديك؛ فالتصرف العنيف لن يجيب على أسئلة الابن الحائرة أو يمحِّصَ الشبهات التي أُلْقِيَتْ في نفسه، ولكن يُنصح باصطحاب الابن، والذهاب مباشرة إلى أحد المتخصصين من الأساتذة الجامعيين المتخصصين في العقيدة وأصول الدين؛ لأنهم حينئذ هم (أهل الذكر)، وقد درسوا هذه الشبهات والرد عليها دراسة وافية وهذا هو مجال علمهم وعملهم.

     وأخيرا، لنلزم الدعاء أولاً وآخراً لأبنائنا بالهدى والرشاد، ثم لا نألوا جهداً في الأخذ بأسباب التربية الإسلامية الراشدة، بما في ذلك التعلم والاطلاع الدؤوب على كل جديد في عالم التربية، ولنجعل من مؤسسة الأسرة الحصن الآمن والمرجعية الموثوقة لعقول الأبناء وقلوبهم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك