رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أبوبكر القاضي 29 أكتوبر، 2019 0 تعليق

نحو ترشيد التربية الانتقائية في الدعوة إلى الله


تقوم كثير من المدارس التربوية في حقل الدعوة إلى الله على أساس مذهب التربية الانتقائية، وهى تعنى البحث عن الطاقات المحددة والمواهب المميزة، والتركيز عليها لإنتاج كوادر صلبة، تقوم عليها الدعوة في كل مكان، وهذا لاشك فيه درب مسلوك، وأول من سلكه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في النظر الثاقب في تربية أصحابه -رضوان الله عليهم-، وإبراز طاقاتهم ومواهبهم المتميزة لخدمة هذا الدين، وإخراج قادة يقودون العالم كله بره وبحره قاصيه ودانيه إلى الله -تبارك وتعالى.

     ولكن في خضم ذلك التركيز والانتقاء للأفراد، قد تقصر النظرات مع متطلبات المراحل المتنوعة في الدعوات على طاقات معينة، أمثال الطاقات التي تستهدف العمل العلمي والتربوي فقط، ويُهمش الجانب الحركي، والاجتماعي، والسياسي، والدعوى، على الناحية الأخرى، أو العكس بالعكس، وتتفاقم المشكلة، حين يُحقر كل ما لا يخدم تلك الأهداف قصيرة النظر والمدى، تُهمش حتى ولو كانت معروفا عرفه الشرع، وجوبا عينيا، أو كفائيًا، أو ندبًا، أو إباحة، حتى، لاسيما في تلك المرحلة التاريخية الحاسمة التي تمر بها أمتنا في المجالات كلها؛ فكان لابد من هذه التذكرة لتتسع المدارك والآفاق.

طاقات متفاوتة

     في خضم الانتقاء والاختيار على حسب متطلبات -لا أقوال مسجد ولا منطقة، بل حتى متطلبات مدينة بأسرها- يظلم الكثيرون أرباب طاقات متفاوتة نعم، ولكن لا تخلو من خير وحب للخير، قد لا يستطيع أن يخطب، قد لا يستطيع أن يغوص في أعماق الكتب ليأتي بفرائد الفوائد وعجائب الترجيحات في المسائل العسيرة، وقد لا يستطيع أن يحسن صوته بالقرآن، وإن كان يحفظه عن ظهر قلب، أو حتى لا يحفظه، ولكنه حين يتلى عليه القرآن يبكي من خشية الله، ولكنه يستطيع أن ينفق في سبيل الله القليل، أو الكثير لبناء مساجد وإعانة طلاب العلم والخطباء، وقد لا يستطيع أن يكون لغويا بارعا، ولكنه يجيد لغة القلوب في دعوتها إلى الله -تبارك وتعالى-، وقد لا يستطيع أن يؤذن، ولكن يستطيع أن يسعى على اليتامى والأرامل،... إلى آخر مايدخل تحت الحكمة النبوية الأصيلة «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلق أخاك بوجه طلق».

لب المشكلة

     لب المشكلة في الحقيقة، أننا لا نفهم قضية تفاوت القدرات والطاقات؛ ولذلك نهمش بعضها، ونفاضل دون وجه للمفاضلة بينهما؛ فينتج الإهمال والإعراض الذي قد لا ينفعنا ولا ينفع المتربي، فضلا عن أن يضره ويفتنه ويجعله يتساقط مع المتساقطين! في ذلك عاتب الرب -تبارك وتعالى- نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ، حين كان يدعو كبراء قريش وهو يريد عزة هذا الدين ومصلحته في وقت الاستضعاف، جاءه في تلك اللحظة التي يعتصر فيها قلبه صلى الله عليه وسلم من صد هؤلاء الكبراء له ولدعوته، وهو الرؤوف الرحيم الحريص الذي كاد يهلك نفسه حزنا عليهم، فضلا أنهم وجهاء سيزيدون وزن الدعوة في أنظار القبائل والعرب، جاءه في تلك اللحظة رجل لو نظر أحدنا إليه وهو لا يعلمه لقال: لن يستطيع أن يخدم الدعوة بشيء، ولكن هيهات، كم في الزوايا خبايا، وكم في الناس بقايا، و-سبحان- من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو -تبارك وتعالى.

علمني مما علمك الله

     جاء الأعمى عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه  يقول له: علمني مما علمك الله!.آلآن؟ في ظل ذلك الموقف، فلم يرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنفه ككلامنا نحن، ولكنه فقط عبس بوجهه اقتضب صلى الله عليه وسلم، وأزيدك بيانا ألا تنس أن عبد الله بن أم مكتوم لم ير تلك العبوسة، ولم تجرح مشاعره؛ لأنه أعمى لم يرها! ولكن الله رآها -عز وجل-؛ فأنزل {عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى}(عبس: 1-4).

ميزان السماء

     ميزان السماء مختلف تمامًا عن ميزان الأرض، ميزان الجاهلية مختلف تمامًا عن ميزان الإسلام؛ فالمرء لا يوزن بجاهه، ولا بصورته، ولا بماله، ولا بجسمه، ولا بعشيرته، إنما يوزن بقلبه كما قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، على قدر ما في قلبك يكون لك عند الله حتى وإن لم يظهر منك شيء لعجزك عن العمل، حتى وإن لم تظهر ثمرة العمل؛ فكفاك قلبك مؤونة ذلك، قال -تعالى-: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}(النساء:100)، وإذا لم تصل في الظاهر فقد وصلت في الحقيقة عند الله ببذل الجهد وصدق وإخلاص وتجرد القلب، نعم -عباد الله- رسالة إلى كل من يتولى تربية أو متابعة: لا تحتقر قدرات فرد ولا تهمشها، ولا تركن إلى موازين ظاهرة في المال والحسب والنسب حتى ولو كان لفضلاء.

الانتباه إلى المغمور

     ولا نعني ألا ُتستغل الطاقات المتوفرة بالعكس، إنما نحن نريد استغلال القليل فضلا عن الكثير الذي تشخص الأبصار إليه ويخطف الانتباه، إنما ننبه إلى المدفون المغمور، نشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : «رب أشعت أغبر لا ُيؤبه له لو أقسم على الله لأبره»، يخدم دين ربه بقلبه وما تحسنه جوارحه أينما كان حسب ما جاءت به النصوص، وحسب استطاعته وهو في تلك الاستطاعة التي تراها محدودة هو يسير ويقطع المسافات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «سبق درهم مائة ألف درهم» ألا تتساءلون لماذا؟؛ لأن الأول له درهمان هذه طاقته؛ فحين يبذل درهماً، يعنى ذلك أنه سيموت إن بذل الأخر جوعا! أما الثاني فطاقته مئات؛ فأخرج مائة واحدة؛ فالأمر نسبي، وكل على قدر طاقته.

تفاوت درجات الإيمان

     عبد الله ابن أم مكتوم خير من ملء الأرض من أبي جهل، هذا هو ميزان الإسلام، وميزان السماء، ونحن نطبق ذلك على واقعنا، ونحن كلنا مسلمون، ولكن تتفاوت درجات الإيمان، وهذا التفاوت لا يعلمه إلا الله؛ ولذلك حرم غمط الناس والسخرية منهم عسى أن يكونوا خيرًا منا، قد يوجد العالم العابد في الظاهر وهو يريد أن يقال عنه عالم، وفي الوقت نفسه يوجد طالب العلم الخامل المخلص وله معراج يعرج فيه قلبه إلى السماء، وكما قلت هذا التفاوت لا يعلمه إلا الله؛ لذلك علينا استيعاب طاقات الصالحين كلها، ولا نبخل بجهدنا على إنسان، أو مكان مهما لبس علينا الشيطان، أن هذا الإنسان أو المكان لا رجاء فيه، لا؛ فالرجاء في الله كبير، وعليك فقط البذل، وهداية البيان، وعلى الله هداية التوفيق.

     ونحن كما نحتاج للعالم نحتاج للمفكر، وكما نحتاج للفقيه نحتاج للمحدث، والأديب، والداعية، والمهندس، والطبيب، وغيرهم من أرباب المهن والصنائع والعلوم،  لبناء حضارة متكاملة الجوانب ذات طابع إسلامي أصيل، هذا ما نسميه باختلاف التنوع الواجب فيه التكامل والتعاون مع انضباط ضوابطه.

     ونحن هنا لا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حقّر عبد الله ابن أم مكتوم، حاشاه صلى الله عليه وسلم، ولكنه اجتهد في أن دعوة هؤلاء الآن أفضل من تعليم عبد الله بن أم مكتوم الذي وصلته الدعوة أصلا؛ فافتصب وعبس لذلك (راجع عتاب الرسول لصلاح الخالدي)؛ فنحن نستدل بالأدنى على الأعلى؛ فإن كان عوتب صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهذا شيء طفيف، ولكن في حق المصطفى خليل الله ثقيل، وعاتبه ربه في ذلك.

تهميش وانتقاء

     فما بالك بما يقع منا أحيانا من تهميش وانتقاء مع ظلم كثير لحقول المواهب والطاقات ودفنها؛ لأننا ندعي أننا لا نحتاجها، بل نحتاج كما سبق البيان لإقامة خلافة على منهاج النبوة لسد كل الثغرات، وتغطية كل فروض الكفايات، ومع ذلك نؤكد أن على كل مسلم حد أدنى في العلم والعمل والدعوة، لا ينفك عنه وجوبه حتى يصلح اعتقاده وعبادته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ثم بعد ذلك إذا تخصص في شيء يخدم به دين الله؛ فلا حرج عليه ولا غضاضة حتى وإن كانت غريبة على الطابع السلفي؛ لأن كل زمان يحتاج إلى تحديات مختلفة، مثل الآن في زماننا تخصصات نحتاجها ولم تكن موجودة قبل ذلك (الكمبيوتر – الترجمة – هندسة الصوت-التنمية البشرية-العمل السياسي وغير ذلك)، المهم والخلاصة ألا نبخل بالدعوة، ولا بالوقت على من يرجوه منا؛ فما أدرانا لعله يزكى؛ فيخدم دين الله أي خدمة، ولا يخطر على البال كيفية تلك الخدمة، وفعلا أصبح عبد الله بن أم مكتوم أمير المدينة فى كل غزوة يخرج فيها الرسول[ مع أصحابه -رضوان الله عليهم-، وكان صلى الله عليه وسلم كلما رآه قال له: «مرحبا بالذي عاتبني فيه ربي»، وقصة موته عظيمة جليلة، أنه في معركة القادسية، قال لهم: «إني رجل أعمى لا أفز فحملوني رايتكم واجعلوني بينكم»؛ فحمل الراية وقتل دونها حتى تظل مرفوعة خفاقة، ووجدوه مقتولا وهو مستمسك بها غاية الاستمساك -إن شاء الله- شهيدا في سبيل الله -تبارك وتعالى- وصدق الله؛ إذ يقول من فوق سبع سموات: {وما يدريك لعله يزكى}؛ فهل نعتبر؟

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك