رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 30 نوفمبر، 2021 0 تعليق

وثيقة معتمدة من وزراء الأوقاف بدول مجلس التعاون الخليجي – تجديد مفهوم – الخطاب الديني

 

 

تستعرض مجلة الفرقان في هذا الملف الوثيقة المعتمدة من الوزراء المسؤولين عن الشؤون الإسلامية والأوقاف بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتاريخ 13 أكتوبر 2021م، التي تناولت موضوع (تجديد مفهوم الخطاب الديني)؛ وذلك لما يشكله من أهمية قصوى في تنقية الخطاب الديني مما ألصق به ما ليس منه، وللرد كذلك على كل من استغله في غير محله، وما ينبغي أن يكون عليه من التجديد المطلوب، ولتجلية الخطاب الديني الصحيح الهادف.

 

 

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، والصلاة والسلام علی سید الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، فإن وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في الدول الإسلامية عمومًا، وفي دول مجلس التعاون الخليجي خصوصًا تضطلع بأدوار محورية في الدعوة إلى الله -تعالى-، وتحصين الأمة الإسلامية من خطر الأفكار والعقائد الهدامة، وتقوم بجهود مضنية متواصلة في الذود عن حياض الدين الحنيف والدفاع عنه، وذلك استشعارا بالمسؤولية الكبيرة الملقاة عليها من ولاة الأمور -حفظهم الله تعالى-، وقياما بالواجب الذي يمليه علينا كوننا مواطني جزيرة العرب المباركة، وهي جزيرة الإسلام.

من أهم المبادرات

     وإن من أهم المبادرات التي ينبغي أن تقوم بها وزارات الأوقاف في دول مجلس التعاون الخليجي: موضوع (تجديد مفهوم الخطاب الديني)؛ وذلك لما يشكله من أهمية قصوى في تنقية الخطاب الديني مما ألصق به ما ليس منه، وفي الرد على كل من استغله في غير محله، وما ينبغي أن يكون عليه من التجديد المطلوب، ولتجلية الخطاب الديني الصحيح الهادف، وينبغي أن تستغل الوسائل المتاحة لتجلية هذا الموضوع، من الندوات والمؤتمرات، والمحاضرات والدروس، والورش، وطباعة الكتب، وخطب الجمعة، وغيرها من الوسائل المتاحة، وفيما يلي ذكر الإطار العام للمبادرة المذكورة.

أولاً: تعريف الخطاب الديني

أولا: تعريف (الخطاب) لغة واصطلاحا:

تعريف (الخطاب) لغة:

     يستخلص من كلام أئمة اللغة: أن (الخطاب) لغة: مراجعة الكلام، وأنه هو الكلام الذي يقصد به إفهام من هو أهل للفهم، وأن الكلام الذي لا يقصد به إفهام المستمع: لا يسمى خطابا. وبهذا المعنى ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ حيث وردت مشتقات (خطب) في القرآن الكريم تسع مرات، وورد لفظ (خطاب) ثلاث مرات، منها قوله -تعالى-: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (ص:20)، ويلاحظ في سياق ورود لفظ (الخطاب) في هذه الآية الكريمة: أنه مقرون بالحكمة، مما يعني أن (الخطاب) في المفهوم القرآني لا ينحصر على المفهوم اللغوي فقط، بل يرتقي به إلى مستوى أرفع شديد اللصوق بمعنى الحكمة، التي هي وضع الأمور في مواضعها، وتدبيرها على ما ينبغي لها، ويتلاقى المفهومان (اللغوي والقرآني) في التأكيد على الدلالة السامية للخطاب، على اعتبار أن (فصل الخطاب) لا يأتي على الوجه الأفضل، إلا إذا اقترن بالحكمة، وكان القصد منه تبيان وجه الحق على أكمل الوجوه و أتممها.

(تعريف كلمة الخطاب)

(الخطاب) على مستوى المفاهيم الحديثة مصطلح يتضمن المعاني اللغوية السابقة ويزيد عليها، وهو اصطلاح فلسفي يقارب في الدلالة (المقولة الفلسفية)؛ فالخطاب الفلسفي لفلان: هو منهاجه في التفكير والتصوير، وفي التعبير عن أفكاره وتصوراته، يقال: هذا الخطاب يتعارض أو يتوافق مع الخطاب الفلسفي لعلان.

     والخطاب -على هذا- هو مجمل ما يصلنا من أفكار أو تصورات بكل أشكال التعبير اللغوي، مسموعا أو مكتوبا، وبكل وسائل التوصيل التقليدية أو المستحدثة، سواء كنا نتلقاها جماعة أم فرادی، وهو بذلك ليس كما يتخيل بعضنا من اقتصار معنى (الخطاب) على مجرد الخطابة التي نتلقاها في المساجد في صورة خطبة، أو موعظة، أو درس، أو ما شابه ذلك.

تعريف الخطاب الديني اصطلاحا

     يقصد بالخطاب الديني أو الخطاب الإسلامي: الوسيلة التي يخاطب بها المسلمون العالم، والمنهاج الذي يصوغون من خلاله أفكارهم وآراءهم ومواقفهم التي يريدون إيصالها إلى القطاع الأوسع من الرأي العام العالمي، وذلك عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، من مقروءة ومرئية ومسموعة، وبناء على ذلك، فإننا نستطيع أن نقول: إن الخطاب الديني هو الإطار الأوسع للدعوة الإسلامية بالمفهوم العميق والشامل.

ويمكننا أن نعرف الخطاب الديني تعريفا أولا بأنه: الخطاب الذي يستند إلى مرجعية إسلامية؛ من أصول الدين: القرآن والسنة، والإجماع الثابت والقياس الصحيح، سواء أكان منتج الخطاب مؤسسة دعوية رسمية أو أهلية، أم أفرادا متفرقين، سعيا لنشر دين الله -تعالى- عقيدة وشريعة وأخلاقا و معاملات، وبذل الوسع في ذلك.

المقصود بالخطاب الإسلامي

فالمقصود بالخطاب الإسلامي: كل بيان ينشر لتبيين حقائق الإسلام وشرائعه وتاريخه وتراثه في شتى مجالات الحياة، عبر مختلف الوسائط والوسائل الإعلامية، وعلى رأسها المسجد، ولكنها لا تنحصر فيه.

ثلاثة أمور مهمة

     ومن المهم أن نعرف: أن الخطاب الديني يشتمل على ثلاثة أمور، وهي: المحتوى، والأسلوب، والوسائل، والجانب الأول - وهو المحتوى - يجب تلقيه كما هو، أما الجانبان الأخيران: فيدخلهما الاجتهاد؛ لأنهما يشملان الجهد الذي يبذله الدعاه إليه في الحديث عنه ونشره، ولكن يشترط فيه ألا تكون تلك الوسائل والأساليب مخالفة للشرع، مع الالتزام بشرطي العبادة: الإخلاص والمتابعة.

وبما أن المتبادر إلى الأذهان هو الجانب الأول: فقد زيدت في العنوان كلمه «مفهوم»، حتى لا يظن أن التجديد المأمول يشمل المحتوى أيضا.

ثانياً: أهمية الموضوع

إن من متطلبات الواقع الإسلامي المعاصر أن يجدد الخطاب الديني؛ فالواقع يفرض عليه صياغة جديدة تكون مرآة حقيقية تعكس التطورات والمستجدات والتغيرات الحادثة، وتساهم في تنمية الأفراد والمجتمعات، فلابد من التجديد في مفهوم الخطاب الديني؛ وذلك لأسباب كثيرة، منها:

مخاطبة الناس وتكوين آرائهم

1- أنه أمر ملح في مخاطبة الناس وتكوين آرائهم وأفكارهم؛ لأن الحياة دوامة من المتغيرات والمستجدات، وهي في حركة مستمرة، مما يقتضي أن تكون طبيعة الخطاب وآلياته مواكبة لذلك، بالقدر الذي يحقق مقاصد الخطاب الديني وغاياته المنشودة.

التجديد الديني له مقاصد عليا

2- التجديد الديني له مقاصد عليا، منها: ترسيخ الإيمان بالله -تعالى-، وتعميق اليقين به، وبالمسلمات الدينية، وتعزيز التوحيد في نفوس الناس، وبيان عظيم شأنه، وحماية الضروريات الكبرى، وحفظ الأمن والاستقرار في الأوطان، لحفظ الدماء، وصون الأنفس.

اتهام الخطاب الديني وتشويهه

3- الخطاب الديني يتهم في الآونة الأخيرة بأمرين، أحدهما: أنه يغذي العنف والتطرف، وأنه يميل إلى الغلو والتنطع. والثاني: أن فيه تفريطا وإهمالا، وهذا يوجب علينا تجلية خصائص الخطاب الإسلامي، ودفع الشبهات عنه؛ لصد الهجمة الجائرة على الإسلام، ومقاومة الحملات الإعلامية التي تعمل على تشويه حقائقه، وكل هذا سيكون بالتجديد الذي نرمي إليه.

النص الديني هو خطاب الشرع الأصلي

4- من المسلمات العقدية عند المسلمين: أن النص الديني -قرآنا وسنة - هو خطاب الشرع الأصلي، الذي يجب الرجوع إليه، ولا يقدم عليه غيره، وهو أصل الأحكام، وأنه لا يمكن أن يعارضه أو يناقضه أي نظر، لذلك تقرر في القاعدة: (لا اجتهاد مع النص)، ولذلك يكون اهتمامهم الأول والأساس بالنص وبيانه لفظا ومعنی، عبارة ودلالة، تفسيرا وتعليلا، لكن قامت بعض الدعوات ولا زالت تطالب بالتجديد في الخطاب الديني لتنقض ذلك الأصل وتقضي عليه، بدل أن تدعو إلى ترسيخ مكانته، وتمثلت هذه الدعوى في النظرية الموسومة بتاريخية النص الديني، وهذا يحتاج إلى وقفة جادة من المسؤولين في الدول الإسلامية.

مراجعة الخطاب الإسلامي

5- مراجعة الخطاب الإسلامي، وتنقيته من الشوائب التي ألحقت به، والانحرافات التي ألصقت به -بغض النظر عن الظروف الراهنة: عملية حيوية ضرورية، لتقويم مسيرته وتطوير أدائه؛ لأنه بمجموعه يشتمل على جهد بشري واجتهاد لا عصمة له، وإنما العصمة الكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه، ومن ثم فإن الخطاب الديني يحتاج إلى تجديد وتطوير في أساليبه، ولغته، لرفع مستوى فعاليته وتأثيره، ولتلبية حاجات المجتمع، والارتقاء به، وكذلك حاجات الحضارة المعاصرة، للمساهمة فيها، ولإنقاذها والحفاظ على منجزاتها، وليكون الخطاب على مستوى المرحلة الراهنة وتحدياتها الخطيرة.

شح الكتابات الرصينة

6- شح الكتابات الرصينة في هذا الموضوع المهم، مع كونه حديث الساعة، وهو موضوع تجديد الخطاب الديني، وندرة التأصيلات المبنية على المنهج الصحيح، وقلة الكتابات التي فيها تأصيل يرقى إلى أن يكون مصدرا لمن يبحث فيه، وتأطيرا عاما للموضوع على المنهج الصحيح.

التجديد الديني محمود ومطلوب شرعًا

7 - ولأن التجديد الديني محمود بل مطلوب شرعا، وقد أشار إليه النبي، بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، ونأمل أن تسهم جهود المسؤولين في وزارات الأوقاف في تجلية أبعاد مضمون الحديث من حيث العموم.

