رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.أحمد الجسار 8 أغسطس، 2019 0 تعليق

من مظاهر الوسطية – الاعتدالُ في الإنفاقِ واستهلاكِ الموارد


قال الله -تعالى- في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67)؛ لقد جعل الله عباده وسطا معتدلين في دينهم ودنياهم، وجعل التوسط من صفاتهم؛ فالحمد لله الذي جعلنا أمةً وسطا، معتدلةً في كل شيء.

     ومن مظاهر هذه الوسطية، الاعتدالُ في الإنفاقِ واستهلاكِ الموارد، فلا تقتير ولا إسراف، بل كما قال -تعالى-: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29)، وانتفاع بما أحله الله من طيبات الرزق التي مَنّ بها على عباده: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(الأعراف: 32).

الانتفاع بالطيبات

     فننتفع بما أباحه الله لنا من الطيبات، ولكن دون الإسراف المذموم، كما أمرنا ربنا -تبارك وتعالى-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31)، وقد حذرنا ربنا كذلك من التبذير: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (الإسراء: 26-27)، ومن أوجه الفرق بين معاني الإسراف والتبذير، أن الإسراف هو الصرف على وجه واحد بطريقة زائدة عن الحاجة، وأما التبذير، فهو الصرف في كل اتجاه دون فائدة، وقيل: إن التبذير يكون بالمال، والإسراف يكون بصرف المال وفي غيره من الأعمال، وكلاهما مذموم.

حاجات الحياة

     إن الإنسان في هذه الحياة محتاج -بلا شك- إلى ما يبقيه وينفعه، من مأكل ومشرب ومسكن وملبس، وغير ذلك من حاجات الحياة، وقد أنعم الله على عباده بأصناف النعم، وسخر الموارد لهم، قال -تعالى-: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية: 13).

من رحمة الله بنا

     ومن رحمة الله بنا أنه كلما عظمت حاجتنا إلى الشيء كان أكثرَ وفرةً، وأقلَّ كُلفةً، والحمد لله؛ فالطعامُ الأساسي من الأقوات يتوفر بكميات كبيرة، ويُنتجه الإنسانُ بأقلِّ التكاليف، والحاجةُ إلى الماء أشد؛ ولذلك فهو متوفرٌ أكثرَ من الطعام، أما الهواءُ الذي لا يستغني عنه الإنسانُ لحظات؛ فإن الله لم يجعله يُنتجُ ويباع ويشترى، بل هو مبذولٌ للجميع في كل مكان، والحمد لله، وهذه رحمةٌ من ربنا، ونِعَمٌ أسداها اللهُ لنا، تحتاج إلى تفكرٍ وتَذَكُّر، وإلى شكر لله -جل جلاله.

حاجة الناس للنعم

     ولأن الناس مشتركون في حاجتهم لهذه النعم؛ فقد نهانا الله عن الإسرافِ في استهلاكها؛ فكلوا واشربوا من طيبات ما رزقكم الله، ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في ذلك؛ فإن الله لا يحب المتجاوزين المسرفين، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ»(رواه أحمد والنسائي، وابنُ ماجه). وهذا الأمرُ من النبي صلى الله عليه وسلم لنا جميعا؛ فكلنا مدعوون للاقتصادِ، وعدمِ الإسراف.

رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة

     ولنا في رسول الله أسوةٌ حسنة؛ فقد كان أحرص الناس على كمال العمل، ومع ذلك توضأ بالمد (يعني حفنة من الماء)، وهو الحريص على إسباغ الوضوء، واغتسل بالصاع (وهو أربعةُ أمدادٍ من الماء)، وهو أكمل الناس عبادةً صلى الله عليه وسلم ، فلا إسراف في استعمال الماء ولا في أكل ولا شرب ولا ملبس، بل اقتصادٌ تنمو معه الحياة، وينعم الناس بما أنعم الله به على عباده فيها.

     نحن وإن كنا نعيش في رغد من العيش والحمد لله، إلا أن الاقتصاد مطلوب، لاسيما أننا نتمتع بالخدمات الأساسية المدعومةِ دعما كبيرا في هذا البلد الطيب بفضل الله -تعالى- ورحمته؛ فإن الماء الذي يصل إلى بيوتنا عذبا ندفع أقلَّ من ثُلُثِ تكلفةِ إنتاجه وإيصاله إلينا، وتتحمل الميزانية العامةُ للدولةِ الثلثين، وهذه الكهرباء، النعمةُ العظيمةُ التي تصل إلى بيوتِنا، وتنيرُها، وتبردُها، وتشغلُ الأجهزةَ المختلفةَ فيها، ندفع عُشْرَ تكلفةِ إنتاجها، وتتحمل الميزانيةُ العامةُ التسعينَ بالمائةِ الباقية.

شكر النعم

     ألا ينبغي لنا في ظل هذه النعم أن نشكرها وأن نحرص على ترشيد استهلاكنا لها، لكي تدومَ لنا ولمن بعدنا -بإذن الله تعالى-؟؛ فالمرجو من الجميع، أن يتعاونوا على حفظ هذه النعم، والاقتصادِ في استهلاكها؛ فلا يجوز الإسرافُ في أي شيء، ويكفي في الزجر عن ذلك أن الله لا يحب من يفعل ذلك: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31)، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة الموارد، وبيَّن أن الله يكره ذلك؛ فقال صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ» (متفق عليه).

استغلال الموارد

فالاقتصاد في استغلال الموارد، هو من شكرِ هذه النعم الموعودِ بالمزيد، قال اللهُ في كتابه المجيد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم: 7).

الاعتدال في كل شيء

     ولا شك أن موضوع الاعتدال يتعلق بكل شيء، بالمأكل والمشرب، وباستهلاك الماء والكهرباء، وباستعمال الملابس والمراكب، فلا إفراط ولا تفريط، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29)؛ فديننا عظيم، منهجه وسط قويم، يدعونا إلى الاعتدال في الحياة، فاتقوا اللهَ ذا الجلال، وحافظوا على النعمةِ من الزوالِ، واعملوا فيها بالحلالِ.

 فنسأل الله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلا، أن يديم علينا نعمه وفضله، وأن يجعلنا من الشاكرين الذاكرين، والحمد لله رب العالمين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك