همس القلم- رمضان.. مدرسة القلوب
تأتي مواسم الطاعات كنسيمٍ عذب يلامس القلوب المتعبة، ويفتح أمام المسلمين آفاقًا من النور والثواب؛ حيث يتجدد فيها الإيمان وتستنير العقول، وتشعر الروح بالطمأنينة والسكينة، وتعمر القلوب بهدي الله ورحمته، وما تلك المواسم إلا فرصة ثمينة لإعادة ترتيب الحياة، واليقين بأن الطريق إلى الله دائمًا مفتوح، وأن الرحمة الإلهية ترافق المسلم في كل مرحلة من مراحل حياته. وهكذا يأتي رمضان كل عام ليستذكر المسلم ذلك النداء الرباني في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183) ليوجه بوصلة المسلم نحو الغاية من خلقه، والهدف من عبادته، فيحرص على تحصيل التقوى.. وينتشله من تفاصيل الحياة المرهقة؛ ليصفو الذهن وتتخفف الروح من ضجيج الدنيا، وتستعيد صلتها بالربّ الرحيم الودود اللطيف الكريم؛ فمنه -سبحانه- الابتداء وإليه المصير. والتقوى -هنا- ليست خوفًا مجردًا، بل هي حال وعي دائم بحضور الله، وحافز للمسلم لاستشعار معيّة الله حتى يزن أفعاله بميزان الآخرة؛ ولذلك كان الصيام عبادة خفية بين العبد وربه؛ وجزاؤه عند الله وليس عند الملائكة الكتبة الحافظين.. كما جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به»، إشارة إلى خصوصية هذه العبادة التي تُربّي على الإخلاص في أنقى صوره. شهر رمضان تدريب على الطاعة؛ وتحرير للمسلم من تسلط شهوته؛ فالامتناع عن المباح ساعاتٍ طويلة يعيد ترتيب العلاقة بين الروح والجسد، ويعلّم القلب أن اللذة ليست غاية، بل وسيلة تُضبط بقيم أعلى؛ ومن هنا كان الصيام مدرسة الصبر، لينال به العبد المسلم أعظم الأجر والثواب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. ولا يكتمل جوهر الصيام إلا بصيام الجوارح؛ فالجوع الذي لا يورث رقة القلب يتحول إلى عادة فارغة؛ لذلك حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك بقوله: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، ليعيد توجيه الصائم نحو حقيقة العبادة؛ ففي رمضان يتعلم اللسان الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعين العفة، والقلب الصفح والرحمة، واليد الكرم وفعل الخير على أساس من المراقبة والإحسان. في رمضان يكون النهار فرصة لتلاوة القرآن ومراجعة الحفظ، ثم يأتي الليل ليكون عامرًا بالقيام، وفي الصلاة يقف الناس صفًا واحدًا، تتردد بينهم آيات القرآن الذي اختاره الله عنوانًا وميقاتًا زمنيًا لهذا الشهر الفضيل بقوله -سبحانه-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة: 185)، والقرآن في رمضان ليس تلاوة حروف، بل إعادة تشكيل للوعي؛ وفرصة للتدبر والتأمل. ومن أعمق أسرار رمضان أنه يربط العبادة بالتراحم والتعاون والتواصل الإيجابي مع ذوي الأرحام، والشعور بمعاناة الجائعين والفقراء والمساكين حول العالم؛ فالصائم حين يشعر بألم الجوع ينكسر فيه وهم الغفلة والاكتفاء، ويستيقظ على حسَ المشاركة وواجب العطاء؛ لذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود ما يكون في رمضان؛ لأن القرب من الله يثمر بالضرورة قربًا من الناس، كما إن العطاء في هذا الشهر ليس فضلًا زائدًا، بل امتدادًا طبيعيا لصفاء القلب وسموّ الروح.
لاتوجد تعليقات