رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 13 أبريل، 2017 0 تعليق

وسطية المنهج السلفي (2-2)

يجب أن نعلم بادئ ذي بدء أنه لم يكن في حيا ته -صلى الله عليه وآله وسلم- بين أصحابه فرقة واختلافات تذكر؛ لأنه بين أظهرهم والو حي ينزل عليه فلا مجال لفرقة ولا مرتع لبدعة، وإن الناس بعــده عاشوا في كنف الخلافة الراشدة المهدية لم يظهر بينهم خلاف في أصول الدين أو افتراق لسبب ذ لك. وأن منهج السلف وسط بين منهج أهل الغلو الذين يقدسون الصالحين لدرجة عبادتهم أو يتعصبون لهم في مذاهبهم وآرائهم لدرجة الإيمان بعصمتهم, قالوه بلسان مقالهم أو بلسان حالهم؛ فمن الناس من ظن أن الخير لا ينزل إلى الأرض إلا بواسطة رجل صالح, ولا يمكن أن يصل دعاء أو قربة إلى الله إلا بواسطة رجل صالح، ومنهم من ظن في شيخه أو إمامه أنه لا يخطئ أبدا فإذا بان خطؤه اشتغل بتأويله وتحويله إلى الصواب، ولحق بهم من وقف في الجانب المقابل وظن أنه لا يجوز الأخذ بأقوال الأئمة من أصحاب المذاهب، وزعم أن هذا الأخذ تقليد أعمى وذلك كله يرجع إلى الجهل وقلة التفقه في الدين.

٦- وسطية المنهج السلفي في أهم أبواب الدين

سوف ألخص الكلام في أربعة أبواب من أهم أبواب الدين التي تفرقت الأمة بسبب العدول عن منهح السلف فيها:

أولا: في الأسماء والصفات: فمنهجهم وسط بين أهل التعطيل من الجهمية وأذنابهم، وبين أهل التشبيه من المجسمة وأهل الاتحاد والحلول.

قال ابن عبد البر: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك» التمهيد ٧/145.

ومن قواعدهم في باب الصفات:

1- ألا يوصف الله -عز وجل- إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. (الفتاوى الحموية ص ١٦).

2- القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله تشبيه بصفات خلقه.

3- الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.

4- القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر.

5- الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة نفيا وثباتا.

ثانيا: في باب الأسماء والأحكام:

فمنهجهم وسط بين الخوارج في حكمهم على أهل الكبائر في الدنيا والآخرة، وبين المرجئة في ذلك، وخلاصة منهجهم:

- أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمإنه فاسق بكبيرته، هذا حكمه في الدنيا.

- إذا مات ولم يتب فهو داخل تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة، دون عذاب، وإن شاء أدخله النار وعذبه.

- أنه لا يخلد في النار أحد من أهل الإيمان والإسلام، قال ابن بطة: وقد أجمع العلماء أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمسلمين ونخاف على المسيئين. (الشرح والإبانة ص ٢٦٥).

- العدل والإنصاف في حق القريب والبعيد.

- التحري في الحكم على الرجال ولا يعتمدون على الظن والوهم.

ثالثا: في باب الصحابة:

فمنهجهم وسط بين أهل الغلو، وأهل الجفاء:

الصحابي: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، مؤمنا به ومات على الإسلام.

منزلة الصحابة: قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح:18).وكان عددهم 1400.

     وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:100)، وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الحديد:10)، وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح:29).

     قال الإمام مالك: «من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أصابته هذه الآية» (الحلية: ٦/٣٢٧)، و(تفسير البغوي 4/207)، وقال القرطبي: «لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته، فقد رد على الله رب العالمين, وأبطل شرائع المسلمين» الجامع ١٦/195.

وانحرف في هذا الباب طوائف من الناس فوقعوا في الغلو أو الجفاء أو فيهما معا ومن ذلك:

١- الخوارج الذين كفروا عليا وعثمان والحكمين ومن وافقهم وهذا هو منتهى الغلو.

٢- الفرق الباطنية الذين كفروا أكثر الصحابة.

رابعا وسطية منهجهم في الصالحين والاقتداء بهم:

فمنهجهم وسط بين منهج أهل الغلو الذين يقدسون الصالحين لدرجة عبادتهم أو يتعصبون لهم في مذاهبهم وآرائهم لدرجة الإيمان بعصمتهم، قالوه بلسان مقالهم أو بلسان حالهم.

ومن وسطية المنهج السلفي في الصالحين:

1- موالاة الصالحين ومحبتهم والثتاء عليهم والدعاء لهم.

قال الإمام الطحاوي: «ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة» (شرح العقيدة الطحاوية 2432/554).

2- إن المؤمنين الصالحين المتقين هم أولياء الله الذين قال فيهم: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس:٦٢- ٦٣).

قال الطحاوي: «والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن» (٤٠٢-٤٠٦).

3- يؤمنون بأن للأولياء كرامات يجريها الله على أيدي الصالحين منهم قال الطحاوي: «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم» (ص558).

4- يعتقد أهل السنة أن الأولياء الصالحين غير معصومين من الذنوب وأن العصمة لا تكون إلا للأنبياء.

5- من منهجهم أنهم لا يفضلون أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء بحال.

6- ومن منهجهم أنه لا يجوز الغلو في أحد منهم ولا رفعهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها.

7- طريقة النجاة من الإفراط والتفريط

     الطريق أنه إذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم  فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير، يقول الإمام أحمد: «وليس في السنة قياس ولا نضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى» (اللاكائي 1/156)، وقال السمعاني أبو المظفر (ت 489هـ): «فلابد من تعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل فيجب الرجوع إلى ذلك» (الانتصار لأهل الحديث ص 165).

وغاية ذلك الرجوع إلى أهل العلم والدين والسماع منهم شفاهة والجلوس بين أيديهم بما يلزم من الأدب والاحترام والإجلال والحذر كل الحذر من الإخلال بالأدب وقت الطلب.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك