رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: محمد بن حسن الزمني 1 سبتمبر، 2019 0 تعليق

موقف المسلم من البلاء والمصائب

  

كثر على المؤمنين البلاء في هذا الزمن، واشتدت عليهم وطأة المصائب والمحن، وتكالب عليهم أعداء الدين؛ لما رأوا فيهم من ضعف ووهن، وقد يكون هذا التكالب والتسلط منهم رأسا، وقد يكون من خلال أعوانهم من المنافقين الذين هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

     والمؤمن الصادق المسدّد الموفّق يعلم ما يلزمه من أقوال وأفعال في موقف كهذا، يقول -عزّ وجلّ-: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}(البقرة : 155-157)، لكن هناك بعض من ينتسب إلى الإسلام يشكل عليهم أمر البلاء والابتلاء والمصائب فلا يفهمونه، حتى يصل الحال ببعض هؤلاء إلى سوء الظنّ بالله -عزّ وجلّ-، بل يصل الحال ببعضهم أحيانا إلى نسبة الظلم للحقّ تنزه وتعالى الله -تبارك وتعالى- عن ذلك علوًّا كبيرا.

فئة أخرى

     وهناك فئة أخرى من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، من المرجفين،  الذين لا تكاد تصيب المؤمنين مصيبة إلا تجدهم يفرحون بها، وهذا دأب أجدادهم وأسلافهم من المنافقين الذين قال الله -عزّ وجلّ- فيهم: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها}(آل عمران: 120)، وتجدهم لا يألون جهدا في كل مصيبة تصيب المؤمنين لتخذيلهم، ولاسيما ضعاف الدين منهم عن دينهم، وتشكيكهم فيه بدعوى أن لو كان دين الإسلام هو الدّين الحقّ لما وقعوا في ذلك، ولما خذلهم الله -عزّ وجلّ- ولما أصابهم بالمصائب، ونحو هذا مما يرجفون به، ويشقون به صفّ المؤمنين ويشكّكونهم في دينهم، وهذا تماما ما كان يقع من أسلافهم من المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومن ذلك ما كان منهم حينما اشتدّ الكرب بالمؤمنين في غزوة الأحزاب؛ فكانوا يخذلونهم عن دينهم، ويشككونهم في أصله وفي فضل الله وفي نصره، يقول الله -عزّ وجلّ-: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} (الأحزاب: 12)؛ فقول هؤلاء من قول أولئك، تشابهت قلوبهم.

البلاء والابتلاء

     والبلاء والابتلاء مأخوذ في اللغة من الاختبار والامتحان؛ ففي مختار الصّحاح: «بلاه أي اختبره، بلاه الله اختبره، ويكون بالخير والشرّ»؛ فالبلاء أصل استعماله فيما يقع على  العبد من الخير والشرّ، لكن غلب استعماله فيما يقع من الشرّ والمصائب، والبلاء والابتلاء بمعنًى واحد لكنّ كلمة ابتلاء على وزن (افتعال) الذي يدل على المبالغة؛ فلعلّ الابتلاء فيه زيادة بلاء، فكيف يجب على المؤمن أن يفهم البلاء؟ وما موقف المؤمن عند وقوعه؟

أصول وقواعد

نبيّن في كلمات يسيرة بعض الأصول والقواعد في هذا الباب ، إذا علمها العبد وفهمها واستحضرها وعمل بمقتضاها عند البلاء؛ فإن الله -عز وجل- يهدي قلبه ويوفقه بفضله ومنّه.

قضاء الله وقدره

- أولا: على المؤمن أن يعلم أن كل ما يقع في هذا الكون من مصائب وغيرها، إنما يقع بقضاء الله وقدره، لا يخرج عن علمه شيء، ولا عن إرادته شيء -سبحانه وتعالى-؛ فكل ما يقع في هذا الكون علمه الله أزلا، ثم كتبه في اللوح المحفوظ، ثم شاءه -سبحانه وتعالى-، ثم خلقه وقدّره تقديرًا، ما من أمر يقع في هذا الكون إلا ويمرّ بهذه المراتب، يقول -عزّ وجلّ-: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} (الحديد: 22).

سنّة كونية

- ثانيا : يجب أن نعلم أن البلاء والمصائب سنّة كونية قدّرها الله -عزّ وجلّ-، وهي ماضية إلى قيام الساعة، قال -سبحانه-: {أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتون ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين} (العنكبوت: 2-3) قال: {ولقد فتنّا الذين من قبلهم}؛  فالله -عزّ وجلّ- ابتلى الأوّلين، وابتلى الآخرين ، وستبقى سنة الابتلاء ماضية إلى يوم الدين.

الابتلاء بالحسنات والسيئات

- ثالثا: الله -عزّ وجلّ- يبتلي عباده بالحسنات والسيئات، ويبتليهم بالشرّ والخير، كما قال -تبارك وتعالى-: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء: 35)؛ فإذا وقع العبد في مصيبة؛ فلا ينبغي أن يقول: لم تقع المصائب على رأسي دون غيري؟ أو يقول: فلان عنده المال وعنده الخير وأنا ليس عندي إلا المصائب؛ فلا يظنّ العبد أن ذلك ليس فيه بلاء؛ فقد يكون الله -عز وجل- ابتلى صاحبه بالمال والنعمة ابتلاءً أشدّ ممن ابتلاه  بالمصيبة، لكن ربما لا هذا يدري ولا ذاك.

حكمة الله

- رابعا: يجب أن نعلم أنّ الله -عزّ وجلّ- لا يفعل شيئا ولا يخلق شيئا ولا يقدر شيئا عبثا أو لهوا أو لعبا، يقول -تبارك وتعالى-: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحقّ لا إله إلا هو رب العرش الكريم} (المؤمنون: 115-116)؛ فنزّه الله -سبحانه وتعالى- نفسه عن العبث وعن اللهو، وقال -عزّ وجلّ-: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنّا فاعلين} (الأنبياء: 16-17)؛ فالله -عزّ وجلّ- لا يعبث ولا يلهو فيما يخلق وفيما يقضي وفيما يقدّر وفيما يبتلي به عباده، إنما يفعل ذلك لحِكَمٍ عظيمة جليلة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، ومن تلك الحكم التمييز بين الخبيث والطيب، ومنها تثبيت المؤمنين، ومنها رفع درجاتهم، ومنها محو سيئاتهم، ومنها اصطفاء الشهداء والصالحين، وغير ذلك من الحكم العظيمة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وغيرها أيضا من الحكم العظيمة العزيزة التي لم يطلعنا عليها ربنا -تبارك وتعالى.

لا ينسب الشر إلى الله

- خامسا : ينبغي أن يعلم المسلم أنّ الشرّ لا يُنسب إلى الله -عزّ وجلّ- وإن كان هو الذي خلقه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « الخير كله في يديك والشر ليس إليك» رواه مسلم برقم (771)؛ فالشرّ لا ينسب إلى الله وإن كان خلقه؛ لأن الله -عزّ وجلّ- لا يخلق شرا محضا، فما من شرّ خلقه الله -عز وجل- وقدره إلا وفيه من الخير ما اقتضته حكمته مما علمه من علمه وجهله من جهله أيضا؛ لذلك لا ينسب الشر إلى الله -تبارك وتعالى.

المسلم يُبتلى على قدر إيمانه

- سادسا: يلزم أن نعلم أنّ المسلم يُبتلى على قدر إيمانه؛ لذلك كان أنبياء الله -صلوات ربي وسلامه عليهم- أشدّ النّاس بلاءً ثم الأمثل فالأمثل، ويُبتلى العبد على قدر دينه وإيمانه، فإذا كان في إيمانه ودينه صلابة زاد البلاء، وإذا كان في دينه رقة خٌفّف عنه البلاء بقدر دينه؛ فينبغي أن يعلم العبد أنّه بقدر البلاء بقدر ما يكون الإيمان، وبقدر الإيمان بقدر ما يكون البلاء، وقد ورد هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي وغيره من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

المؤمن أمره كله خير

- سابعا : ينبغي أن يعلم المؤمن أن الله -عزّ وجلّ- جعل أمره كله خيرا ولم يجعل ذلك لغيره، يعني كل ما يقع من مصائب للمسلم هو خير له؛ فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» رواه مسلم برقم (5322).

تنقية وتكفير للذنوب

- ثامنا: ينبغي أن نعلم أن المصائب والبلايا التي تقع على المؤمن تنقية وتكفير لذنوبه وسيئاته وخطاياه؛ ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نَصَب، ولا وَصَب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم،حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» رواه البخاري (5642)، بل لعلّ المؤمن يأتي ربه يوم القيامة وليس عليه ذنب وليس عليه خطيئة بسبب البلاء، يقول -عليه الصلاة والسلام-: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» رواه الترمذي برقم (2396)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1220)، يعني لا يحمل خطيئة واحدة بسبب وقوع ذلك البلاء عليه واحتسابه.

الصبر على البلاء

- تاسعا: يجب أن نعلم أن الصبر عند البلاء لا يضاهيه عمل، ولا يضاهي أجرَه أجرٌ؛ فكل عمل ورد ذكر أجر صاحبه في الكتاب والسنة إلا الصبر؛ فإن الله -عز وجل- لم يحدّد له أجرا؛ لأنه يجزي أصحابه بغير حساب، وبغير عدد، قال الله -عز وجلّ-: {إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر: 10)؛ فقائل هذا الكلام هو ربنا -سبحانه وتعالى- لو قاله بشر منا، لقلنا: إن فيه مبالغة، لكن قائله الربّ -تبارك وتعالى-؛ فلم يقل بعشر أضعاف، أو بألف، أو بألف ألف، بل قال: {بغير حساب} يعني لو عدّ العادّون لما استطاعوا حساب أجر الصابر.

التسخط لا يغير شيئا

- عاشرا: يجب أن يعلم المؤمن أن التسخط وعدم الرضا عند البلاء لا يغير شيئا من ذلك البلاء الواقع، بل سيحمل المتسخط الأوزار والآثام بسبب تسخطه دون أن يزول ذلك البلاء؛ فعلام التسخط إذاً والبلاء باق لا يزول بتسخط الناس؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحبّ قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» رواه الترمذي برقم (2396)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2110)؛ فدلّ الحديث على أنه بقدر ما يعظم البلاء بقدر ما يعظم الأجر والجزاء، ودلّ أيضا على أن البلاء إذا كان واقعا على المؤمن فذلك من محبة الله -تبارك وتعالى- له؛ فمن رضي، رضي الله عنه، ومن رضي الله عنه؛ فإن مآله الجنّة بإذن الله، أما من تسخّط على قدر الله وعلى وقوع البلاء والمصيبة؛ فله سخط من الله والعياذ بالله، فلا هو رفع المصيبة بتسخطه، ولا هو كسب الأجر، بل كسب الوزر وسخط الله نسأل الله العفو والعافية.

تلك عشرة كاملة، مَن علمها وفهمها واستحضر معانيها واستحضرها عند وقوع البلاء هان عليه أمر البلاء والمصائب بإذن الله، وعلم أن ذلك كله خير للمؤمن فرضي وسلّم لقضاء الله وقدره.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك