وصايا من ذهب – تهــادواتحـــابوا
جاء الإسلام بالحث على كل ما يؤدي إلى الترابط، والألفة، والمحبة، بين الناس، ومن ذلك الهدية؛ فهي تزيد من علاقات الإخوان ببعضهم، وتولد المحبة بينهم، وتقارب بين نفوسهم ، ولا شك أن النفس والقلب يتأثران بالهدية، ونرى دلائل الشرع تؤيد هذا وتؤكده؛ فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الهدية وذلك في قوله: «تَهادُوا تَحابُوا» (رواه البخاري في الأدب المفرد)، وهذا الحديث فيه دلالة على أن الهدية لها دور في تحقيق المحبة والألفة بين الناس.
كما أن - الرسول صلى الله عليه وسلم- رغب في قبول الهدية، والإثابةعليها، و كره ردها ، مهما كانت صغيرة، أو محتقرة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لو دُعيتُ إلى ذراعٍ ، أو كُراعٍ، لأجبتُ، ولو أُهدي إليَّ ذراعٌ أو كراعٌ لقبِلْتُ» (رواه البخاري)؛ فأشارَ الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالذِّراع والكُراعِ إلى إجابةِ الدَّعوةِ ولو على شَيءٍ قليلٍ، وقَبولِ الهديَّةِ ولو كانت قليلة .
الهدف من الهدية
والهدية تسمو بحسب هدفها؛ فهدايا الوالدين عظيمة؛ وذلك لما فيها من البر وصلة الرحم، كما أن الهدية بين الزوجين تزيد المحبة والمودة بينهما، وتقوي العلاقة الزوجية، وقد تكون سبباً في نزع الخلافات والمشاحنات بينهما.
و أما هدايا الجيران؛ فإنه يبدأ بالأقرب كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-عند البخاري أنها قالت: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟، قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا».
الرجوع في الهدية
ومن المستقبح أن يرجع المسلم في هديته فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (رواه البخاري)، وقد ذكر الله -تعالى- على لسان ملكة سبأ في القرآن، ردها على كتاب سليمان - عليه السلام- عندما دعاها للإسلام؛ فقالت: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ}(سبأ:35)، وكان ذلك لعلم ملكة سبأ بأن الهديَّة تقع موقعاً كبيراً عند الملوك، وهذا يبين فطنتها وذكائها وحرصها على مصلحة قومها.
وقد رد سليمان -عليه السلام- هديتها، ولم يقبلها؛ وذلك لأنه علم أنها أرسلت هديتها إليه، تقصد استمالة قلبه، لتثنيه على الإتيان إليهم، وترك الدعوة إلى الله، وترك الجهاد في سبيل الله، فقال الله -تعالى- على لسان سليمان -عليه السلام-: {بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُون}(النمل36-37)؛ فلابد أن يخشى المسلم، من أن يهدي شيئاً يؤدي به إلى حرام، ومن ذلك ما يهدى للسكوت عن الحق، والإقرار على الباطل.
الهدايا المحرمة
من الهدايا المحرمة الرشوة وهي باب واسع، وقد تساهل فيها الناس، وقد لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ»(رواه أحمد).
هدايا العمال
ومنها أيضًا: الهدايا التي تُعطى للعمال، وهم موظفو الدولة الذين يأخذون راتباً مقابل خدمة الناس، وإنجاز أعمالهم؛ فلا يحق لهم أخذ شيء من هدايا الناس؛ فهذه الهدايا مال حرام وسُحت؛ فعن أبي حُمَيدٍ الساعديِّ رضي الله عنه قال: استعمَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا مِن الأزدِ يُقال له: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ على الصَّدقةِ؛ فلمَّا قدِمَ قال: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ لي؛ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «فهلَّا جلَس في بيتِ أبيه أو بيتِ أمِّه فينظُر يُهدَى له أم لا؟! والذي نفْسي بيَدِه لا يَأخُذُ أحدٌ منه شيئًا إلَّا جاءَ به يومَ القيامة يحمِلُه على رَقَبتِه إنْ كان بعيرًا له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعِر، ثم رفَع بيده حتى رأينا عُفرةَ إبْطَيه، اللهمَّ هلْ بلَّغتُ اللهمَّ هل بلَّغتُ، ثلاثًا» (رواه البخاري ومسلم)؛ فإهداء الموظف الهدايا لرئيسه في العمل تعد محرمة، وكذلك وما يهديه الطالب لأستاذه في المدرسة، وقد انتشر هذا الأمر بطريقة تلفت الانتباه، وتساهل الناس فيه.
هدايا مناسبات الكفار
ومن الهدايا المحرمة أيضاً: تلك الهدايا التي تُهدى بين المسلمين في مناسبات الكفار، أو التي تُعطى للكفار في مناسباتهم، كأعيادهم، وغيرها من المناسبات التي تخالف الشرع، مثل عيد الكريسماس، أوعيد الحب، وغيرها من أعياد الكفار.
ومما يستفاد منه مما سبق، أن التهادي بين المسلمين أمرٌ مرغوب فيه عادةً وشرعاً، وعلى المسلم الالتزام بأحكام الشرع في جوانب حياته كلها، ومنها تبادل الهدايا؛ فيعرف ما يؤجر عليه من الهدايا، ويبتعد عن كل ما يؤثم عليه ويكون عليه وزراً يوم القيامة.
لاتوجد تعليقات