هدايا العمال غلول
الرشوة حرام بلا خلاف، وهي من كبائر الذنوب، سواء أكانت للحاكم أم للقاضي أم للعامل أم لأي شخص يمارس عملا يجب عليه أداؤه
جرت عادة الناس على التهادي فيما بينهم، وصلة بعضهم بعضا بالهدايا والعطايا نشرا للمحبة، وقياما بحق الأخوة والصداقة، وللهدية أثر لا ينكر في استدامة الود، ونزع البغض من القلوب غالبا.
فالهدية هي المال الذي يعطى لشخص إكراما له، والإهداء مندوب، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية وإجماع الأمة.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها.أخرجه البخاري، ومعنى يثيب عليها: أي: يجازي المهدي بهدية.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: «كلوا» ولم يأكل وإن قيل: هدية. ضرب بيده صلى الله عليه وسلم فأكل معهم.متفق عليه
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإهداء فقال: «تهادوا تحابوا» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني.
ولا يشترط في الهدية النفاسة والغلاء، بل حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإهداء ولو بالقليل فقال عليه الصلاة والسلام: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة «أخرجه البخاري». والفرسن هو موضع الحافر.
وقد أمرنا بقبول الهدية فعن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين». أخرجه أحمد وصححه الألباني، وقد ذهب الجمهور إلى أن قبول الهدية مستحب وليس بواجب.
ويستثنى من هذه الأحكام الهدية التي يترتب عليها فساد ديني وضرر اجتماعي وخلل في نظام المجتمع، وهي الهدايا للموظفين الذين عينوا لأداء خدمات للمجتمع، فيقوم الناس بإهدائهم الأموال ليقوموا بواجباتهم، ويقبل أولئك الموظفون تلك الهدايا.
والأصل أن الإهداء للولاة والقضاة والموظفين العموميين محرم، ولا يجوز لهم قبول تلك الهدايا إذا كانت لوظائفهم.
فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» أخرجه الإمام أحمد وصححه الألباني
والعُمَّال: بضم العين وتشديد الميم جمع عامل، وهو من يتولى أمرا من أمور المسلمين سواء كان في الولايات العامة أو الخاصة.
والغلول هو الخيانة، قال ابن الأثير: «وقد تكرر ذِكْر الغلول في الحديث، وهو الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القِسْمة. يقال: غَلَّ في المَغْنم يَغُلُّ غُلولاً فهو غَالٌّ، وكل من خان في شيء خفية فقد غَلّ، وسميت غلولا؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة مَجْعُول فيها غُلّ، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه».
وعَنْ أَبِى حُمَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِي، فقَال النبي صلى الله عليه وسلم : «فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» - ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ –: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاَثًا» متفق عليه.
قال النووي: «وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام، وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة».
وقال ابن حجر مبينا وجه التحريم: «وأما حديث أبي حميد فلأنه صلى الله عليه وسلم عاب على ابن اللتبية قبوله الهدية التي أهديت إليه لكونه كان عاملا، وأفاد بقوله: «فهلا جلس في بيت أمه» أنه لو أهدي إليه في تلك الحالة لم تكره؛ لأنها كانت لغير ريبة، قال ابن بطال: فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية.
وعن عدي بن عميرة الكندي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة»أخرجه مسلم
وقد بوب البخاري في كتاب الهبة بابا بعنوان (من لم يقبل الهدية لِعِلّة)، قال ابن حجر: «أي بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه».
وذكر فيه عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية واليوم رشوة.
ويوضح الحافظ ابن حجر سبب هذا الأثر فقال: «اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال: لا حاجة لي فيه، فقيل: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ فقال «إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة».
والرشوة هي ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد، وأصلها من الرشاء وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء.
فالرشوة هي ما يبذله الإنسان من مال أو منفعة أو خدمة ويقدمه إلى غيره ليتوصل به إلى تحقيق مصلحة له، من إحقاق باطل أو إبطال حق أو نحو ذلك من المصالح التي لا تتحقق له بالطرق المشروعة.
الرشوة حرام بلا خلاف، وهي من كبائر الذنوب، سواء أكانت للحاكم أم للقاضي أم للعامل أم لأي شخص يمارس عملا يجب عليه أداؤه من غير أخذ مال من أحد، وحرمتها كما تكون على الآخذ تكون كذلك على المعطي وعلى الوسيط بينهما.
والأدلة على تحريم الرشوة كثيرة منها قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة: 188).
أي: لا تصانعوا الحكام بأموالكم، ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حق غيركم وأنتم تعلمون أن ذلك باطل؛ لأن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق.
وقال عمر: «رشوة الحاكم من السحت»، والسحت هو الحرام الذي لا يحل كسبه والرشوة من صوره.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم، وفي لفظ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش أخرجه الترمذي، ومعلوم أن اللعن لا يكون إلا في معصية عظيمة وكبيرة من كبائر الذنوب.
والراشي: هو من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: هو الآخذ، والرائش: هو الذي يسعى بينهما.
وقد اتفق الفقهاء على أن الرشوة حرام بلا خلاف، وعدوها من كبائر الذنوب والآثام أخذا وبذلا وتوسطا.
ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليخرص على اليهود النخل عرضوا عليه شيئا من المال ليخفف عنهم؛ فقال لهم: «فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنّا لا نأكلها».
فليحذر الموظفون والمراجعون من هذا العمل الشنيع، وهو الرشوة وإن سموها بغير اسمها؛ فزعموا أنها هدية بريئة، وخدمات جليلة، فما أفسد الذمم، وعطل المصالح، وقلب الحق باطلا والباطل حقا إلا تلك الهدايا المزعومة التي تفسد الدين والدنيا! وبالله التوفيق.
لاتوجد تعليقات