هل حقا يزعجهم التستر خلف النقاب أم النقـاب نفسـه؟!
بيْن الحين والآخر يخرج علينا مَن ينادي بمنع النقاب، ويسوق مسوغاتٍ مِن نوعية أنه ليس مِن الدين أو أنه مستورد مِن الخليج، أو أنه يعبِّر عن رؤيةٍ متشددةٍ، أو أنه يُشعِر غير المنتقِبة بالحرج وكأنها هي المقصِّرة! إلى آخر هذه القائمة الطويلة مِن الحجج، وكما تلاحظ، فإن هذه الحجج أو معظمها يمكن أن يُقال على الحجاب ذاته، وبالتالي فقد يستعمل بعضهم المنطق العجيب ذاته في ذم الحجاب، بل بلغت الجرأة على العدوان على الشريعة الإسلامية في بلد الأزهر أن يدعو كاتب صحفي إلى مليونية لمنع الحجاب، وهي مليونية ولدت مبتورة لم يخرج فيها حتى الداعي إليها!
وربما يكون هذا الكاتب -أو غيره- ممَن يتعجلون المواجهة مع الحجاب قد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء؛ لأن الأزهر بكل هيئاته يدرس الإجماع على أن كل ما عدا وجه المرأة وكفيها واجب الستر بلا نزاع، وبالتالي فمحاولة الاقتراب منه تحدٍّ سافرٍ للأزهر ولعامة الشعب الذي لا يقبل أن يحظر أو يمنع ما أوجبه الله، بل إن مَن ابتلاها الله بالتقصير في هذه الطاعة لا يمكن لها أن تفرح أو تدعو أو تطلب أن يمنع غيرها مِن الالتزام بشرع الله -عز وجل-.
وأما النقاب فما زال يشعر المهاجمون له أن أمامهم فسحة في مهاجمته بناءً على أن الشائع بيْن علماء الأزهر أنهم يقولون: «النقاب فضيلة لا فريضة»، وربما وجدوا أن بعض العلماء الآن يقولون بالإباحة أو حتى الكراهية، وهي أقوال تُفهم على غير وجهها؛ وإلا فالمذاهب الأربعة -وغيرهم- منهم مَن يقول: إن ستر الوجه والكفين واجب. ومنهم مَن يقول: بل هو مستحب. وكثير مِن القائلين بالاستحباب يرون الوجوب حالة خشية الفتنة.
نسمي الجميع نقابًا
وهذا الستر يكون بإدناء الجلباب ولو بالإسدال على الوجه أو بالنقاب -وهو المشدود على الوجه-، ونحن في عرفنا الدارج نسمي الجميع نقابًا، ولكن إن نقلنا عن الأئمة؛ فيجب أن نعرف اصطلاحهم جيدًا، فمَن نصَّ على كراهة النقاب مِن المالكية هم أنفسهم مَن يقول بأن ستر الوجه أصله الإباحة، ثم يرفعون درجته بحسب الأحوال حتى يرفعونه إلى درجة الوجوب كما جاء في (مختصر خليل) كراهة النقاب للمرأة في الصلاة، وعلَّق عليه العلامة «الدردير» بأنه مكروه فيها وفي خارجها، وجاء أيضًا فيه في باب الحج: (حرم بالإحرام على المرأة: لبس قفاز، وستر وجه؛ إلا لسترٍ بلا غرز وربط).
خوف الفتنة
وقال الدردير في الشرح الكبير في ثنايا شرح هذا الكلام: «(إلَّا لِسَتْرٍ): عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَلَا يَحْرُمُ، بَلْ يَجِبُ إنْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا»، وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: «حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى أَرَادَتْ السَّتْرَ عَنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ جَازَ لَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلِمَتْ، أَوْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا أَمْ لَا، نَعَمْ إذَا عَلِمَتْ، أَوْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا كَانَ سَتْرُهَا وَاجِبًا»، وقال أيضًا في الشرح الكبير في معرض بيان عورة المرأة: «وعورة الحرة مع رجل أجنبي منها أي ليس بمحرم لها، جميع البدن غير الوجه والكفين، وأما هما فليسا بعورة، وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة».
فأوجب عليها ستر الوجه والكفين في حالة خوف الفتنة، ولكن بغض النظر عن هذا كله؛ فإن هذه الأقوال لا تعطي لأحدٍ حق المناداة بإصدار تشريع لمنع النقاب؛ لأن «التبرج» المجمع على تحريمه يحظى بحمايةٍ قانونيةٍ وإعلامية كبيرة تحت شعار الحرية الشخصية، ولا يملك العلماء والدعاة إزاءه إلا النصيحة؛ هذا مِن الناحية النظرية، وإلا فمِن الناحية العملية فهناك تقصير واضح جدًّا -على الأقل- في إنكار منكرات التبرج، ونصيحة مَن تقع فيها -على الأقل- بطريقةٍ تتناسب معها كمًّا وكيفًا؛ لا سيما وأن بلاد المسلمين قد عرفت في السنوات الأخيرة نمطًا مِن الأزياء يندى لها جبين كل غيور!
الحرية الشخصية
وبالتالي: إذا كانت الحرية الشخصية سوف تجعل الجميع يقف في التصدي للأمور المحرمة عند حد النصيحة نظريًّا، والصمت شبه التام عمليًّا؛ فلا يتصور أن يتحرك بعضهم لإصدار قانون لمنع النقاب؛ بدعوى أنه ليس فريضة، حتى لو نزلوا به عنوة عن رتبة الفضيلة!
الرافضون للنقاب
وكذلك فإن الرافضين للنقاب الساعين لإصدار قانونٍ يمنعه يحيدون عن هذا إلى ادعاءات أنهم إنما يسعون لمنعه؛ لأن له اضرارًا تحتم التدخل التشريعي لحماية المجتمع مِن هذه الأضرار، وبالتالي يجوز حينئذٍ أن تقيد تلك الحرية الشخصية مِن أجل حماية المجتمع كله.
قضية لا تتعلق بالقوانين
وفي الواقع: أنا لا أدري كيف يمكن أن يواجِه نائب برلماني الشعبَ الذي مِن المفترض أنه يمثِّله حينما يتلاعب بأدوات نيابته عنه بهذه الصورة؟! أعني هؤلاء النواب الذين يصرِّحون برفضهم للنقاب مِن حيث كونه نقابًا، مما يعني أنهم بصدد إبداء رأي أو موقف في قضية لا تتعلق بالتشريعات والقوانين، وغاية ما يسمح فيها هو المناقشات الفكرية مهما بلغت درجة رفضهم للنقاب، ثم إذا بهم يتحايلون ويقدِّمون مشروع قانون لمنع النقاب، وكأن مشكلتهم ليست مع النقاب ولا مع المنتقبات، وإنما مع المتسترين والمتسترات خلف النقاب مِن أصحاب الجرائم الجنائية أو الإرهابية.
خطاب لكل عاقل
ومع هذا، فنحن مضطرون أن نتجارى معهم في هذا الباب ونناقشهم ونحاورهم؛ لنبيِّن لهم ثم لباقي زملائهم النواب الذين سيطلب منهم التصويت على هذه المقترحات إذا تقدم أصحابها بها فعليًّا، وهو خطاب لكل عاقل حريص على مصلحة البلاد واستقرارها، وعلى تجفيف منابع الإرهاب فيها؛ لأن دعاة التكفير والتفجير إنما يجندون الشباب ويجعلونهم نارًا تحرق أوطانهم استثمارًا لحالة الغضب والضيق التي تنتج عن مثل هذه التصرفات، فإذا ما دعاهم أصحاب الدعوات الإصلاحية بأن يتواصوا بالحق ويتواصوا معه بالصبر، كما أمر الله -تعالى-؛ ردَّ عليهم نفرٌ كثيرٌ مِن هؤلاء الشباب: إلى متى الصبر؟ وماذا فعلتم بصبركم؟!
بل ربما قالوا: بل أنتم جزء مِن هذه المفاسد؛ إذ تكتفون في إنكارها بالنصيحة والبيان، ويبقى الحليم حيرانًا بيْن هؤلاء وأولئك، وإلى الله المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
هل للنقاب أضرار؟
مناقشة الأضرار التي يدَّعى وجودها في النقاب:
بيَّنا في المقدمة: أن مسألة إصدار قانون يمنع النقاب لا يمكن تسويغها بأن جمهور الفقهاء يقولون بعدم وجوبه، بل ولا حتى على فرض وجود مَن يقول بأنه مباح أو حتى مكروه، وذلك بناءً على أن التبرج المجمع على تحريمه يُعامَل قانونًا على أنه داخل في حدود حرية الاختيار الشخصي، ولا يملك الدعاة حتى في المؤسسات الدينية الرسمية إلا تقديم النصيحة بشأنه، وبالتالي فحتى لو نزلوا بحكم ستر الوجه والكفين عن رتبة الاستحباب، وهي أقل ما وصف به حكمهما في المذاهب المعتبرة؛ فإن هذا لن يكون مسوغًا لإصدار قانون بمنعه، فلم يبقَ مِن ذريعة قانونية إلا ادعاء أن له اضرارًا، أو أنه متعارض مع حقوقٍ أخرى.
ملخص دعواهم
ويمكن تلخيص ما ادعوه في النقطتين الآتيتين:
- النقاب يخفي شخصية مَن يرتديه، ومِن حق المجتمع أن يعرف شخصية الأفراد الذين يسيرون في الطريق أو يوجدون في الأماكن العامة.
- تَخفي بعض المجرمين في زي النقاب في جرائم الإرهاب والسرقة والخطف، وتخفي بعض الرجال فيه لتسهيل لقائه مع فتاة أو سيدة يكون على علاقة محرمة بها.
الجواب على الشبهة الأولى
- الجواب على شبهة: أن النقاب يخفي شخصية مَن يرتديه، ومِن حق المجتمع أن يعرف شخصية الأفراد الذين يسيرون في الطريق أو يوجدون في الأماكن العامة:
أقل ما يقال على هذه الشبهة أنها تنشئ حقًّا متوهمًا، وهو حق معرفة أفراد المجتمع لمعلوماتٍ تفصيليةٍ عمَن يوجدون في الأماكن العامة، ثم يتم استعمال هذا الحق المتوهم في العدوان على الحق الثابت للمنتقبة، ولا يخفى على أي مدققٍ في هذه الشبهة أنها تخفي وراءها روحًا عدائية تجاه النقاب؛ للموقف السلبي الذي يتخذه مَن يردد تلك الشبهة تجاه النقاب.
ويتضح هذا بالأمور الآتية:
قوانين المرور
- تلزم قوانين المرور (وليس فقط تبيح) سائقي الدراجات النارية بلبس خوذة -حماية لهم مِن الحوادث-، ومع هذا لم نرَ مَن يشتكي مِن أنه لا يعلم أعيان سائقي هذه الدراجات، مع العلم بأن استعمال الدراجات النارية في الجرائم سواء الجنائي منها أم الإرهابي أكثر بكثيرٍ، ولكن هذا لم يدفع أحدًا إلى منع حق المواطن العادي في ركوب هذه الدراجة، بل وألزمه القانون حال ركوبها أن يخفي وجهه بتلك الخوذة.
معرفة الأعيان
- مجرد رؤية وجوه مَن حولك لا تجعلك تعرف أعيانهم، ولا تتضمن وجوههم أكثر مما تعرفه عندما تدخل منتقبة إلى جامعةٍ أو تصعد إلى قطار أو مترو، فتعرف فقط أن هاهنا إنسانًا أو انسانة، وأما التأكد مِن جنس مَن حولك؛ فأيضًا لا يمنحه لك مجرد رؤية وجوه مَن حولك إذا تصورنا أن الغرض مِن القانون هو تتبع مَن يتخفى خلف النقاب، وليس تتبع المنتقبات، فما زال أمام الرجل الذي يريد لأي غرضٍ جنائي أو غيره أن يبدو في صورة الأنثى اللجوء إلى الملابس والإكسسوارات والمكياج، فهل سيكون مصير هذه الاشياء المنع هي الأخرى هروبًا مِن احتمالية تخفي أحدٍ بواسطتها.
التثبُّت مِن الشخصية
- وأخيرًا: فإن محكمة القضاء الإداري «وأيدتها المحكمة الإدارية العليا، ثم دائرة توحيد المبادئ في المحكمة الإدارية العليا» قد قرروا جميعًا: أن حق التثبُّت مِن شخصية المواطن لا يكون إلا في الحالات التي حددها القانون، وأن هذه الحالات لا تبيح إصدار قرارٍ يمنع مِن النقاب، وانما يجب توفير موظفة تقوم بهذا الأمر أو حتى موظف، وبشرط أن يكون هذا تحت رقابة القضاء، ولكن لا يتعدى على حرية المنتقبة مِن أجل ذلك، وذلك في الطعن رقم: 3219 لسنة 48 القضائية عليه.
ومما جاء فيه: «فإنه يجوز متى اقتضت الضرورة والصالح العام التحقق مِن شخصية المرأة، نزولًا على مقتضيات الأمن العام أو لتلقي العلم والخدمات المختلفة، أو لأدائهما، أو لغير ذلك مِن الاعتبارات التي تتطلبها الحياة اليومية المعاصِرة، والتي تستوجب التحقق مِن شخصية المرأة متى طُلب منها ذلك مِن الجهات المختصة، وذلك لإحدى بنات جنسها أو لمختصٍ معينٍ مِن الرجال، وبالقدر اللازم لتحقيق ما تقدم تحت رقابة القضاء».
ليس بمحظورٍ شرعًا
ومما جاء في هذا الحكم أيضًا: «قام الحكم على أن إسدال المرأة النقاب أو الخمار على وجهها إن لم يكن واجبًا شرعيًّا في رأي، فإنه في رأي آخر ليس بمحظورٍ شرعًا، ولا يجرمه القانون كما لا ينكره العرف، ويظل النقاب طليقًا في غمار الحرية الشخصية، ومحررًا في كنف الحرية العقديَّة، ومِن ثَمَّ لا يجوز حظره بصفةٍ مطلقةٍ أو منعه بصورةٍ كليةٍ على المرأة، ولو في جهةٍ معينةٍ أو مكانٍ محددٍ؛ مما يحق لها ارتياده لما يمثِّله هذا الحظر المطلق أو المنع الكلي مِن مساسٍ بالحرية الشخصية في ارتداء الملابس، ومِن تقييد للحرية العقديَّة ولو إقبالًا على مذهبٍ ذي عزيمة أو إعراضًا عن آخر ذي رخصة، دون تنافرٍ مع قانون أو اصطدام بعرفٍ، بل تعريفًا وافيًا لصاحبته، ومظهرًا مغريًا بالحشمة، ورمزًا داعيا للخلق القويم، عامة فلا جناح على امرأة أخذت نفسها بمذهبٍ شدد بالنقاب ولم ترتكن إلى آخر خفف بالحجاب»، وما أجدر كل مَن يدعو إلى منع النقاب مِن تدبر تلك العبارة، على الأقل مِن كلام المحكمة.
شفقة ليست في محلها
لقد ظل الداعون الى خلع النقاب يخاطبون المرأة المنتقبة أنهم مشفقون عليها، يريدون اطلاعها على ما حجبه عنها المتطرفون -بزعمهم- مِن أن جمهور أهل العلم يرون استحباب ستر الوجه والكفين دون الوجوب، ولكن هذا لم يزد المنتقبات إلا إصرارًا؛ لما يشاهدنه بأنفسهن مِن مآلات الأمور، وأن النقاب ليس وحده المستهدف، وأن كثيرًا ممَن يستهدف النقاب إذا سنحت الفرصة استهدف الحجاب ذاته، ثم إنهن يعلمن أن كثيرًا ممَن يقول بالاستحباب بوصفه يقول بالوجوب في الفتنة.
التساؤل عند المنتقبات
ثم يبقى دائمًا التساؤل عند المنتقبات: لماذا تُجيش جهود هؤلاء المشفقين عليها لنزع نقابها؟! ولماذا لا يصرفون جزءًا مِن شفقتهم إلى الكاسيات العاريات؟! فينصحونهن ويدعونهن إلى التوبة؛ شفقة حقيقية عليهن، فإن أعظم شفقة أن يشفق الإنسان على نفسه، وعلى أهل بيته، وعلى جيرانه، وجميع الناس مِن أن يفعلوا ما يغضب الله، وما يستجلب عليهم عقابه.
يكشرون عن أنيابهم
فلما لم يجدِ خطاب الشفقة نفعًا: إذ بهؤلاء المشفقين يكشرون عن أنيابهم، ويسلقون المنتقبات بألسنةٍ حدادٍ، ثم لما لم يجدِ هذا؛ جاء الاحتماء في مشاريع القوانين التي تدعو إلى إرغام المنتقبة على خلعه بالطرد مِن الوظيفة، وبالمنع مِن دخول الجامعة، وإذا تحملت هذا كله فبتطبيق غرامة! هذه هي الشفقة! وهذه هي حقوق المرأة! وهذا هو التحضر! وهذا... ! وكل هذا لإرغام المنتقبة على أن تترك اختيارها، ولكن يُغلف بغلاف أن هذا ليس إلا لحق المجتمع في معرفة مَن يتواجد فيه، وبذريعة وجود مَن يتستر خلف النقاب، وهي الذرائع التي بيَّنا تهافتها.
لاتوجد تعليقات