من مؤلفات الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله – كتاب: العواصم من تلبيس إبليس على المتعلم والعالم
قراءة في كتاب
إعداد:
د. خالد سلطان السلطان
د. محمد عثمان الدبيخي
بعد رحلة طويلة ومشرقة قضاها شيخنا الوالد عبدالله بن خلف السبت -رحمه الله- في مجال العلم والدعوة إلى الله، حتى انتهت هذه الرحلة المباركة -بقدر الله- بوفاة شيخنا في 19شوال 1433 الموافق 7/9/2012؛ فتوجهت الهمة لجمع مؤلفات شيخنا الراحل؛ فقام د.خالد جمعة الخراز، و د. خالد سلطان السلطان بإخراج مجموع مؤلفات الشيخ عبدالله بن خلف السبت، وهو أول عمل جمع علوم الشيخ -رحمه الله- كان ذلك في عام 1438 / 2017، وكان عمل الباحثيْن هو جمع كتب الشيخ ورسائله وترتيبها بحسب سنة الطبع والتعليق عليها بالتخريج لأحاديثها، وشرح بعض الغريب من كلماتها، وتصويب أخطائها الطباعية، مع إعداد ترجمة مختصرة لمؤلفها -رحمة الله عليه- وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله خير الجزاء.
بين أيدينا اليوم قراءة في الإنتاج العلمي الرابع للشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- وهو كتاب (العواصم من تلبيس إبليس على المتعلم والعالم) الذي طبع عام 1414 هـ - 1984 م.
سبب التأليف
ذكر الشيخ -رحمه الله-: أنه بدا له في أثناء متابعته لأحوال الناشئة (محبي العلم والمشتغلين فيه) خواطر رأيت لزاما تدوينها إكمالا في النصح وإتمامًا للرشد وتجنيبًا لهم من أن يقعوا فريسة لإبليس -عليه لعائن الله- ويذكر الشيخ -رحمه الله- أنه عرض عليه أخ فاضل محب العلم أن يستخرج من كتاب ابن الجوزي -رحمه الله- (تلبيس إبليس) الفصل الخاص بتلبيسه على طلاب العلم والقراء.
مجمل الآفات المهلكات
ثم بين الشيخ -رحمه الله- بعض الآفات المهلكات للعمل وهي كالتالي:
- الأولى: التكبر على الأقران.
- الثانية: سرعة الإفتاء والرغبة في البيان.
- الثالثة: تحقير من لم تره يفعل ذلك.
- الرابعة: دراسة بعض المسائل للظهور بها بين الناشئة.
- الخامسة: ترك الدعوة إلى الله والاجتهاد في تبليغ الدين للناس والصبر على أذاهم.
العاصم من تلك المهلكات
ثم بين الشيخ -رحمه الله- العاصم من تلك الآفات المهلكات فقال:
الأولى: الإخلاص
أول ما ينبغي لطالب العلم أن يتعلمه هو الإخلاص؛ فإذا طلب العلم مع الإخلاص قاد ذلك صاحبه للتواضع، وهي صفة العلماء وخصلة للمؤمنين، قال -تعالى- {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} (المائدة54). وروى مسلم كذلك وأحمد وغيرهما: «الكبر بطر الحق وغمط الناس».
الثانية: طالب العلم ليس فقط من تأبط كتابه
قد يحمل العلم غير الفقيه، وإنما قد يكون طالب علم درس كتب أهل العلم وخالطهم وسمع منهم، وآتاه الله ملكة الفهم والتدبر فإن الفقه في الدين هبة من الله.
الثالثة: كل ميسر لما خلق له
فليس بلازم أن يكون كل أفراد الأمة من العلماء، وإنما الذي لا يعذر فيه المرء:
- أن يجهل ما يلزمه من الدين؛ فهذا لا يجوز، بل واجب على كل مسلم معرفة أصول الدين ومالا تقوم العبادة إلا به، وأول ذلك معرفة التوحيد من الشرك والحرام من الحلال.
- وإن كان من الدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لزمه ألا يقول إلا بعلم، قال -تعالى- {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الاسراء:36).
تلبيس إبليس على القراء
ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- تلبيسه على القراء: فمن ذلك: أن أحدهم يشتغل بالقراءات الشاذة فيقضي أكثر عمره في جمعها ويشغله ذلك عن معرفة الواجبات؛ فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للإقراء ولا يعرف ما يفسد الصلاة، قال الحسن البصري: «أنزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملا» بمعنى أنهم اقتصروا العمل على التلاوة وتركوا العمل به، ومن ذلك أن قومًا من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة للنظراء، وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب، واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب.
تلبيس إبليس على أصحاب الحديث
ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- تلبيسه على أصحاب الحديث فقال: إن قوما استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة في طلب الأسانيد والمتون الغريبة وهؤلاء على قسمين:
القسم الأول: قصدوا حفظ الشرع إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين والتفقه في الحديث.
القسم الثاني: قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحًا، وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب.
تلبيس إبليس على الفقهاء
ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- تلبيسه على الفقهاء فقال: كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث، فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون: يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن، وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث كسنن أبي داوود وغيرها، ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟.
التقرب إلى الأمراء والسلاطين
ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: مخالطتهم الأمراء والسلاطين، ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك، وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عَرَضًا، فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:
- الأول: الأمير، يقول: لولا أني على صواب لأنكر علي الفقيه، وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من مالي؟!
- والثاني: العامي، أنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله، فإن فلانا الفقيه لا يبرح عنده.
- والثالث: الفقيه؛ فإنه يفسد دينه بذلك!
وقد لبس إبليس على قوم من العلماء ينقطعون عن السلطان إقبالا على التعبد والدين، فيزين لهم غيبة من يدخل على السلطان من العلماء! فيجمع لهم آفتين: غيبة الناس ومدح النفس.
وفي الجملة: فالدخول على السلاطين خطر عظيم؛ لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير باكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيه، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم، وقد كان سفيان الثوري - رضي الله عنه - يقول: «ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم».
تلبيسه على الوعاظ والقصاص
ذكر الشيخ -رحمه الله- تلبيسه على الفقهاء فقال: قال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء.
وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب: (القصاص والمذكرين) إلا أنا نذكر هنا جملة: فمن ذلك: أن قوما منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب، ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر.
ومن ذلك: أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب فنوعوا فيه الكلام، فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق! ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد الإثارة إلى محبة الله عَزَّوَجَلَّ !
تلبيس إبليس على الشعراء
ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- تلبيسه على الشعراء فقال: قال المصنف: وقد لبس عليهم، فأراهم أنهم من أهل الأدب، وأنهم قد خصوا بفطنة تميزوا بها عن غيرهم، ومن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم؛ فتراهم يهيمون في كل وادٍ من الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش، وأقل أحوالهم أن الشاعر يمدح الإنسان، فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتقاء شره، أو يمدحه بين جماعة فيعطيه حياء من الحاضرين، وجميع ذلك من جنس المصادرة، وجمهور الأدباء والشعراء إذا ضاق بهم رزق تسخطوا فكفروا، وأخذوا في لوم الأقدار، وقد نسي هؤلاء أن معاصيهم تضيق أرزاقهم، فقد رأوا أنفسهم مستحقين للنعم مستوجبين للسلامة من البلاء، ولم يتلمحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشرع، فقد ضلت فطنتهم في هذه الغفلة.
لاتوجد تعليقات