مَعِيَّةُ اللهِ: أَسْبَـابُهَـا وَثَمَرَاتُهَا
- إن مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ مَعِيَّةِ اللهِ لِعَبْدِهِ حِفْظَ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ وَتَأْيِيدَهُ وَتَسْدِيدَهُ وَحِمَايَتَهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ
- مِنْ أَعْظَمِ مَا يُسَكِّنُ الْقُلُوبَ وَيُثَبِّتُ الْأَقْدَامَ وَيَمْلَأُ النَّفْسَ طُمَأْنِينَةً وَسَكِينَةً، اسْتِشْعَار الْعَبْدِ بِأَنَّ اللهَ مَعَهُ يَسْمَعُ دُعَاءَهُ وَيَعْلَمُ حَالَهُ وَيَرَى مَكَانَهُ وَيُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ
- مَعِيَّةَ اللهِ لَهَا أَسْبَابٌ وَوَسَائِلُ فَمِنْ ذَلِكَ الْتِزَامُ فَرَائِضِ اللهِ وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ
- مِنْ ثَمَرَاتِ مَعِيَّةِ اللهِ حُسْنُ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَمَهْمَا اشْتَدَّتِ الظُّلُمَاتُ وَتَفَاقَمَتِ الْمُدْلَهِمَّاتُ فَإِنَّ الْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ
كانت خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لهذا الأسبوع (24 من رمضان 1447هـ الموافق 13/3/2026م) بعنوان: (مَعِيَّةُ اللهِ: أَسْبَابُهَا وَثَمَرَاتُهَا)، وقد بينت الخطبة أن مِنْ أَعْظَمِ مَا يُسَكِّنُ الْقُلُوبَ وَيُثَبِّتُ الْأَقْدَامَ، وَيَمْلَأُ النَّفْسَ طُمَأْنِينَةً وَسَكِينَةً، اسْتِشْعَارَ الْعَبْدِ بِأَنَّ اللهَ مَعَهُ، يَسْمَعُ دُعَاءَهُ، وَيَعْلَمُ حَالَهُ، وَيَرَى مَكَانَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ.
معيّة الله مصدر الطمأنينة والثبات
تِلْكَ مَعِيَّةُ اللهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى- لِنَبِيَّيْهِ مُوسَى وَهَارُونَ -عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه). هَذِهِ الْمَعِيَّةُ تُقَوِّي الضَّعِيفَ، وَتَشُدُّ عَزِيمَةَ الْكَسِيرِ، وَتُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ الْخَوْفِ وَالْقَلَقِ، قَالَ -تَعَالَى-: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:٤٠). وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».نماذج من معية الله لأنبيائه في الشدائد
إِنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَعْتَرِيهِ الضَّعْفُ، وَتُحِيطُ بِهِ الْمَخَاوِفُ، وَتَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ الشَّدَائِدُ، وَتَثْقُلُ عَلَيْهِ الْهُمُومُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يُسَكِّنُهُ وَيُهَدِّئُ ثَائِرَتَهُ، وَمَتَى رَكَنَ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ، وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَابْتَعَدَ عَنْ نَهْيِهِ، نَالَ شَرَفَ تِلْكَ الْمَعِيَّةِ، وَظَفِرَ بِوَلَايَةِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ مَعَهُ فَلَا يَضُرُّهُ كَثْرَةُ الْأَعْدَاءِ، وَلَا تُرْهِبُهُ شِدَّةُ الْبَلَاءِ، فَمَعِيَّةُ اللهِ أَدْرَكَتِ الْخَلِيلَ إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام- حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء:٦٩). وَأَدْرَكَتْ يُونُسَ -عليه السلام- حِينَ نَادَى مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء).أسباب نيل معية الله
إِنَّ مَعِيَّةَ اللهِ لَهَا أَسْبَابٌ وَوَسَائِلُ: فَمِنْ ذَلِكَ الْتِزَامُ فَرَائِضِ اللهِ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ، {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (المائدة:١٢)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ بِهَا مَعِيَّةَ اللهِ: تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى خَلْقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ -تَعَالَى-: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل: ١٢٨ ).الصبر والذكر طريقان لمعية الله
وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا الْمُسْلِمُ مَعِيَّةَ اللهِ: الصَّبْرُ، فَالصَّابِرُونَ تَحُفُّهُمُ الْأَلْطَافُ الْإِلَهِيَّةُ، وَيَنْعَمُونَ بِشَرَفِ الْمَعِيَّةِ، قَالَ اللهُ: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:٤٦)، قَالَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه -: «الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ». وَمِنْ أَسْبَابِ تَحْصِيلِ مَعِيَّةِ اللهِ: كَثْرَةُ ذِكْرِهِ -سُبْحَانَهُ-، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».ثمرات معية الله في حياة المؤمن
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ مَعِيَّةِ اللهِ لِعَبْدِهِ: حِفْظَ اللهِ -تَعَالَى- لِلْعَبْدِ وَتَأْيِيدَهُ وَتَسْدِيدَهُ، وَحِمَايَتَهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ»، فَمَتَى حَفِظَ الْعَبْدُ أَوَامِرَ اللهِ وَحُدُودَهُ وَجَدَهُ مَعَهُ بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَلِيَّهُ فَلَنْ تَضِلَّ بِهِ السُّبُلُ، وَلَنْ تَغْلِبَهُ الْفِتَنُ وَالْمِحَنُ. وَمِنْ ثَمَرَاتِ مَعِيَّةِ اللهِ: حُسْنُ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَمَهْمَا اشْتَدَّتِ الظُّلُمَاتُ، وَتَفَاقَمَتِ الْمُدْلَهِمَّاتُ، فَإِنَّ الْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:٨٣).الأمن والوحدة في ظل معية الله
أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا، فَأَنْتُمْ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالِإِحْسَانِ وَالْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، فَالْمَعْرُوفُ لَكُمْ عَادَةٌ، وَنَجْدَتُكُمْ وَمُرُوءَتُكُمْ لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَهَادَةٍ، فَلَطَالَمَا سَانَدْتُمُ الْمَظْلُومِينَ وَدَعَمْتُمُ الْمُسْتَضْعَفِينَ. مَا طَرَقَ بَابَكُمْ مُحْتَاجٌ إِلَّا أَعْطَيْتُمُوهُ وَلَا اسْتَغَاثَ بِكُمْ مَلْهُوفٌ إِلَّا أَعَنْتُمُوهُ، سَارَتْ بِذِكْرِكُمُ الرُّكْبَانُ، وَشَهِدَ الْعَالَمُ أَنَّكُمْ قَوْمٌ كِرَامٌ، أَتَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ يُضَيِّعُ تِلْكَ الْأَيَادِيَ الْحِسَانَ، وَمَشَاهِدَ النُّبْلِ وَالِامْتِنَانِ؟! فَطُوبَى لِبَلَدٍ هَذَا شَأْنُ أَهْلِهِ، فَسِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، مُسْتَعِينِينَ بِمَعِيَّتِهِ فِي صَدِّ كُلِّ عُدْوَانٍ، فَاللهُ نَاصِرُكُمْ وَلَنْ يُخْزِيَكُمْ أَبَدًا. وَقَدْ أَكَّدَ سُمُوُّ الْأَمِيرِ حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ فِي خِطَابِهِ عَلَى أَنَّ سِيَادَةَ الْكُوَيتِ وَأَمْنَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا خَطٌّ أَحْمَرُ، وَلَا تَهَاوُنَ فِي حِمَايَتِهِ، مُشَدِّدًا عَلَى الْعَمَلِ بِحَزْمٍ عَلَى حِمَايَةِ أَمْنِ الْوَطَنِ وَالْمَوَاطِنِينَ وَالْمُقِيمِينَ، كَمَا دَعَا لِلْوُقُوفِ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لِتَعْزِيزِ تَمَاسُكِ الْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ مُؤَكِّدًا عَلَى الثَّوَابِتِ الْوَطَنِيَّةِ، وَحِرْصِ الْقِيَادَةِ عَلَى سَلَامَةِ الْوَطَنِ وَالْمُوَاطِنِينَ.
لاتوجد تعليقات