رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: حسام العيسوي إبراهيم 24 ديسمبر، 2012 0 تعليق

وسائل مهمة لمواجهة الإشاعات ومحاربتها (2-2)

 

حدَّد الله - عز وجل - وسائل مهمة لمواجَهة الإشاعات، وأهمُّها:

1- الحث على مُراقَبة الله في كل أمر من الأمور:

ويظهر هذا بوضوح في تعاليم الإسلام؛ حيث حثَّنا الله - عزَّ وجل - في أكثر مِن آية على مُراقَبة الإنسان لأفعاله التي تَصدُر منه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (المجادلة: 7)، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} (آل عمران: 5).

     وهذا ما وجَّهَنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: «فأَخبِرْني عن الإحسان»، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يَراك»، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّق الله حيثما كنتَ، وأَتبِع السيِّئة الحسَنة تَمحُها، وخالِق الناس بخلُقٍ حسن»(7)، وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «إنكم لتعمَلون أعمالاً هي أدقُّ في أعينِكم من الشَّعر، كنَّا نَعدُّها على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم  مِن المُوبِقات»؛ أي: المُهلِكات(8)، هكذا كانت أولى الوسائل، ألا وهي تقوية الجانب الرُّوحي بين الإنسان وخالِقه.

2- التثبُّت عند سماع أمر من الأمور:

     قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات: 6)، ومدلول الآية عامٌّ، وهو يتضمَّن مبدأ التمحيص والتثبُّت مِن خبر الفاسِق، فأما الصالح، فيؤخَذ بخبره؛ لأن هذا هو الأصل في الجَماعة المُؤمِنة، وخبر الفاسق استثناء، والأخْذ بخبر الصالح جزء مِن منهج التثبُّت؛ لأنه أحد مَصادِره، أما الشكُّ المُطلَق في جميع المَصادر وجميع الأخبار، فهو مُخالف لأصل الثِّقة المَفروض بين الجَماعة المؤمِنة، ومُعطِّل لسَير الحياة وتنظيمها في الجماعة، والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء، وهذا نموذج من الإطلاق والاستِثناء في مصادر الأخبار(9).

     وإذا كان هذا في الأمور الدُّنيويَّة، فإنه في أمور الدِّين أشدُّ، فقد تثبَّتَ الصحابة - رضوان الله عليهم - واشتدُّوا في أمر الرواية؛ صيانةً للدِّين، وحِفظًا للشريعة الغرَّاء، وكانوا يَطلُبون من الراوي أن يأتي لهم بشاهد على ما يَرويه، فعل ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - حينما أتتْه الجدَّة تَطلُب حقَّها في الميراث، فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما سمعتُ رسول الله قضى لك بشيء، ارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السُّدس، فقال أبوبكر: هل معكَ غيرُك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثَل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفَذه لها أبو بكر(10).

     وكذلك فعل عُمر- رضي الله عنه - مع أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - حينما استأذنَ على عُمرَ ثلاثًا، فلم يأذَنْ له فرجع، فأرسل عُمر في إثره، وسأله: لِمَ رجعْتَ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذَن له، فليَنصرِف»، فقال عمر: لتأتينِّي على هذا ببينة وإلا أوسعتك ضربًا، فذهب إلى ملأ مِن الصحابة، فذكَر ما قاله عمر، فقالوا: كلُّنا سمعه، فقام أبو سعيد الخدري فأخبر عُمر بذلك(11).

     ولم يكن ذلك الموقف من أبي بكر وعُمر، شَكًّا في صدْق الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - كلا وحاشا - وإنما أرادا أن يؤسِّسا المنهج الدقيق، وهو ضرورة التثبت في أمور الدين(12).

3- أهمية الكلمة وبيان خُطورتها:

     مِن الوسائل التي تُساعد في مُواجَهة الإشاعات أن يَعرِف الفرد أهمية الكلمة التي يَنطِق بها وخطورتها؛ قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور: 15)، وهي صورة فيها الخفَّة والاستهتار وقلَّة التحرُّج، وتناوُل أعظم الأمور وأَخطرها بلا مُبالاة ولا اهتِمام {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبُّر، ولا تروٍّ، ولا فحص، ولا إنعام نظر، حتى لكأنَّ القول لا يمرُّ على الآذان، ولا تتملَّؤه الرؤوس، ولا تتدبَّره القلوب! {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} بأفواهكم لا بوعْيِكم ولا بعَقلِكم ولا بقَلبِكم، إنما هي كلمات تَقذِف بها الأفواه، قبل أن تستقرَّ في المدارك، وقبل أن تتلقاها العقول، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا}، ولقد كان ينبغي أن تجفل القُلوب من مجرَّد سماعِه، وأن تتحرَّج مِن مجرَّد النُّطق به، وأن تُنكِر أن هذا يكون موضوعًا للحديث(13).

 

      وقد وجَّهَنا النبي صلى الله عليه وسلم 

إلى خُطورة الكلمة؛ وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله 

صلى الله عليه وسلم 

 

: «لا يُبلِّغُني أحد مِن أصحابي عن أحدٍ شيئًا؛ فإني أحبُّ أن أَخرُج إليكم وأنا سَليم الصدْر» (14)، وجاء في الصحيحَين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله 

صلى الله عليه وسلم 

 

قال: «إن العبد ليتكلَّم بالكلمة مِن رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يَهوي بها في نار جهنم»، وفي صحيح مسلم: «إن العبد ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن فيها، يزلُّ بها في النارأبعد ما بين المشرق والمغرب».

 

 

4 - الوعيد الشديد لمن يروِّج الإشاعات بين الناس:

     وهذا ما أخبرنا به - سبحانه وتعالى - في كتابه، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور: 19)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (الأحزاب: 58)، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} (البروج: 10)، فهذه الآيات عامَّة في كل أذًى يصيب المسلمَ أو فتنة مما يؤثِّر على أمنِه وسَعادته، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع»(15).

نعم الإشاعات كالنار في الهشيم تأكل الأخضر واليابس؛ فعلينا جميعًا أن نتصدَّى لها.

الهوامش

7 - رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

8 - رواه البخاري.

9 - في ظلال القرآن: (6/ 3341).

10 - رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدَّة.

11 - رواه البخاري ومسلم في باب الاستئذان.

12 - علوم الحديث؛ د. مروان شاهين.

13 - في ظلال القرآن: (4/ 2502).

14 - رواه أبو داود والترمذي.

15 - رواه مسلم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك