رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ذياب أبو سارة 11 فبراير، 2026 0 تعليق

همس القلم – الإحسان.. بوصلة حياة!

يُعدّ مفهوم الإحسان في التراث الإسلامي قمّة سُلّم القيم الروحية والأخلاقية؛ حيث يُذكّر الإنسان بأن الحياة تحمل روحًا ومعنىً، وأن اختبار القيم لا يقتصر على المواقف الاستثنائية؛ بل يتمثّل في السلوك اليوميّ؛ فالإحسان ليس خلقًا إضافيًّا -يمكن الاستغناء عنه وإهماله- بل هو ذروة الإيمان، كما جاء في حديث جبريل -عليه السلام-: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وبهذا التعريف تتحول حياة المسلم إلى عبادة مُتَّصلة، خاضعة لمراقبة الله وليس لتقلبات البشر. ويُعمّق القرآن الكريم هذا المفهوم بأمره الشامل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} (النحل:90)، الذي يشمل العبادة والمعاملة، والفكر والعمل، والسرّ والعلن؛ كما يربط الإحسان بمحبة الله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)؛ ما يجعله دافعًا داخليًّا مستقلًّا عن ردود الفعل الاجتماعية على اختلافها. وفي العبادة، يتجلى الإحسان في حضور القلب وصدق التوجه، فتغدو الصلاة تهذيبًا للنفس، والصيام تزكية للسلوك، وسائر الطاعات تربية عملية على الانضباط والمراقبة، كما يتجلى في الإكثار من النوافل واستثمار مواسم الطاعة: «... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».. وأما في المعاملة، فالإحسان يرتقي بالسلوك الإنساني إلى مستوى المبادئ والقيم السامية؛ فالمسلم حين يُحسن ليس لأنه يجازى بالإحسان إحسانا فحسب؛ بل يحسن لأنه عبد لله، يستقيم مع الحق ولو قوبل بالجفاء، وقد أرشد القرآن إلى هذا المعنى العميق بقوله -تعالى-: {ادفع بالتي هي أحسن}، فجعل الإحسان أسلوبًا في مواجهة الإساءة، وليس مجرد مكافأة على المعروف؛ وبذلك تتحوّل الإساءة إلى فرصة إصلاح بموجب: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.. وفي ميدان العمل، يصبح الإحسان إتقانًا وأمانة؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، والإتقان هنا ليس بمعنى المهارة المهنية فحسب؛ بل تعبير عن وعي إيماني، يجعل العمل عبادة، والوظيفة رسالة، والمسؤولية أمانة. وحين يتحول الإحسان إلى معيار في الأداء، تنضبط المصالح، وتترسخ الثقة، ويقوم العمران على أساس أخلاقي وتنموي مستدام، كما قال -تعالى-: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}. وفي الأسرة يبدأ الإحسان باللين في القول، والعدل في المواقف، والصبر عند الخلاف؛ فالإحسان في البيت لا يعني المثالية في كل شيء؛ بل تغليب الرحمة على القسوة، والإصلاح على الانتقام مع استحضار النية، كما يمتد الإحسان في المجتمع إلى التعامل مع الناس كافة -على اختلاف طبائعهم ومواقفهم -؛ فيُحسن المسلم في تعامله ويرتقي بسلوكه؛ لأنه يحمل قيمًا، وليس - بالضرورة - لأنه يواجه أناسًا مستحقين. والإحسان بهذا الفهم الشامل: قرارٌ صائب وليس ردّ فعل، ولا موقفًا عاطفيا، بل هو منهج حياة، وحين يستقر ذلك في ضمير المسلم فإنه يتحول إلى قوة بناء، وتغدو القيم ميزانا يحكم السلوك، ليظل المسلم عنصر إصلاح ونماء حيثما وجد؛ فيُحسن لتأدبه بأدب القرآن والسنة، ويستقيم لأنه يوقن بمراقبة الله -تعالى- له، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}؛ فيرجو ما عنده من جزيل الأجر والثواب.    

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك