رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: عبدالوهاب السنين 22 يوليو، 2018 0 تعليق

موانع اكتساب الحكمة والفهم

  

قضية التربية والأخلاق والسلوك من القضايا التي اعتنى بها الدين الإسلامي أيما اعتناء؛ فالإنسان سلوك وأخلاق، ولقد ترك لنا ديننا الحنيف ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إرثاً خُلُقيّاً متكاملاً، كان وما يزال منهجاً حياتياً واضحاً، يحفلُ بالأمور التي فيها مصلحة الفرد والمجتمع معاً، وقد سهّل لنا الإسلام الطريق لسلوك هذا المنهج الواضح، وجعله صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان، والدليلُ على ذلك كون الإسلام خاتم الأديان، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، قال الله -تعالى-: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة:3)، كما جاء هذا المنهج واضحاً بسيطاً، بعيداً عن اللبس والغموض والتعقيد، خالياً من الرِّيَبِ والشكوك: «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّن» (البخاري (52)، ومسلم (4051) وما علينا سوى إعمالِ عقولنا لسلوك الطريق الصحيح: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد:10)، ورسالتنا اليوم عن: (موانع اكتساب الحكمة والفهم).

     وهذا أمر حقًا نحتاج إليه؛ لأنه بضدها تتمايز الأشياء كما هو معلوم، وقد يتعلم الإنسان أحيانًا بنواقض الأشياء؛ فيعرف الكفر حتى يعرف حقيقة الإيمان، ويعرف الشر أحيانًا حتى يعرف الخير، وتعرف حقيقة النار حتى تعرف قيمة الجنة؛ فالإنسان حين يموت ويُدفن في قبره، يُرى مقامه في نار جهنم، ثم بعد ذلك يُرى مقامه في الجنة، لماذا؟ حتى يزداد شكرًا وحمدًا لله -عز وجل-، والعجيب في الأمر، ومن ذلك ما ورد في سبب تأليف كتاب: (أخبار الحمقى والمغفلين) لابن الجوزي، يقول: حتى يحمد الله -عزوجل- صاحب العقل السليم، على أنه لم يُصب بهذا المرض الخطير وهو: (الحمق)، بهذا نقول: نحن نتعلم ما يُبطل الحكمة لأهمية الحكمة.

العجلة والتسرع

     من الأشياء التي تمنع اكتساب الحكمة والفهم العجلة والتسرع؛ فهي لا تُعطي مجالا واسعا للتفكير والتدبر في الأمور، ولاسيما فيما ليس فيه وضوح شرعي. العجلة لا تجعل الإنسان في وضعه الصحيح، ولا تجعل كذلك عقله قادرًا على التفكير، وقادرا على التدبر، وقادرا على استخلاص الصحيح والصواب؛ فالعجلة ليست من صفات الحكيم في شيء، بل العجلة صفة الجاحد وصفة المتكبر أحيانًا، وتعد من أعظم مبطلات الحكمة.

الغضب والانفعال

     والغضب مذموم في الشرع والدين، والغضب من الشيطان، وهو جمرة يُلقيها الشيطان في قلب الإنسان تتدحرج؛ ولذلك يُصاب الرجل الذي يغضب بلوثة في عقله، ولوثة في تفكيره، ولوثة في أفعاله وأعماله؛ ولذلك يقول بعض العلماء على الغضبان الغضب الشديد، هو كالطائر في الهواء، لا هو في الأرض ولا في السماء، يعني: لا حط رجله في الأرض، ولا هو في السماء.

هذا (الغضب) خطير؛ لأنه ربما يجعل الإنسان يقتل نفسه بغير حق، ويقتل أباه، ويقتل أمه، ويقتل زوجته، ويقتل أولاده؛ ولذلك نقول: انتبه، فالغضب يتعارض ويتجافى مع الحكمة تمامًا؛ لأن الإنسان يُصبح عدوًّا لنفسه بسببه، وكلما زاد قلت الحكمة.

وقد اعتنى الشرع الحكيم بهذه القضية لدرجة أنه لا يقبل من الغضبان طلاقا، لماذا؟؛ لأنه يُسمَّى طلاقا بإغلاق، ولا يُقبل منه بيع ولا يقبل منك شراء... إلخ؛ لأن الإنسان حين باع وحين طلَّق وحين اشترى، لم يكن بعقله.

عدم التثبت

     وهذه صفة من صفات الجاهل، لماذا؟؛ لأنه قصير العقل وعديم البصيرة؛ فبعض الناس إذا أتاه الخبر وأتته المعلومة، ما يكلف نفسه أبدًا أن يتثبت وأن يتأكد، وأن يتحقق ويعرف إن كان الخبر صحيحًا أم لا، ويترتب على هذا أمور كثيرة تتنافى مع الحكمة، يعني الغيبة والنميمة وربما نقول: يتطور منك الأمر إلى السب والشتيمة، والسبب هو عدم التثبت، وكم من إنسان حين علم الخبر وتوثق منه، ثبت أن فهمه لهذا الأمر خطأ، وعلم كذلك أن الذي حصل إنما هو بسبب تأويل خطأ إلخ، وأحيانًا يكون بسبب قلة فهم الناقل، يعني لم يكن فاهمًا، ولم يكن عالمًا ما حدث، ربما قام بتفسيره تفسيرًا خطأ وأدى إلى ما أدّى إليه من سوء تصرف؛ لهذا نقول: لابد من التثبت في كل أمر من الأمور.

الغرور والكبر

     كذلك من الأشياء التي تتنافى مع الحكمة ومن موانع اكتسابها -والعياذ بالله- ولا يستقيم مع أخلاق الحكيم، بل هي من أعظم مبطلات الحكمة، الغرور والكبر؛ فحين يُصاب به الإنسان ويرفع من نفسه حتى يضعها في غير محلها، ويُصبح كأنه المختال في نفسه العظيم في قدره؛ فربما تتعاظم في نفسه حتى يُصبح كالجبل، وحتى يُصبح عاليًا على مقام ربما لم يصل إليه أحد، وهو يتصور ذلك أنه لا يستطيع أن يصل إليه أحد، وما علم هذا المسكين أنه لا يُساوي شيئا؛ لأنه غدًا سيصبح في التراب، وربما تطؤه الأقدام، هذا الذي ينبغي أن يعرفه الإنسان المتكبر، هذا الإنسان المغرور.

لذلك على المرء ألا يرفع من نفسه فوق مقامها، وفي الوقت نفسه لا يزدريها ويضعها في غير مقامها؛ فبعض الناس ينظر إلى الآخرين كأنه لا شيء، كأنه ذباب، كأنه حشرات لا قيمة لها ولا اعتبار، وهذا يتنافى مع الحكمة، بل هو من مبطلاتها.

مجالسة الحمقى والمغفلين

     ومن موانع اكتساب الحكمة والفهم، مجالسة الحمقى والمغفلين والبعد عن أهل التقوى والدين؛  فمن عاشر القوم، لا شك يصبح منهم؛ فأنت حين تجلس مع هذا المغفل، مع هذا الأحمق، لابد أن تصاب بما أصيب به من هذه العدوى، من هذا المرض الخطير وهو الحمق، والحمق معجز، يعني يُعجز من يريد أن يعالجه، والعجب أن الأحمق لا يدري أنه مصاب بهذا المرض، وربما يرى من نفسه أنه حكيم، وأنه عالم وأنه عارف، وهذا أخطر ما في الأمر، الأحمق يفعل أشياء وقد يظن أنها حق وأنها صواب، وينظر إليها الآخرون على أنها غاية في السوء وغاية في الخطأ، وإذا تكلمت معه، يقول: لا، أنت المخطئ؛ ولذلك يقول الشاعر:

لِكُلِ داءٍ دَواءٌ يُستَطَبُ بِهِ

                            إلا الحَمَاقَةَ أعيت من يُداويها

مخالطة الفساق

     كذلك من موانع اكتساب الحكمة والفهم مخالطة أهل الفسق والعصيان، وهذا لا شك له تأثير كبير جدًا على الحكمة؛ فالإنسان الذي يرتكب المعاصي ويرتكب الآثام والمنكرات، كيف يُصبح حكيمًا؟! فأنت حين تجلس مع هؤلاء الفُسَّاق، وهؤلاء العصاة الذين يتكلمون عن الفسق والعصيان، هي دعوة لك للوقوع في هذه المزلات، وهذا يتنافى تمامًا مع الحكمة؛ فانتبه لنفسك أخي الكريم، إياك أن تقترب من هؤلاء؛ لأنها دعوة لإبطال الحكمة فيك.

مخالطة أهل الترف والدثور

وهذه الخُلطة لا شك أنها تؤثر في نفوس الحكماء؛ فحين يرى هذا الإنسان معالم الترف، ومعالم الزينة على هؤلاء؛ فهذا يولد عندهم شيء من الكسل، وشيء من الملل... إلخ؛ بسبب حب المال، وحب زينة الدنيا، وهذا يتنافى تمامًا مع الحكمة.

ضيق الأفق

     ونقصد بضيق الأفق: سطحية التَّفكير وبساطته إلى حد الغفلة أو السَّذاجة، والنَّظر إلى الأمور من جانب واحد، وسوء التقدير للعواقب والنَّتائج، وجهل بالواقع، وعشوائيَّة العمل، وارتجاليَّة الأهداف، وإهدار الطَّاقات في قضايا ثانويَّة، وتبديدٌ للجهود في أمور هامشيَّة، وشَغْل النَّفس بالكماليَّات مع التَّفريط بالضَّروريات.

فوائد الحِكْمَة

(1) من فوائد الحِكْمَة، أنها طريق إلى معرفة الله -عزَّ وجلَّ- موصلة إليه، مقرِّبة منه، وحينها ينقطع العبد عمن سواه، ولا يطمع في غيره.

(2) أنَّها سِمَة من سمات الأنبياء والصَّالحين، وعلامة للعلماء العاملين، ومزيَّة للدُّعاة المصلحين.

(3) من أهمِّ فوائد الحِكْمَة، الإصابة في القول والسَّداد والعمل.

(4) أنَّها ترفع الإنسان درجات وتشرِّفه، وتزيد من مكانته بين النَّاس؛ فعن مالك بن دينار قال: «قرأت في بعض كتب الله أنَّ الحِكْمَة تزيد الشَّريف شرفًا، وترفع المملوك حتى تُجْلِسه مجالس الملوك».
(5) فيها دلالة على كمال عقل صاحبها وعلوِّ شأنه، وهذا يجعله قريبًا من النَّاس، حبيبًا لقلوبهم، ومَهْوَى أفئدتهم، يقول: فيسمعون، ويأمر فيطيعون؛ لأنَّهم يدركون أنَّ رأيه نِعْم الرأي، ومشورته خير مشورة.
(6) أنَّها تدعو صاحبها للعمل على وفق الشَّرع؛ فيصيب في القول والفعل والتَّفكير، ويسير على هدى وبصيرة. قال أبو القاسم الجنيد بن محمد، وقد سئل: بم تأمر الحِكْمَة؟ قال: «تأمر الحِكْمَة بكلِّ ما يُحْمَد في الباقي أثره، ويطيب عند جملة النَّاس خبره، ويُؤْمَن في العواقب ضرره».

(7) تعطي العبد نفاذًا في البصيرة، وتهذيبًا للنَّفس، وتزكية للرُّوح، ونقاءً للقلب.

(8) تكسو العبد بثوب الوقار، وتحلِّيه بحلية الهيبة، وتخلع عليه ثياب البهاء والإجلال.

(9) يكون صاحبها كالغيث حيثما حلَّ نفع، وأينما وُضِع أفاد، فيتعلَّم منه الكبير والصَّغير، ويكون مصدر خير -بإذن الله.

(10) تحفظ الإنسان من ارتكاب السُّوء أو التَّلفظ به، أو ارتكاب المحظورات، أو التَّجنِّي على الآخرين، أو عمل ما يضطره للاعتذار وطلب العفو، قال أبو القاسم الجنيد بن محمد، وقد سئل عما تنهى الحِكْمَة؟ فقال: الحِكْمَة تنهى عن كلِّ ما يحتاج أن يُعْتَذر منه، وعن كلِّ ما إذا غاب عِلْمُه عن غيرك، أَحْشَمَك ذكره في نفسك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك