ندوة عامة أقامتها إدارة الكلمة الطيبة بجمعية إحياء التراث الإسلامي – بركة الاقتصاد الإسلامي على الفرد والمجتمع
نظمت إدارة الكلمة الطيبة (المراقبة الثقافية) بجمعية إحياء التراث الإسلامي ندوة عامة بعنوان: (بركة الاقتصاد الإسلامي على الفرد والمجتمع) حاضر فيها كل من الشيخ د. فهد المنير، والشيخ رائد الحزيمي .
في بداية الندوة تحدث د.فهد المنير: فأوضح كمال الشريعة الإسلامية لاحتوائها على الجوانب الحياتية كافة ومنها القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وأن الاقتصاد الإسلامي تميز بالأخلاق والقيم العالية، كما بيّن فيها البيوع المنهي عنها في الشريعة الإسلامية؛ حيث قال: إن شريعتنا الإسلامية نظمت حياة الناس في المجالات كلها إلى جانب العقيدة والأخلاق والأحكام العملية من عبادات ومعاملات وأحكام أسر وعقوبات، وأحكام للتقاضي؛ فلم تدع مجالاً إلا واعتنت به أيما عناية؛ فصارت سمتها الشمول والكمال إلى جانب العقيدة والتوحيد .
الأخلاق والسلوك
وفي جانب الأخلاق والسلوك حثت شريعتنا الغراء على مكارم الأخلاق وافضلها، ونهت عن سيئها في نصوص كثيرة، وبينت الأحكام العملية بياناً واضحاً جلياً، ورتب العلماء هذه الأحكام ترتيباً جميلاً، وقسموها تقسيماً بديعًا، وهو ما يسمى بـ (علم الفقه)، وبدؤوا بأهم العبادات بعد التوحيد الذي جعل علماً مستقلاً؛ حيث بدؤوا بالصلاة ومفتاحها الطهارة، فبدؤوها بكتاب الطهارة ، ثم الصلاة ، ثم الجنائز، ثم الزكاة ، ثم الصيام ، ثم الجهاد، ثم الحج، وبعد قسم العبادات ذكروا قسم المعاملات؛ لأن الإنسان يحتاجها كثيراً، فما من يوم يمر إلا وهو يبيع ويشتري ويتعامل بمعاملات متنوعة، ثم بعد ذلك (أحكام الأسرة) من زواج وطلاق وميراث وما يتعلق بذلك.
القصاص والحدود
ثم القسم الرابع (الجنايات) وهو القصاص والحدود، وكأن الفقهاء -رحمهم الله تعالى- نظروا إلى الإنسان في حياته العملية؛ فوجدوا أن أهم أمر فيها العبادة، ثم الحاجة للمأكل، والمشرب، والملبس، والمسكن؛ فجعلوا بعد العبادات قسم (المعاملات)، ثم بعد أن قام الإنسان بحق الله -تعالى- وعبادته وما يحتاج إليه من أمور الكسب والمعاش احتاج إلى أن يتزوج؛ فجعلوا بعد ذلك قسم (الأنكحة) وما يتعلق به من أحكام الأسرة، ثم إمكانية أن يحدث بعد ذلك تجاوز واعتداء وظلم على نفسه بالمعاصي أو على غيره؛ فجعلوا القسم الرابع من أقسام الفقه من الأحكام العملية (الجنايات) ، أي القصاص والحدود، فما من خير إلا ودلنا عليه رسول الله[، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على محجة بيضاء، وهكذا شريعتنا الغراء شاملة لكل جوانب الحياة، وصالحة لكل زمان ومكان، ومحققة لمصالح الدنيا والآخرة، ومما بينته شريعتنا الغراء، ووضعت له قواعد وأحكاماً ما يتعلق باحتياج الناس لكسب المال، وتوفير الاحتياجات الحياتية الخاصة بهم، وهو ما يعرف بـ (علم الاقتصاد الإسلامي).
معنى الاقتصاد
ثم بين الشيخ المحاضر معنى (الاقتصاد) في اللغة؛ فهو مأخوذ من القصد، وهو استقامة الطريق والعدل، والقصد في الشيء خلاف الإفراط، وهو ما بين الإسراف والتقتير، وأما في الاصطلاح فهو الأحكام والقواعد الشرعية التي تنظم كسب المال وإنفاقه وأوجه تنميته؛ فهذا العلم يضم كل ما يتعلق بالمال من أحكام شرعية وقواعد وأدلة، وهذه الأصول والمبادىء مستنبطة من الكتاب والسنة والأحكام الفقهية التي تقررها الشريعة الإسلامية.
الحث على طلب الرزق
وأوضح الشيخ المحاضر أن الكثير من آيات القرآن الكريم توضح الحث على طلب الرزق، وعلى إتقان العمل وأدائه على الوجه الصحيح، كما أوضحت شريعتنا الغراء مدى ارتباط التنمية الاقتصادية بطاعة الله -عز وجل- وتقواه والخوف منه -سبحانه- في سائر الأحوال؛ ومما حثنا عليه ديننا الإسلامي حسن النية في التملك وطلب الرزق بأن تكون نيته مرتبطة بالرازق -سبحانه وتعالى- والتوكل عليه والرغبة في ثوابه، ومن حسن النية في طلب الرزق أن يسعى بأن تكون معاملاته سليمة غير ممنوعة ولا محرمة، كذلك الشكر لصاحب النعمة وهو الله -سبحانه وتعالى- الذي قال في كتابه العزيز: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم}.
إخراج الزكاة
وفي نهاية محاضرته أوضح الشيخ: د. محمد المنير أن مما وجه إليه ديننا الإسلامي أيضاً إخراج الزكاة والنفقات الواجبة؛ ففي إخراج الزكاة نماء للمال وحماية له، كذلك حرمة الاعتداء على الأموال، وأداء الأمانة، وكتابة الدَّيْن وتوثيق العقود والمعاملات والاعتدال في الإنفاق والحجر على السفيه، كذلك النهي عن بعض المعاملات والبيوع حماية للمجتمع من الضرر مثل: الربا وبيع الغرر والرشوة، الذي دلت الكثير من نصوص الكتاب والسنة على حرمتها وعلى ضررها على الفرد والمجتمع.
أثر الاقتصاد الإسلامي
بعد ذلك تحدث الشيخ، رائد محمد الحزيمي حول أثر الاقتصاد الإسلامي في التكافل الاجتماعي وأثره على الدعوة الإسلامية، فضلا عن طرح الاقتصاد الإسلامي بوصفه حلاً لإنقاذ العالم من الأزمات العالمية، وبركته على الفرد والمجتمع.
فأوضح في بداية حديثه بأن المال هو لله مالك الملك -سبحانه وتعالى- يتصرف في ملكه كيف يشاء، والله -سبحانه- مبتلينا كيف نعمل بهذا المال، وأن تشريع الله -تعالى- قائم على العدل، ولا ظلم في شرعه -عز وجل-؛ فعلى المسلم أن يرضى بما شرعه الله -تعالى-، وأن يحذر من مخالفة أمره -عز وجل-، كما أن المعاملات في ديننا الإسلامي الأصل فيها الحل والإباحة إلا ما حرم الله -سبحانه.
نظامان متناقضان
وأضاف الحزيمي أن العالم عاش نظامين متناقضين: الرأسمالي والاشتراكي، وذاق العالم الويلات والمصائب منها؛ فالنظام الرأسمالي قام على الاحتكار، والظلم، والحرية الشخصية والملكية المطلقة، التي من خلالها يظلم صاحب المال غيره بما يشاء؛ فلا ضابط لمثل هذه الأمور عندهم، وعلى النقيض منه نجد النظام الاشتراكي الذي ينزع الملكية من الفرد؛ فلا ملكية للفرد، بل إن الملكية للمجتمع، وأن الناس شركاء في كل شيء؛ فقتلوا الإبداع، وظلموا العامل؛ لأنهم ساووا الذي يعمل والذي لا يعمل، وقد جاء النظام الإسلامي نظاماً وسطاً؛ فهو من عند الله -عز وجل-؛ فأعطى كل ذي حق حقه، وسن التشريعات والضوابط التي تضبط مثل هذا النظام، وحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه .
أركان الاقتصاد الإسلامي
بعد ذلك أوضح الحزيمي أن أركان الاقتصاد الإسلامي ثلاثة وهي:
الملكية: سواء الخاصة أم العامة
فهناك ملكية عامة لا تختص بشخص معين، بل إن المجتمع يشترك فيها، ومثالها: الأوقاف الخيرية، والحمى الذي يكون نفعه لعامة الناس، كذلك ما يخرج من الأرض من المعادن، إن كانت الأرض غير مملوكة لجهة معينة، فضلا عن الزكاة التي تعطى إلى بيت المال، وأيضاً الجزية التي تؤخذ من غير المسلمين تعد من الملكيات العامة، وكذلك الغنائم والأخماس، أما الملكية الخاصة فهي الملكية الفردية التي تنشأ عن بيع أو إرث، وحتى لا يعتدي بعضنا على بعض؛ فإن الإسلام حرم أمورًا مثل: الربا بأنواعه وأشكاله، كذلك الميسر، وغيرها من الأمور.
الحرية الاقتصادية
ومن من أركان الاقتصاد الإسلامي: الحرية الاقتصادية؛ حيث فتح الإسلام الحرية في الإبداع والمنضبطة بضوابط الشريعة، مثل: التورق والقرض الحسن والمزارعة والبيوع بأنواعها جميعا، والإجارة والمرابحة التي لا تخالف مقاصد الشريعة الإسلامية؛ حيث سدت حاجات الفرد والمجتمع وكذلك الدول.
التكافل الاجتماعي
أما الركن الثالث: فهو التكافل الاجتماعي؛ فالاقتصاد الإسلامي راعى قضية التكافل، وسن الشرائع والقوانين والأحكام، ومن ذلك الميراث: وهو لون من ألوان التكافل الاجتماعي وتوزيع الثروات، وهو أن تنقل الثروات من أسرة لأسرة عبر الميراث، ولا تكون حكراً على أسرة دون أسرة، كذلك الزكاة؛ فهي لون من ألوان التكافل الاجتماعي؛ فقد فرض الله -عزوجل- الزكاة على جميع أصنافها من الأموال أو الزروع والثمار، أو بهيمة الأنعام، أو عروض التجارة ، وغيرها، كذلك الأوقاف التي شرعها الله -تعالى- وهي: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، التي استفادت منها في العصور السابقة الدول الإسلامية، كما أن الشريعة منعت التعاملات التي تضر الفرد والمجتمع مثل: الغش، كما قال -تعالى-: {ويل للمطففين} ، كذلك حرم الرشوة والبيع على بيع أخيه حتى لا يكون هناك نزاع وتباغض بين الأفراد والمجتمع، وأيضاً منع الاحتكار .
مميزات الشريعة الإسلامية
بعد ذلك تطرق الشيخ الحزيمي إلى مميزات الشريعة الإسلامية، موضحاً أن هناك أخلاقيات لا نجدها في غير نظام الاقتصاد الإسلامي مثل: الإتقان والمسامحة، وهي من أنواع التكافل حتى لا يعلو أو يبغي أحد على أحد، كذلك ضبط البيوع؛ حيث جعلت لها أركانا وشروطا، سواء في المبيع نفسه أم في المتبايعين، أم في عقد البيع . كما أن الشريعة جعلت مما يبطل العقود الجهالة في المبيع والثمن والمثمن؛ فألزمت ودعت إلى كتابة البيوع أو الديون، كذلك للمحافظة على مقدرات البلاد؛ فقد نهانا الشرع عن الإسراف والتبذير {ولا تبذر تبذيراً}، وقال -تعالى-: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، وذلك للمحافظة على المجتمع المسلم بأن يبقى مجتمعاً قوياً لا هدر فيه ولا تبذير، وهو ما نسميه اليوم ترشيد الاستهلاك.
الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى
وأضاف الشيخ الحزيمي بأن للاقتصاد الإسلامي أيضاً دورا في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-؛ وذلك أن غير المسلمين إذا رأوا من المسلمين مثل هذه الأخلاقيات والضوابط التي ضبطت الاقتصاد الإسلامي، ورأوا التنامي الذي يحدث من بعده؛ فإن هذه دعوة للانخراط والدخول في دين الله -تعالى-؛ فهم يرون الصدق في البيع، والإيثار، كذلك في الإتقان في العمل . بعد ذلك تطرق الشيخ الحزيمي إلى دور الاقتصاد الإسلامي في الأزمة العالمية، موضحاً بأن الاقتصاد العالمي قائم على الإقراض والاقتراض بالفائدة، وهذا هو أساس الأزمة العالمية التي حدثت عام (2008م)، ولو كان هذا الاقتصاد قائماً على النهج الإسلامي لسلموا من هذا الأمر؛ أما كيفية أن يعالج الاقتصاد الإسلامي؛ فهو عن طريق تصحيح العقود، وجعلها عقوداً شرعية من خلال الكثير من الأدوات المتاحة التي يستطيع أن يتخذها لتجنب مثل هذه الأزمات العالمية، موضحاً أن الاقتصاد الإسلامي كان له أثر عظيم في دولة الكويت؛ حيث جنبها الكثير من الأزمات؛ فالبنوك الإسلامية مارست مثل هذه الأدوات: السلم والسلم الموازي، والاستصناع والمرابحة، وصكوك الإجارة التي هي بديل عن السندات التي تعد ربوية.
وفي نهاية محاضرته أوضح الشيخ الحزيمي أن الله -تعالى- هو الذي خلقنا، وهو الذي يعلم ما يسعدنا وينفعنا؛ فنحن ينبغي أن نسير مع أحكامه -تبارك وتعالى-، ولا نكون من الذين أبهرتهم حضارة الغرب الزائفة؛ حيث رأينا كيف أن أزمة بسيطة نسفت اقتصادياتهم .
لاتوجد تعليقات