خلاصة التجديد المأمول

8- إن وزارات الشؤون الإسلامية والدينية والأوقاف وهيئاتها من المؤسسات المعنية بتجديد الخطاب الديني، وذلك لإشرافها على أهم وسائل الخطاب الديني، كخطبة الجمعة، وغيرها من وسائل الخطاب الديني. وخلاصة التجديد المأمول: أن كل ما هو من المسلمات الدينية فليس من التجديد في شيء، كما أن كل ما يخل بالضروريات والمصالح العليا فهو إلى التبديد أقرب منه إلى التجديد، وعلى رأس ما يخل بالضروريات والمصالح العليا: السعي في شرعنة الثورات، وإسقاط الأنظمة، والتحريض ضد الدول، ونشر الخطاب الطائفي، والفوضى الفكرية، وهدم الثوابت الدينية والوطنية؛ لأن لذلك مفاسد كبرى، وأضرارا عظمى، والواقع خير شاهد على ذلك.

ثالثاً: تحديات تجديد مفهوم الخطاب الديني

تحديات تجديد مفهوم الخطاب الديني كثيرة، من أهمها ما يلي:

1- إرهابيون بأثواب عصرية جديدة

     إن من أهم التحديات في هذا المجال: بروز نسخ فكرية إرهابية جديدة باسم التجديد الديني، وظهور إرهابيين جدد بأثواب عصرية حديثة، وبزوغ منظومات متطرفة تدعي الوسطية والاعتدال، فبينما كان المتطرفون التقليديون يرفعون شعار الجهاد؛ لإعلاء كلمة الله لشرعنة عملياتهم الإرهابية، يستنسخ غيرهم نفس النسخة بالشعارات نفسها، ولكن بثوب جديد؛ فمن زاعم:

- أن كلمة الله العليا هي الحريات، وعلى رأسها الحريات السياسية، وأن الجهاد في سبيل الله هو كل عمل يراد به تحصيل هذه الحريات، وصولا إلى المواجهة المسلحة مع الأنظمة، وهذا التفسير العصراني الجديد للجهاد لا يختلف عن التفسير الخارجي القديم إلا في نوعية المسوغات المطروحة، فالمسوغات متعددة، والإرهاب واحد.

- وبين زاعم أن كل من يرضى بالواقع الحالي، ولم يوافقهم على ثوراتهم ومواجهاتهم وإفسادهم فإنه من المنبطحين، الذين استسلموا للطواغيت... إلى غير ذلك من الشعارات التي قد تظهر بين الفينة والأخرى، بحسب ما تمليه الظروف على أولئك المتطرفين.

2 - الاستسلام المطلق للواقع وتحريف النصوص الشرعية وفقها

     ومن التحديات التي تواجه التجديد الديني أيضا: الاستسلام المطلق للواقع بإيجابياته وسلبياته، والغلو في ذلك؛ بحيث يصبح الواقع مصدرا لاستمداد الأحكام الشرعية، مهيمنا على الشرع والعقل، مقدما على المصلحة الحقيقية للأفراد والمجتمعات والأوطان، والأعجب أن يكون هذا الواقع لا صلة له بالمجتمعات الإسلامية من قريب أو بعيد، فإذا انتشرت في بعض مجتمعات الأرض ظاهرة العلاقات الجنسية بين غير المتزوجين، يُحوَّر النص الديني لإباحة ذلك، وإذا تطور الأمر لاحقا، وانتشرت هذه الظاهرة بين المتزوجين أنفسهم خارج إطار الزوجية، وأصبح مقبولا في تلك المجتمعات: يُحوَّر النص الديني مرة أخرى لإباحة هذه الجزئية تحت ستار تفسير معين، وإذا تراجعت هذه المجتمعات عن هذه العلاقات واستهجنتها: يعاد الحكم الديني إلى دائرة التحريم، وهكذا دواليك.

     ومن أسباب هذا الجنوح الفكري: عقد الشعور بالنقص، والنظرة الدونية للمجتمعات العربية والإسلامية، وتقديس غيرها؛ بحيث تصبح تلك المجتمعات مصدر الإلهام والتنوير، ويصبح أدعياء التجديد مجرد مسوقين لمنتجات المجتمعات الأخرى، دون تفكير علمي نقدي، ودون رؤية إبداعية تبحث عن التميز والريادة، ودون میزان سليم يزن الأمور بميزان الشرع، ويتعامل مع الأفكار والمظاهر الوافدة على ذلك الأساس.

وتجديد الخطاب الديني كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها، والمياه إلى مجاريها، وتحكیم الموازين الشرعية في كل شيء.

3- كثرة المطالبين بتحريف الخطاب الديني باسم التجديد

     إن من أبرز التحديات في سبيل تجديد الخطاب الديني: مطالبة الكثيرين به ليوائم التحولات المستمرة، ولا سيما الراهنة، فيطالبون بتجديده ليسايرها في الأصول والفروع، ومع الأسف أن كلمة (التجديد) قد ارتبطت بتاريخ أسود، ارتبطت بدعاة أرادوا هدم كل شيء، وطمس هويتنا التاريخية وذاتيتنا الإسلامية باسم (التجديد)، وكان حديثهم في معظمه مرتبطا بالغرب، والسعي إليه وتقليده.

     والمطالبون بتجديد الخطاب الديني بهذا النهج كثيرون، وكل مطالبهم لا يمكن تحقيقها إلا بتحريف النصوص، فكثير من الناس يريدون أن يحقق الإسلام رغباتهم، وأن يتسع لأهوائهم، وأن يخضع لموازينهم، وأن يكون فيه توفيقا بين ما يدعو إليه وبين ما يدعون إليه، ويجعلون أفكارهم بل وأنفسهم معيارا للحق، ويظنون أنهم يحسنون بذلك إلى الإسلام.

رابعاً: شروط تجديد مفهوم الخطاب الديني وضوابطه

حتى يكون تجديد الخطاب الديني صحيحا، وحتى لا يؤدي إلى إهداره بحجة التجديد: لابد من مراعاة الشروط والضوابط الآتية:

(1) ألا يؤدي إلى المساس بالثوابت والقطعيات والأصول الإسلامية

    ألا يؤدي -بدعوی مواكبة التطورات والمتطلبات والمعطيات العصرية - إلى المساس بالثوابت والقطعيات والأصول الإسلامية، أو التخلي عن أي مبدأ من مبادئ الإسلام، أو الأحكام الشرعية الثابتة، فلا بد أن يدور التجديد في فلك ثوابت مركزية، لا يحيد عنها، ولا يعود عليها بالتشكيك، ومن أبرز هذه الثوابت الأصيلة: أركان الإيمان والإسلام المتفق عليها بين المسلمين، فإن المساس بهذه الثوابت الكبرى يحول التجديد إلى تبديد، ويخلق فوضى عارمة لا منتهى لها، ويفتح باب التأويلات الباطنية التي يمكن فيها إلصاق أي معنى بأي نص من دون أي سند علمي، ومن ثم خلق صراعات فكرية مريرة غير مأمونة العواقب.

(2) أن ينصب التجديد على الخطاب الإسلامي وليس على الإسلام نفسه

يجب أن ينصب التجديد على الخطاب الإسلامي، وليس على الإسلام نفسه، فقد أتمه الله وأكمله وأجمله، وأنعم علينا بقوله -تعالى-: {لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3)، فالتجديد يكون في الخطاب، وليس في الإسلام نفسه.

3- تحديد من له الاجتهاد في التجديد

     وهذه مسألة مهمة جدا في هذا الموضوع، فاليوم يتجرأ على التجديد وينظر فيه أنصاف المتعلمين وأرباعهم، بل وأدنى من ذلك، فضلا عن غيرهم ممن لا علاقة له من قريب ولا من بعيد بالإسلام وعلومه وفنونه. فمهمة التجديد محصورة في أولي الأمر من أهل العلم، قال -عز وجل-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 83).

4- الارتباط الوثيق بالمصادر الأصيلة

     يجب الارتباط الوثيق بالمصادر الأصيلة التي هي منبع الشريعة وموردها العذب، وهي القرآن والسنة، على فهم سلف الأمة، من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين- وتابعيهم بإحسان، وكذلك الإجماع الثابت والقياس الصحيح، ليقدموا للناس الخطاب الديني الأمثل الجامع بين العلم والحكمة، المستنير بنور الشرع الحنيف، القائم على الاستنباطات الدينية الوسطية المعتدلة الموافقة لمقتضى الشرع واللغة وأصول الاستنباط الصحيح، وإذا احتجب الخطاب الديني عن مصابيح الشريعة ذهب نوره، وران عليه الظلام، ولم يلامس العقول والقلوب.

5- الاعتماد على النصوص الشرعية

من الضروري الاعتماد على النصوص الشرعية وفقه دلالتها بما يتوافق مع أصول الاستنباط وقواعد التشريع، كما رسمها علماء الشريعة.

(6) ألا يكون التجديد انعكاسًا لضغط الواقع

يجب ألا يكون تجديد الخطاب الديني انعكاسا للتأثر بضغط الواقع.

 

التوصيات المستفادة من مؤتمرات وزارة العدل بمملكة البحرين

ب- هذه بعض التوصيات المستفادة من المؤتمرات التي نظمتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية بمملكة البحرين في مجال تجديد الخطاب الديني، مع شيء من الإضافة والتعديل، مع إضافة المقترحات الواردة من الدول الأعضاء حول الورقة، يستفاد منها في تنفيذ هذا المشروع:

1- إن الإسلام واحد، وإن المسلمين جميعا - مهما اختلفوا في الآراء والاجتهادات الفقهية في الفروع بسبب اختلاف الزمان والمكان أو الحوادث والتفسيرات - متفقون على الأصول التي تحفظ عليهم دينهم وأموالهم وأعراضهم وتحرم عليهم دماءهم.

2- إن الخطاب الإسلامي عنوان هوية الأمة وأهم دعائم وجودها الإنساني والحضاري.

3- دعم وسائل الخطاب الإسلامي المساند للأمن الفكري والاجتماعي والوطني.

4- التركيز على الثقافة اللغوية والأدبية والتأثير الإيجابي لدى الخطيب والداعية، والإلمام بأحداث العصر ومستجداته؛ بما يشمل قوة المضمون وجمال الأسلوب.

5- التأكيد على ضرورة فتح أبواب الحوار البناء بين المسلمين وغيرهم؛ لتحقيق التعاون المطلوب لإرساء مبادئ السلام العالمي والتعايش وتحقيق الأمن والأمان للأفراد والمجتمعات.

6 - الدعوة إلى تجاوز آثار خلافات القرون الماضية ورواسبها، والتطلع إلى مستقبل مشرق تظلله معاني الألفة والتعاون المخلص؛ لإعادة مجد الأمة الإسلامية وحضارتها الزاهرة في المجالات كافة.

7- العمل على تطوير أسلوب الخطاب الإسلامي ومنهجيته؛ ليخدم مشروع الأمة الواحدة ومستقبلها الحضاري؛ بحيث يصبح خطابا وسطا يتصدى للهجمة التي يتعرض لها الإسلام من جهة، ويكون مواكبا لتطورات العصر من جهة أخرى.

8 - تأكيد ضرورة ترسيخ مفهوم الاحترام المتبادل بين علماء المذاهب المختلفة.

9- تأكيد أهمية الأسرة والمؤسسات التربوية في جميع مراحلها ووسائل الإعلام ومنابر الوعظ والإرشاد في العمل بوصفها منظومة متكاملة؛ لتحقيق وحدة الأمة، ونبذ أسباب الفرقة والخلاف.

10 - تأكيد أهمية ريادة العلماء والدعاة للساحة الفكرية الإسلامية؛ ريادة تتسم بالوسطية والاعتدال بعيدة عن التعصب والتقليد الأعمى، والعمل على صوغ منهج وسطي في إعداد الكتب والمؤلفات؛ بحيث تخلو من التشهير والتجريح، وكل ما يثير الفتن وما يدعو إلى الخلاف بين المسلمين.

11- اعتبار فقه الخلاف والأولويات في ظل العقيدة الإسلامية أساسا في حوارات المسلمين والعمل لوحدتهم، والدعوة إلى تأسيس منهج فقه الائتلاف والعمل على تطبيقه في المسارات كافة، والتأكيد على أهمية ائتلاف القلوب.

12- تأكيد أهمية الدور المحوري للمرأة المسلمة في بناء الحضارة الإسلامية والمشاركة الإيجابية، وتعزيز دورها وحضورها في معالجة القضايا المصيرية للأمة الإسلامية.

13- تأكيد تنزيه المنبر الدعوي عن التوظيف في الدعاية السياسية، والإسقاطات الشخصية والنزاعات الخلافية، وضرورة تجديد الخطاب الديني، وتحديث لغته، ودعم مسيرة الحوار الحضاري.

14 - تأسيس نهج تربوي لغرس مفهوم حب الوطن في نفوس الناشئة.

15- بیان العلاقة الوثيقة بين قواعد التنمية ومقاصد الشريعة الإسلامية.

16 - تكثيف الحملات الدعوية الهادفة إلى إحياء روح التنافس في خدمة تنمية المجتمع.

17- التأصيل لمفهوم التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة وركائزها من منظور شرعي وفق معطيات الواقع ومكوناته.

18 - إشاعة ثقافة التنمية الوطنية عبر الوسائط المتعددة لتنتقل من ثقافة النخبة إلى مستوى الجمهور.

19 - الدعوة إلى ترتيب أولويات الخطب المنبرية والاستفادة منها في التركيز على كلیات القضايا التي تمثل محور ارتكاز لوحدة الوطن وتعزيز الولاء له، وتخصيص جائزة أفضل خطيب وأفضل داعية وفق معايير توضع بهذا الخصوص.

20 - ينبغي أن يحرر مصطلح (التراث الإسلامي)، ويميز بين ما ينبغي التجديد فيه، مما لا يقبل التجديد.

21 - تأكيد أن تجديد الخطاب الديني ينبغي أن يراعى فيه الخطاب العالمي (الخطاب الخارجي)، فضلا عن الخطاب الداخلي، ولا بد من العناية بالتحديات المتطرفة الخارجية الواردة.

22 - ينبغي الاتفاق على معنی مصطلح الإرهاب قبل إلصاقه على أي كيان كان.

23 – تأكيد التحديات التي تواجه الخطاب الديني في المعتقدات والعبادات؛ كالإلحاد، والتعامل مع السنة النبوية، وغيرها.

24 - مراعاة التحديات الناتجة عن وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على المجتمعات.

25 - إعداد دراسات حول الموضوع للإجابة عن التساؤلات التالية:

ما الجوانب الإيجابية الموجودة في الخطاب الديني المعاصر، التي تحتاج إلى تعزيز؟ وما سمات الخطاب الديني المنشود؟

- ما الجوانب السلبية الموجودة في الخطاب الديني التي تحتاج إلى معالجة من خلال التجديد؟

- ما الجوانب الإيجابية المفقودة في الخطاب الديني، وتحتاج إلى إيجادها؟

- ما المشكلات التي أنتجها الخطاب الديني الحالي؟ وما حجم أثرها السلبي؟

 

 

 

 

محاور الوثيقة

 

- تجديد مفهوم الخطاب الديني... المعنى والمضمون.

- أهمية تجديد مفهوم الخطاب الديني... الأسباب والعوامل.

- تحديات تجديد مفهوم الخطاب الديني، وسبل معالجتها.

- شروط التجديد الديني وضوابطه.

- معالم تجديد مفهوم الخطاب الديني.

- توصيات لتجديد مفهوم الخطاب الديني.

 

 

 

 

معالم تجديد مفهوم الخطاب الديني

إن أهم معالم التجديد المأمول:

-  إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة.

-  أن تتركز جهود العلماء والمصلحين على مواكبة العصر بتعقيداته وشبهاته وملابساته.

-  استبعاد ما ألصقه به المتطرفون وغيرهم، من تسويق العنف والغلو والتطرف، لتقويض مبادئ الأمن في المجتمعات، ولتهديد السلم والسلام الذي ينشده الإسلام بتشريعاته وتوجيهاته.

-  بيان أن الخطاب الديني بريء مما استخدم لزعزعة أركان المسلمات الدينية، ومن تسويق العنف والغلو والتطرف لتقويض مبادئ الأمن في المجتمعات، ولتهدید السلم والسلام الذي ينشده الإسلام بتشريعاته وتوجيهاته.

-  أن يراعي الخطاب الديني المعاصر معاني: الرفق، والرحمة، والإحسان، والحلم والأناة، والصبر على الناس.

-  التأكيد على لزوم السمع والطاعة لأولياء الأمور، واجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واللحمة الوطنية.

-  مراعاة فقه الأولويات، وفقه المآلات، وفقه جلب المصالح و تكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. 8- أن يكون الخطاب الديني عالميا؛ لأن القصور في عالمية الخطاب الديني ينعكس أثره السلبي على الداخل الإسلامي.

 

 

 

 

توصيات لتجديد مفهوم الخطاب الديني

 

أ- هذه بعض التوصيات لإنجاح مشروع «تجدید مفهوم الخطاب الديني» بحسب الشروط والضوابط المذكورة، وهي:

1- عقد مؤتمرات إقليمية ودولية بمشاركة العلماء والمختصين لاستكمال مشروع تجديد مفهوم الخطاب الديني.

2 – تكوين لجنة من العلماء في كل دولة، لضبط موضوع المقاصد، حتى لا يغفل من جهة، وحتى لا يطغى على النصوص من جهة أخرى.

3 - تشكيل فريق عمل في كل دولة للمؤهلين لمثل هذه الموضوعات؛ لتحديد ما يقبل التجديد، مما لا يقبله.

4- اعتماد مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي مرجعا في قضايا تجديد الخطاب الديني.

 5- تكلیف مجموعة من العلماء في كل دولة بالنظر إلى أبرز الأصول والقواعد الباطلة التي استخدمها أهل الغلو والإفراط، وأهل الجفاء والتفريط، والعمل على مشروع الردود العلمية المؤصلة على الفريقين.

6 - العمل على إنشاء معهد لتدريب الأئمة والخطباء والدعاة وتأهيلهم تحت مظلة الوزارات والهيئات المختصة.

7- أهمية رصد الأخطاء والمخالفات في الخطاب الديني، وحصرها، وتصنيفها بحسب قوة أثرها السلبي في المجتمع؛ للنظر في إمكانية وضع عقوبات رادعة لمن يقع فيها.

8 - وضع مراحل وخطوات للوصول إلى تجديد مفهوم الخطاب الديني، مثل:

- مرحلة الرصد والتصنيف والتحليل.

- مرحلة التأصيل العلمي للمشروع.

- مرحلة الخطة التنفيذية، وتصنيف المهام، وتحديد المسؤوليات.

- مرحلة التغذية والمراجعة والتطوير والتحسين.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك