وسطية المنهج السلفي (1-2)
يجب أن نعلم في البداية أنه لم يكن في حياته -صلى الله عليه وآله وسلم- بين أصحابه فرقة واختلافات تذكر؛ لأنه بين أظهرهم والو حي ينزل عليه فلا مجال لفرقة ولا مرتع لبدعة، وأن الناس بعــده عاشوا في كنف الخلافة الراشدة المهدية لم يظهر بينهم خلاف في أصول الدين أو افتراق لسبب ذلك. وأن منهج السلف وسط بين منهج أهل الغلو الذين يقدسون الصالحين لدرجة عبادتهم، أو يتعصبون لهم في مذاهبهم وآرائهم لدرجة الإيمان بعصمتهم, قالوه بلسان مقالهم أو بلسان حالهم؛ فمن الناس من ظن أن الخير لا ينزل إلى الأرض إلا بواسطة رجل صالح, ولا يمكن أن يصل دعاء أو قربة إلى الله إلا بواسطة رجل صالح، ومنهم من ظن في شيخه أو إمامه أنه لا يخطئ أبدا فإذا بان خطؤه اشتغل بتأويله وتحويله إلى الصواب، ولحق بهم من وقف في الجانب المقابل، وظن أنه لا يجوز الأخذ بأقوال الأئمة من أصحاب المذاهب، وزعم أن هذا الأخذ تقليد أعمى، وذلك كله يرجع إلى الجهل وقلة التفقه في الدين.
تعريف الوسطية:
قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}. ويتلخص للوسطية ثلاثة معان:
١- العدالة: أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وجعلناكم أمة وسطا} قال عدولا. (جامع البيان 143/3). وترتبت هذه الشهادة على كون الأمة وسطا أي عدولا؛ إذ العدالة شرط من شروط الشهادة.
٢- الخيرية: قال الحافظ ابن كثير عن هذه الآية: يقول تعالى: «إنا حولناكم إلى قبلة إبراهيم -عليه السلام- واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ها هنا الخيار». (تفسير القرآن العظيم ١/5٢٧).
٣- الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو، كغلو النصارى الذين غلوا بالترهيب وقيلهم في عيسى ما قالوا به، ولاهم أهل تقصير كتقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به. (الجامع 3/١٤٢). فكأن هذه الصفة أكسبتهم العدالة وبالتالي الخيرية.
ثالثا: بيان افتراق الأمة بين أهل الغلو وأهل الجفاء وهو الانحراف عن الوسطية، وأهم الفرق التي تفرقت هي:
الخوارج: أول فرقة ظهرت وفرقت جماعة المسلمين ومن آرائهم:
١- تكفير علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- والحكمين.
٢- القول بالخروج بالسيف على الإمام الجائر.
٣- تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار.
المرجئة: سموا بذلك لتأخير العمل عن الإيمان ولإعطاء أهل المعصية والضلال الرجاء المطلق.
ومن أهم آرائهم:
١- القول بتأخير الأعمال عن مسمى الإيمان.
٢- لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
القدرية (الجهمية):
ومن مقالاتهم:
١- نفي أسماء الله وصفاته.
٢- القول بخلق القرآن.
٣- القول بالجبر.
٤- القول بالإرجاء حيث قالوا: «إن الإيمان معرفة بالقلب».
٥- القول بفناء الجنة والنار.
المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء (ت ١٣١ هـ) حلقة الحسن البصري ت ١١٠ هـ بعد مخالفته في شأن مرتكب الكبيرة.
من آرائهم:
١- نفي الصفات الإلهية.
٢- القول بخلق القران.
٣- قولهم إن العبد خالق لأفعاله خيرها وشرها.
٤- قولهم إن صاحب الكبيرة في منزلة بين منزلتين وإنه لابد أن يخلد في النار.
٥- القول بالإيجاب على الله في باب الوعد والوعيد.
الأشاعرة: وهي أكثر طوائف المسلمين انتشارا اليوم، وتنسب إلى أبي الحسن الأشعري ت 324هـ الذي كان قد تخلى عن آرائه إلى منهح أهل السنة والجماعة ومن آرائهم:
١- نفي أو تأويل بعض الصفات الثابتة.
٢- القول بأن كلام الله كلام نفسي بلا حرف ولا صوت.
٣- قولهم: إن الإيمان مجرد تصديق والأعمال ليست داخلة فيه.
٤- قولهم بالكسب الذي يؤول إلى الجبر.
رابعا: بيان أسباب الافتراق:
وهي: ١- داخلية.
٢- خارجية.
الأ سباب الداخلية:
١- اتباع الهوى: فإنه أصل الزيغ ومفارقة الحق.
٢- الجهل: وهو من أعظم الأسباب المؤدية إلى الابتداع والتفرق.
٣- الغلو والإفراط وهو من الأسباب الخطيرة المؤثرة في تكوين الفرق واختلافها.
٤- التعصب للأشخاص وجعلهم مادة للولاء والبراء.
٥- فتح باب التأويل للنصوص الشرعية.
قال ابن القيم: «وبالجملة فافتراق أهل الكتاب وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل». إعلام الموقعين.
الأ سباب الخارجية:
١- احتكاك المسلمين بالأمم المجاورة والتأثر بثقافاتها الدنيئة.
٢- دخول كثير من أتباع الأديان الأخرى في الإسلام ممن لم يتخلصوا من أفكارهم ومعتقداتهم السابقة.
٣ - ترجمة كتب ا لفلسفة والمنطق وتشجيع دراستها.
٤- دخول بعض المفسدين من اليهود والمجوس في الإسلام بقصد الكيد له وتفريق جماعة المسلمين دون أسباب علمية، بل باستغلال أصحاب النيات الحسنة من الجهال والعوام كما فعل عبدالله بن سبأ اليهودي الذي كان أول من بث في الأمة مبادئ الغلو.
الأمر بلزوم الجماعة:
قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}(آل عمران: ١٠٣). وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام:159). وفي حديث حذيفة الطويل: «وتلزم جماعة المسلمين وإمامهم». رواه لبخاري ومسلم. وقوله: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية».
واختلف أهل العلم في المراد بالجماعة التي ورد الأمر بلزومها على أقوال أذكرها، لكن لا بد أن نقرر أن حديث الخط يدل على أن الصراط المستقيم طريق واحد وهو منهج أهل السنة والجماعة وهم السلف الصالح وما عدا هذا المنهج لا يعدو كونه من تلك الخطوط الملتوية خطوط الشيطان وعلى هذا يمكن التقليل من الخلاف؛ لأن كل معنى يؤدي إلى أن الجماعة المأمور بلزومها هي السائرة على الصراط المستقيم فهو معنى صحيح وما عدا ذلك فهو معنى باطل:
- إنها السواد الأعظم ويدل له رواية «كلها في النار إلا السواد الأعظم» ساقها اللالكائي بسند فيه كلام.
- إنها جماعة العلماء المجتهدين، وهو قول كثير من الأئمة منهم البخاري؛ حيث قال في صحيحه: (باب: وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وأمر النبي بلزوم الجماعة وهم أهل العلم. مع (فتح الباري المجلد ١٣ ص ٣١٦ ).
وقال الترمذي: (وتفصيل الجماعة عند أهل العلم هم: أهل الفقه والعلم والحديث) الجامع 4/467.
- إن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» رواه الترمذي وغيره وحسنه الألباني.
أما جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمر فمن نكث بيعته خرج من الجماعة، وهو اختيار الإمام الطبري، قال الإمام الشاطبي: وكأن هذا القول يرجح إلى الثاني أو إلى الأول وهو الأظهر (الاعتصام ٢٦٤/٢).
- إن المراد بالجماعة موافقة الحق ولزومه قال ابن مسعود: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. (اللالكائي 1/ ١٠٩).
قال أبو شامة: «وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا، والمخالف كثيرا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم» (الباعث على إنكار البدع والحوادث ص 19). وكل هذه المعاني متقاربة واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد. والقاعدة في ذلك: أن أهل المنهح السلفي ينظرون إلى الحق ويعرفونه ويتمسكون به وإن كان أكثر الناس على خلافه.
لاتوجد تعليقات