رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: خيرية الفيلكاوي 18 مارس، 2019 0 تعليق

وصايا من ذهب – الجــزاء من جنس العمل


أودع الله في هذا الكون سننًا ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، ومنها أنَّ الجزاء من جنس العمل، وهي سنة في هذه الحياة، وقد ذكرت لنا شريعتنا، أن جزاء الله للعبد على عمله مماثل للعمل الذي يقوم به، سواءً أكان بالخير أم بالشر، وكما تدين تدان، قال الله -تعالى- {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}(الرحمن: 60)، وقوله -تعالى-: {جَزَاء وِفَاقًا}(النبأ 26)، ونجد ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم : «أهل المعروف في الدنيا،هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة». رواه البخاري في الأدب المفرد.

جزاء أهل المعروف

     فنجد جزاء الله لأهل المعروف من جنس عملهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَن نفَّسَ عن أخيهِ كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن سترَ مسلِمًا سترَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ يسَّرَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ»، وكذلك في طلب العلم: «مَن سلَكَ طريقًا يلتَمسُ فيهِ عِلمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ». صحيح الترمذي .

     فمن رحم غيره، وجاد، وأنفق، لقي جزاءً من جنس عمله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ، ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ. صحيح الترمذي؛ فكان جزاؤهم رحمة الله لهم، وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم أَنفِقْ، أُنفِقْ عليك». رواه البخاري، ومسلم.

ومن نصر أمر الله ودينه وشرعه يكون جزاؤه أن ينصره الله، ويثبته: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(محمد: 7).

جزاء الذكر

     وكذلك في ذكر المسلم لربه، سواء أكان هذا الذكر في نفسه، أم في ملأ فإن جزاءه أن يذكره الله -تعالى-، يقول اللهُ -تعالَى- في الحديث القدسي: «فإن ذَكَرَنِي في نفسِه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكَرَنِي في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٌ منهم، وإن تقرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرْولةً». صحيح البخاري؛ فمن فوائد هذا الحديث أن الله يجازي العبد بحسب عمله.

جزاء العقوبة

     ونجد الجزاء من جنس العمل في العقوبة واضحاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَن يُسَمِّعْ يسمعِ اللهُ به، ومَن يرائِي يرائِي اللهُ به». رواه مسلم، (من يُسَمع) هو مَن أعلَن عيوبَ النَّاسِ وفضَحَهم ولم يَستُر عليهم، (يُسَمِّع الله به)، أي: يفضَحُه اللهُ -عزَّ وجلَّ- ويكشفُ سِتْرَه في الدُّنيا ويومَ القيامَةِ أمامَ الخَلائِق، (ومَن يُرَائِي)، يعني مَن طلَب بعمَلِه الثناء والمدحِ، (يُرَائي اللهُ به)، أي أنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- يَجعَل ثَوابَ المرائِي وعَملَه للنَّاسِ ولا يُجازيه عليه.

جزاء التعامل مع الآخرين

     والجزاء من جنس العمل، كذلك في التعامل مع الآخرين، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «مَن تَتَبَّعَ عَوْرةَ أخِيِه المسلمِ، تَتَبَّع اللهُ عَوْرتَه». صحيح الترغيب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من امرئٍ يخذلُ امرأً مسلمًا في موطنٍ يُنتَقَصُ فيهِ مِنْ عرضِهِ، ويُنتهكُ فيهِ مِنْ حُرمَتِهِ، إلَّا خَذَلَهُ اللهُ -تعالى- في موطنٍ يُحبُّ فيهِ نُصرتَهُ، ومَا منْ أحدٍ ينصرُ مسلمًا في موطنٍ يُنتَقَصُ فيهِ منْ عرضِهِ، ويُنتَهكُ فيهِ منْ حُرمَتِهِ، إلَّا نصرَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحبُّ فيهِ نُصرَتَهُ».صحيح الجامع الصغير.

الجزاء في القصاص

     وكذلك الجزاء من جنس العمل في القصاص، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى}(البقرة: 178)، وقول الله -تعالى-: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}(المائدة: 45)، يقول الشيخ السعدي -رحمه الله-: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، والاقتصاص: أن يُفعل به كما فعل؛ فمن جرح غيره عمداً، اقتص من الجارح جرحاً مثل جرحه للمجروح، حداً، وموضعاً، وطولاً، وعرضاً وعمقاً، وليعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، انتهى كلامه.

أعلى صور الجزاء

     ومن أعلى صور الجزاء من جنس العمل، يكون يوم القيامة؛ فيجازي الله الطغاة الظالمين بالنار: {فَأَمَّا مَن طَغَى(37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات: 37-39)، أما من نهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وصار هواه تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير؛ فيجزيه الله الجنة المشتملة على كل خير، وسرور، ونعيم {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات: 40-41).

الخوف والأمن

 وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  يَروي عن ربِّه -جلَّ وعلا- قال: «وعزَّتي لا أجمَعُ على عبدي خوفَيْنِ وأمنَيْنِ إذا خافني في الدُّنيا أمَّنْتُه يومَ القيامةِ». صحيح ابن حبان؛ فالخوفان والأمنان هما خوف العبد وأمنه في الدنيا ويوم القيامة، فإذا خاف الله -تعالى- وعمل بطاعته أمنه مما يخاف يوم القيامة، وإذا أمن مكر الله -تعالى- في الدنيا وعمل بمعصيته فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، أخافه الله يوم القيامة.

قاعدة زاجرة

ولو وضعنا قاعدة الجزاء من جنس العمل، لزجرتنا عن كثير من شرور أنفسنا، وكان لها آثار في إصلاح الدنيا والآخرة، كما أنها مواساة للمظلوم، و المستضعف؛ حيث تؤزه على الصبر، والرضا، وتذكره بموعود الله، الذي يمهل و لا يهمل .

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك