همس القلم.. سيقان ابن مسعود !
يعلّمنا الإسلام أن قيمة العمل لا تُقاس بضخامته ولا ببريقه الظاهر، وإنما تُوزن بميزانٍ أدقّ وأعدل: إنه ميزان النية والإخلاص؛ فالكلمة الطيبة، والنظرة الرحيمة، والإحسان في أبسط المواقف، كلها تتحول إلى عبادات جليلة إذا نوى بها المسلم مرضاة الله؛ وهكذا يصبح السلوك اليومي للمسلم ترجمةً صادقةً لعقيدته، ومِرآةً تعكس عمق إيمانه وحضوره مع الله في تفاصيل الحياة. وقد قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى الجامع بقوله: «إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فالمؤمن المحسن يعبد ربه في صلاته وصيامه، كما يعبده في رحمته بالخلق، وإتقانه لعمل، ورفقه بكل شيء حوله. وبهذه الروح الشاملة يغدو الإسلام دين حياة، لا ينفصل فيه السلوك عن العبادة، ولا الأخلاق عن العقيدة؛ فالسلوك الصالح ليس مظهرًا إضافياً في حياة المسلم؛ بل هو ثمرة الإيمان الصادق، ودليل صدقه وإخلاصه.
- ويرتبط هذا المعنى ارتباطًا وثيقًا بقاعدة عظيمة من القواعد الشرعية ألا وهي: (الأجر على قدر المشقة)؛ فكلما عظم الصبر، واشتد العناء، وخلص القصد، تضاعف الأجر وارتفعت المنزلة؛ غير إن الصبر الذي يُثمر الأجر الأعظم إنما هو الصبر الصادق في لحظته الأولى، عند مباغتة البلاء ووقع الصّدمة، ويؤكد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» وفي المقابل يكون الأجر كما في قول الله -تعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10).
- ومن أبلغ الشواهد على اقتران السلوك بالأجر قصَة المرأة التي رأت كلبًا يلهث من شدة العطش! فنزلت إلى بئر، فملأت خفّها ماءً وسقته، فشكر الله لها صنيعها وغفر لها وأدخلها الجنة؛ فلم يكن هذا الموقف عظيمًا في أعين الناس، لكنه كان عظيمًا عند الله؛ لأنه المطّلع على السرائر وأعمال القلوب، وهكذا يعلّمنا الإسلام أن العمل الصغير قد يسمو إلى أعلى الدرجات بصدق النيّة، وأن الرحمة هي أوسع أبواب الجنة.
- وبذلك يدرك المسلم أن سلوكه مع الإنسان والحيوان والبيئة كلّها داخلة في ميزان الأجر؛ فإماطة الأذى عن الطريق صدقة، والابتسامة إحسان، والنفقة على الأهل عبادة إذا احتُسبت لله، وكذلك اللقمة يضعها الرجل في فم امراته؛ بل إن عمارة الأرض وعدم الإفساد فيها من طاعة الله القائل -سبحانه-: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}.
- وهكذا يرسم الإسلام للمؤمن طريقًا متوازنًا، يجمع بين صفاء النيّة وجمال السلوك، وبين المشقة المحتسبة والأجر العظيم؛ فليكن كل فعلٍ يصدر عن المسلم خطوةً واعيةً إلى الله، ونفعًا للناس، وبذرة رحمة تُزرع في الأرض؛ فإن الله لا يضيع عمل عاملٍ، ولا ينسى دمعة مُتعبٍ، ولا يُهمل شربة ماءٍ تُسقى بها نفس عطشى، ولو كانت بيد بغيّ، ما دامت النيّة خالصة له وحده، وختامًا فإن ميزان الأعمال يوم القيامة ليس كموازين الدنيا؛ ولا أدلّ على ذلك من سيقان عبدالله بن مسعود الدقيقتين، فهما أثقل في ميزان القيامة من جبل أٌحُد!
لاتوجد تعليقات