نظرة تحليلية لحادثة تغيير القبلة في صدر الإسلام – من العبر: الصد عن سبيل الله وابتلاء الله لعباده ومبادرة السلف لتنفيذ أوامر الله
قال الله -تعالى-: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها}.
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بداية الأمر يستقبل بيت المقدس، وكان في مكة يصلي جهة الركنين، وبهذا يجمع بين استقبال القبلتين، وعندما هاجر إلى المدينة لم يستطع أن يجمع بين القبلتين، وكان يحب أن يأذن الله له في أن يستقبل البيت الحرام، فأخذ يتوجه إلى ربه -عز وجل- بالدعاء، فاستجاب الله له، وحوله إلى البيت العتيق، وكان ذلك كما قال الحافظ: «كان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور».
وأول صلاة صلاها هي العصر كما قال الحافظ: «والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر».
وحول هذا الموضوع، كانت هناك أحداث، فاليهود وغيرهم، أخذوا يثيرون الشبهات، لصد الناس عن سبيل الله.
فاليهود عندما كان الرسول يستقبل قبلتهم كانوا يقولون: محمد يعيب ديننا ويستقبل قبلتنا، وعندما تحول عنها قالوا: لو كان نبيا ما خالف قبلة الأنبياء.
وأما المشركون من قريش، فكانوا يقولون: محمد يزعم أنه على ملة إبراهيم ويخالف قبلته، وعندما استقبلها قالوا: رجع إلى قبلتنا وسوف يرجع لدين آبائه.
وأما المنافقون فقالوا: إذا كان في استقباله بيت المقدس على حق فالذي انتقل إليه باطل، وكذلك العكس.
وكان لهذه الشبهات والأراجيف وقع على نفوس ضعيفي الإيمان؛ لذلك اهتم القرآن ببيان هذه القضية.
وأثناء قراءتي لهذه القضية، رأيت فوائد عظيمة أحببت أن أبينها لإخواني القراء وأسأل الله -تعالى- أن يجعلني وإياهم من المنتفعين بها، ومن هذه الفوائد:
وسأبين -إن شاء الله- هذه النقاط بشيء من التفصيل فأقول وبالله التوفيق.
أولا: من أساليب أعداء الله -تعالى- في الصد عن سبيله:
قال -تعالى-: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
يخبر -تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما سيقول السفهاء من يهود وكفار ومنافقين عندما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى البيت العتيق، وحكمة الإخبار بذلك قبل وقوعه تخفيف أثره على نفوس أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ تفقد مقالتهم الجائرة عنصر المفاجأة في نفوس أتباعه صلى الله عليه وسلم ، وحدث ما أخبر الله -تعالى- به قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «أما الكفار فقالوا لما حولت القبلة، رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا، فإنه علم أنا على الحق. وأما أهل النفاق فقالوا: إن كان أولا على الحق فالذي انتقل إليه باطل وكذلك العكس.
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء ولو كان نبيا لما خالف.
فلما كثرت أقاويل هؤلاء السفهاء، أنزلت هذه الآية من قوله: {ما ننسخ من آية} إلى قوله {فلا تخشوهم واخشوني}.
فمن الأساليب التي يسلكها أعداء الله، من الكفار واليهود والنصارى والمنافقين في الصد عن سبيل الله الأراجيف، وافتعال الأزمات وتهويل الأمور، وإثارة الشبهات، فعلى المسلم أن يثبت على طاعة الله ورسوله، ولا يعبأ بما يقوم به هؤلاء المبطلون، وعلى أهل العلم أن يقوموا برد هذه الشبهات، ولاسيما إذا كان لها وقع على ضعيفي الإيمان؛ لذلك أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد على هؤلاء {قل لله المشرق والمغرب} الآية قال القرطبي: أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، فله أن يأمر بالوجه إلى أي جهة شاء.
وليست الغاية التوجه جهة المشرق أو المغرب، ولكن الغاية تقواه، والإيمان به، وتحقيق العبودية له، فأينما يوجهنا نتجه ونطيع؛ لأننا عبيده وبهذا نفلح ونفوز بالدارين.
ثانياً: ابتلاء الله -تعالى- لعباده:
من سنن الله -تعالى- في عباده أن يبتليهم بالخير والشر والأمر والنهي، وذلك لحكمة عظيمة، وقد يُطلع الله عباده على الحكمة من بعض أوامره، وقد يخفيها عنهم لحكمة هو يعلمها؛ فما الذي يستفاد من حادث تغيير القبلة ذلك؟ قال -تعالى-: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}.
الله -عز وجل- يذكر لنا في هذه الآية الحكمة في تحويل القبلة، وهي الابتلاء لعباده حتى يظهر الصادق في طاعته لربه ولرسوله، الذي لا تؤثر فيه شبهات الكفار من يهود ونصارى، فيتوجه حيث يوجهه ربه، ويظهر الكاذب المدعي للإسلام، الذي يعبد الله على حرف، الذي سرعان ما تؤثر فيه ضلالات أعداء الله وشبهاتهم من يهود ومنافقين وكفار، فينهار معهم في أسفل سافلين! نسأل الله السلامة.
ثالثاً: مبادرة السلف ومسارعتهم في تنفيذ أوامر الله -تعالى-:
مما يستفاد من دراسة تحويل قبلة المسلمين إلى البيت الحرام سرعة استجابة سلف الأمة لأمر الله -تعالى-، وهذا الذي سبقونا فيه، قال البراء- رضي الله عنه -: وإنه صلى أو صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم - قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت».
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «بينا الناس في الصبح بقباء إذ جاءهم رجل فقال: أنزل الليلة قرآن، فأمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. واستداروا كهيئتهم فتوجهوا إلى الكعبة، وكان وجه الناس إلى الشام».
لذلك إذا أردنا أن نوفق إلى ما وفق إليه سلف الأمة، من نصر على الأعداء وتمكين في الأرض، علينا أن نستجيب لأمر الله، وأن نجاهد أنفسنا في تطبيق أوامر الله ورسوله، قال -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.
من العبر والعظات في حادثة تغيير القبلة
2- ابتلاء الله -تعالى- لعباده.
3- مبادرة السلف ومسارعتهم في تنفيذ أوامر الله تعالى.
4- بيان بعض أحكام القبلة.
5- إكرام القبلة وإجلالها.
6- منزلة قبلة المسلمين الأولى.
7- الصلاة من الإيمان.
8- جواز النسخ في دين الله -تعالى.
9- خبر الواحد حجة في ثبوت الأحكام.
10- حكم تكليم المصلي أثناء الصلاة.
11- مخالفة الكفارة وحرمة التشبه بهم.
12- الناسخ لا يكون خطابا في حق من لم يبلغه.
13- نشر العلم في الناس.
14- المراد بهذا الأسلوب القرآن الكريم.
لاتوجد تعليقات