نظرة تحليلية لحادثة تغيير القبلة في صدر الإسلام (2) القبلة من شعائر الله وهي رمز لوحدة المسلمين
استكمالا لما بدأنا الحديث عنه من العبر والعظات في حادثة تغيير القبلة في صدر الإسلام نقول: إن الله -تبارك وتعالى- قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في محكم آياته: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها}. ولما رأى -سبحانه- حب نبيه -صلى الله عليه وسلم- ورغبته في استقبال البيت الحرام استجاب الله له، وحوله إلى البيت العتيق، واليوم نتكلم عن أحكام القبلة فنقول: قال -تعالى-: {فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}، هذه الآية من أدلة وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وشهد من السنة لهذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبِّر...» وهذا مما أجمعت عليه الأمة، والمشاهد للكعبة يجب عليه أن يستقبل عينها، وغير المشاهد لها عليه أن يستقبل جهتها؛ لأن هذا هو المقدور عليه، ولا يسقط استقبالها عن المكلف إلا في حالات منها:
الخوف
فعن نافع عن ابن عمر «أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا أو قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -».
فقوله: «مستقبلي القبلة وغير مستقبلها» دليل على سقوط وجوبها في حالة الخوف وبهذا قال الجمهور.
صلاة التطوع
فعن جابر قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة، فجئته وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع، قال أبو عيسى: والعمل عليه عند عامة أهل العلم، ولا نعلم بينهم اختلافا؛ فهم لا يرون بأسا أن يصلي الرجل على راحلته تطوعا حيثما كان وجهه إلى القبلة وغيرها.
العجز عن معرفتها
فعن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل {فأينما تولوا ثم وجه الله}.
قال الترمذي: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعد ما صلى أنه لغير القبلة، فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحق.
المريض
وكذلك المريض إذا لم يستطع استقبالها تسقط عنه، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
أثناء الصلاة
من أخبر أثناء الصلاة بأنه يصلي لغير القبلة، عليه أن ينحرف تجاهها إذا وثق بالمخبر، ولا يعيد الركعات التي صلاها لغير القبلة.
إكرام القبلة
المسلم ملزم بإكرام القبلة وإجلالها؛ لأنها من شعائر الله كما هي رمز وحدة المسلمين، وقد وردت أحاديث تشهد لهذا المعنى منها. قال البخاري في صحيحه: باب فضل استقبال القبلة. ثم ساق الحديث الآتي:
«عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله. فلا تخفروا الله في ذمته». قال الحافظ: وفي الحديث تعظيم شأن القبلة. فجعلها من شعائر الدين الدالة على إسلام العبد؛ بحيث من استقبلها له ذمة وحرمة.
- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها».
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله -عز وجل-». ومما يؤخذ من هذين الحديثين وغيرهما، أنه لا يجوز استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وهذا قول أبي أيوب - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وأبي ثور وأحمد في رواية عنه وعطاء والأوزاعي وأبي حنيفة وابن العربي وابن حزم. والحكمة في النهي: إكرام قبلة الله بألا يؤمها بالخارج منه استقبالا واستد بارا ولا يواجهها بكشف عورته.
- عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيام وتفلته بين عينيه».
- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه».
في الحديثين السابقين دلالة على تحريم البصاق تجاه القبلة مطلقا، في الصلاة وفي غير الصلاة، وهذا الذي جزم به النووي -رحمة الله- قال الصنعاني: وقد جزم النووي بالمنع في كل حال داخل الصلاة وخارجها وفي المسجد أو غيره.
كذلك قال الحافظ: وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أم لا ولاسيما من المصلي؛ فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أم للتحريم.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني معلقا على هذين الحديثين: والأحاديث الواردة في النهي عن البصق في الصلاة تجاه القبلة كثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرها، وإنما آثرت هذا دون غيره، لعزته وقلة من أحاط علمه به؛ ولأن فيه أدبا رفيعا مع الكعبة المشرفة، طالما غفل عنه كثير من الخاصة، فضلا عن العامة، فكم رأيت من أئمة المساجد من يبصق إلى القبلة من نافذة المسجد!
وفي الحديث أيضا فائدة مهمة، وهي الإشارة إلى أن النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط إنما هو مطلق يشمل الصحراء والبنيان؛ لأنه إذا أفاد الحديث أن البصق تجاه القبلة لا يجوز مطلقا، فالبول والغائط مستقبلا لها لا يجوز بالأولى، فمن العجائب إطلاق النووي النهي في البصق، وتخصيصه في البول والغائط.
الصلاة من الإيمان
قوله -تعالى-: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} بين ابن عباس -رضي الله عنهما- سبب نزول هذه الآية فقال: لما وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله -تعالى-: {وما كان ليضيع إيمانكم}.
فالمقصود بـ{إيمانكم} في الآية صلاتكم قال القرطبي: فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل؛ فالآية فيها دليل على أن الصلاة من الإيمان، وهذا مذهب الأئمة، مالك وأحمد والشافعي، فهؤلاء عندهم أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان وفي هذا رد على المرجئة والجهمية والأشاعرة الذين يرون أن الإيمان مجرد تصديق فقط، قال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال الحافظ أثناء شرحة للحديث الذي يرويه البراء - رضي الله عنه - الذي يبين سبب نزول هذه الآية وهو قريب من معنى رواية ابن عباس السابقة، قال -رحمه الله-: «في هذا الحديث من الفوائد: الرد على المرجئة في إنكار تسمية أعمال الدين إيمانا».
جواز النسخ في الإسلام
مما يستفاد كذلك من قوله -تعالى-: {سيقول السفهاء...} أن في أحكام الله -عز وجل- وفي كتابه الكريم ناسخا ومنسوخا، وهذا مما أجمعت عليه أمة الإسلام.
والقبلة الأولى أول ما نسخ من القرآن، كما ذكر القرطبي في تفسيره، كما فيه جواز نسخ السنة بالكتاب؛ حيث إن حكم استقبال بيت المقدس في بداية الأمر كان ثابتا في السنة وليس بالكتاب كما هو معلوم ثم نسخ بالآية السابقة.
خبر الواحد حجة في ثبوت الأحكام
مما يستفاد من حديث البراء - رضي الله عنه - في قوله: «فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت»، ومن حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن خبر الواحد حجة في ثبوت الأحكام فالذي أخبر أهل قباء بتحويل القبلة واحد، واستجابوا له ولم يرفضوا قوله بحجة أنه واحد، ويقينا أن خبرهم وصل إليه - صلى الله عليه وسلم -، وأقرهم على ذلك.
قال القرطبي: «وفيها دليل على قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في توجيهه ولاته ورسله آحادا للآفاق؛ ليعلموا الناس دينهم, ويبلغوهم سنة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي.
منزلة القبلة الأولى للمسلمين
كما أنها من البقاع التي يشرع لها شد الرحال للزيارة: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وهي مسرى رسول الله -[- قال -تعالى-: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}. وهي البقعة التي صلى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إماما بالمرسلين؛ فعلى المسلمين حكاما ومحكومين أن يبذلوا وسعهم لاستعادة هذه البقعة من أيدي الصهاينة المعتدين.
لاتوجد تعليقات