رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 18 سبتمبر، 2018 0 تعليق

من غنائم التربية.. مشاركة الأبناء في العمل الخيري

 

إنّ من عظمة الشريعة الإسلامية أنها تربي الفرد تربية جماعية سليمة، تبني في شخصيته قيم التعاون والتلاحم مع باقي أفراد المجتمع بأسلوب عملي يبني التكافل ويسد خلة المحتاج، وينفي عن المسلم خبث الأنانية والأثرة والعزلة الشعورية التي يتمركز فيها الفرد حول حاجاته هو فقط،عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه. (رواه البخاري).

  

فالمؤمن كالبنيان لا يستقل بأمور دينه ولا بأمور دنياه، ولا تقوم مصالحه على الوجه المطلوب إلا بالمعاونة، والمعاضدة بينه وبين إخوانه، فإذا لم يحصل هذا وانشغل كل واحد بنفسه فإن ذلك مؤذن بتفكك الأسرة والمجتمع.

     ومن واجب المربي أن ينشّيء أبناءه على هذه القيمة العظيمة، من خلال تقديم القدوة العملية والمناخ الأسري التعاوني، ثم تحفيزهم على الانخراط في الأعمال التطوعية والمناشط الاجتماعية انطلاقاً من الأسرة، فلا يتوانى أحدهم عن نفع إخوانه المسلمين بكل صوة ممكنة. وهذا التعويد والتدريب هو وظيفة المربي وطريقته لإصلاح ولده، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «حَافِظُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلِّمُوهُمُ الْخَيْرَ فَإِنَّمَا الْخَيْرُ عَادَةٌ».

ولنتعرف بدقة على تعريف العمل الخيري التطوعي

يعرّف خبراء التربية وعلم الاجتماع العمل الخيري التطوعي بأنه: «سلوك يصدر من جراء نفس الإنسان واختياره دون ضغط أو إكراه أو إجبار، وبدون منفعة مادية بل الهدف هو المنفعة العامة. سواء كان ذلك مجهوداً جسمانياً أو عقلياً».

كيف تؤثر مشاركة الأبناء في العمل الخيري في بناء شخصيتهم ؟

- مشاركة الأبناء في العمل التطوعي تمنحهم شخصيات متزنة:

     فالعمل التطوعي يُعلم الطفل تحمل المسؤولية، والإحساس بالآخرين ومشاركتهم، كما يساعد على أن لا يكون الطفل أنانياً بل محباً لمن حوله، كما أنّ انغماسه في العمل التطوعي يعزز من تقديره لذاته ويجعله يشعر بأنه شخص معطاء، يتوقع منه الخير والمروءة، وأن لديه واجبات وحقوق تجاه مجتمعه لابد أن يؤديها.

- تؤدي إلى تهذيب أخلاقهم:

يساهم العمل التطوُّعي في تهذيب أخلاق الناشئ المتطوع وتحسينها؛ وذلك من خلال مخالطة الناس، ومعايشتهم إبان عمله التطوعي. يقول - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (صحيح الجامع:6651)؛ ففي قوله: «ويصبر على أذاهم» نوعٌ من تحسين المتطوع لذاته، وتهذيبه لخُلُقه وسلوكه.

- تمنحهم الصحة النفسية:

     العمل التطوعي يمنح الأبناء فرصة عظيمة لإشباع الحاجات النفسية؛ حيث يشبع الحاجة إلى التقدير الذاتي من خلال الشعور بالإنجاز والنجاح في المهام التطوعية التي يقوم بها، ويشبع أيضاً الحاجة إلى التدين؛ لأنه يستشعر ممارسته لعبادة جليلة يتقرب بها إلى الله -تعالى-، وكذلك يشبع حاجته إلى الشعور بالحب والانتماء إلى الجماعة التي يتفاعل معها بشكل إيجابي من خلال العمل الخيري.

     ومن أهم ما يكتسبه الناشئ إشباع حاجته إلى الشعور بالمسؤولية، والتدريب العملي عليها أيضاً وهي من الحاجات المهمة لتنشئة فرد صالح؛ حيث تُشْعِرُه بأنه بلغَ مصافَّ الرجال الكبار ومنزلتهم، فضلا عن أنها تصرِفُه عن كثير من مظاهر العبث واللهو، وتُشعِرُه أنه فوق ذلك كلِّه. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدرِّب أصحابه على حَمْل المسؤولية في شتى المناسبات؛ وهذا ما تبنيه المؤسسات التطوعية الخيرية في نفوس أبنائها؛ فهي تزيد الثقة بالنفس والقدرة على تحمُّل المسؤولية.

- تعودهم على شَغْل أوقات الفراغ بالنافع المفيد:

     تنمو الرذائل وتتفاقم في أحضان الفراغ، وأشد ما يكون الفراغ خطراً على الصغار والمراهقين، وخير وقاية أن يتعمد المربي توجيه هذا الفراغ وتعويد الأبناء على شغله بالنافع من العمل منذ صغرهم، وفي العمل التطوعي ميدان رائع للأبناء يقضون فيه أوقات فراغهم، ويستثمرون فيه طاقاتهم، فللعمل التطوعي دوره في تفريغ الطاقات، فكل مجال له حاجته من المجهود والطاقة البدنية، فينخرط المتطوع في تلك الأعمال التطوعية، وقد أفرغ طاقته فيها؛ عبر مجهود بدنِيٍّ مناسب. ومِنْ ثَمَّ نجد أن العمل التطوعي أصبح مصرفاً طبيعياً لتفريغ الطاقة؛ مما يجلب للأبناء سكينة النفس، وطمأنينة القلب؛ فليس ثَمَّةَ طاقة مختزَنة تعكِّر سعادتهم.

- تمنحهم الشعور بالرضا والطمأنينة النفسية:

     يجد المتطوع من الأبناء أثناء قيامه بعمله التطوعي وبَعْد الانتهاء منه مشاعرَ من الرضا عن النفس، والراحة النفسية بما قدَّمه من مساعدة للآخرين، لما في هذا العمل من قربة لله -تعالى-، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، يَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ يَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا» (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

- تحافظ على رقة قلوبهم ونزوعهم إلى الفضيلة:

     لا يزال الأبناء قريبين من الخير بعيدين عن الشر والسوء ما شاركوا في الإحسان إلى الخلق، فللسعي في الخيرات بركات لا تخفى على أحد، تصيب كل من شارك فيه صغيراً أو كبيراً؛ وهي سبب لرقة القلب وعلاجٌ لقسوته، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحب أن يلين قلبك، وتُدرِك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطْعِمْه من طعامك يَلِنْ قلبُك، وتُدرِك حاجتك» (صحيح الجامع: 80).

وأخيراً..

ليستحضر المربي دوره المهم في صنع أجيال تتذوق حلاوة التطوع، وحب عمل الخير، واستشعار المسؤولية الاجتماعية تجاه أمتهم، فالأسرة أكبر أمل وأعظم مدرسة لتخريج الأجيال الصالحة -إن شاء الله.

استشارة:

- أرجو أن توضحوا لي خطوات عملية لتربية أبنائي على المشاركة في الأعمال الخيرية التطوعية ؟

- أول ذلك هو تقديم القدوة العملية للأبناء من حيث اهتمام الوالدين بالعمل الخيري وإشراك الأبناء في المواقف التفصيلية التي تمثل هذا العمل، مثل فرز ملابسهم وإخراج الزائد منها بنية التصدق به على الفقراء والمحتاجين.

- إشراكهم في أقرب جمعية خيرية للحي الذي تعيش فيه الأسرة، والتنسيق مع مسؤوليها بحيث يكون للأبناء دوْر في خدماتها، ويتم تفعيلهم بوصفهم متطوعين فيها.

- تلقينهم الآيات والأحاديث يسيرة الحفظ التي تحث على المسارعة في الخيرات ومساعدة المسلمين في قضاء حوائجهم، ومثالها:عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، قال: «كل معروف صدقة» - رواه البخاري -

- من خلال مواقف العمل الخيري يتعلم الأبناء أيضاً آداب الصدقة، مثل أن يتصدق بالجيد من أغراضه وليس البالي القديم؛ لأن في ذلك محافظة على مشاعر الفقير، ولكي يتمكن من الانتفاع به، ولكي ينال المتصدق الأجر العظيم، قال -تعالى-: {لنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران:92).

- اصطحاب الأبناء عند توصيل الصدقات، وإشراكهم في حمل ما يستطيعون منها، وفيما بعد يمكن للمربي أن يرسل أبناءه بمفردهم لتوصيل الصدقات وتوزيعها لمن يثق فيهم من الفقراء المعروفين لديه.

- تحذير الأبناء من المنّ بالعطاء بكل صوره، أو التذكير به، فإن ذلك من أقبح الخصال وهو ضدُّ الإخلاص ونقيضه، كما أنه يبطل أجر العمل،قال -تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (البقرة:264)، وقال -[ صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة خِبٌّ ولا منَّانٌ ولا بخيل».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك