{من عمل صالحا فلنفسه} (2)
الخير نوعان: خير مطلق، وهو المرغوب فيه على كل حال وعند كل عاقل وخير مقيد: وهو أن يكون خيرا لواحد شرا لآخر، كالمال والولد
تقدم في العدد السابق ذكر بعض فضل العمل الصالح كما جاء في القرآن الكريم، وفي هذا العدد ذكر تعريف العمل الصالح وشروطه وأنواعه.
تعريف العمل الصالح
العمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الذي طلبه سبحانه إيجابا أو ندبا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعمل الصالح: هو المشروع، وهو: طاعة الله ورسوله، وهو: فعل الحسنات التي يكون الرجل به محسنا. قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حنيفا}».
وقال أيضا: «لا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحا; وهو ما أمر الله به ورسوله، وهو الطاعة، فكل طاعة عمل صالح وكل عمل صالح طاعة، وهو العمل المشروع المسنون; إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، وهو العمل الصالح، وهو الحسن، وهو البر، وهو الخير; وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة والفجور والظلم».
وعرف ابن كثير العمل الصالح بأنه: «العمل المتابع لكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه».
وأما شروط العمل الصالح
فقد قال الشنقيطي: «القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:
- الأول: موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ; لأن الله يقول : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.
- الثاني: أن يكون خالصا لله تعالى; لأن الله - جل وعلا - يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} .
- الثالث: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة; لأن الله يقول: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن}، فقيد ذلك بالإيمان ، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح، كقوله في عمل غير المؤمن: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}، وقوله: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}(هود: 16) إلى غير ذلك من الآيات».
فيشترط للعمل الصالح الإسلام قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران: 85).
وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» أخرجه مسلم.
الفرق بين الخير والعمل الصالح
وهنا ينبغي التفريق بين العمل الصالح والخير، فليس كل خير عملاً صالحاً، فقد أمر -تعالى- بفعل الخير فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فالخير ما يرغب فيه كل الناس من أصحاب الفطر السليمة، فهو الحسن لذاته، ولما يحققه من لذة أو نفع أو سعادة.
والخير نوعان: خير مطلق، وهو المرغوب فيه على كل حال وعند كل عاقل.
وخير مقيد، وهو أن يكون خيرا لواحد شرا لآخر، كالمال والولد ربما يكونان خيرا لزيد شراً لعمرو، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ}.
قال قتادة: «مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح».
قال ابن سعدي: «أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟! وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك؛ بل لا يشعرون أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة».
وهناك فارق كبير بين العمل الصَّالح وفعل الخير، فليس كل فعل خير من العمل الصَّالح، فمن ينفق فى سبيل الله أموالاً جلبها من حرام لا يقوم بعمل صالح، إنما يقوم بعمل خير للآخرين، لكن لا يقبله الله.
فمن يساعد الطلبة في اختباراتهم بالغش يظن أنه يفعل بهم خيرا لكنه ليس عملا صالحا، ومن يخل بعمله من الأمانة والتحقق من الشروط سواء في الأطعمة أو البناء أو التجارة ونحو ذلك يظن أنه يساعد الناس، ويفعل الخير لكنه ليس عملا صالحا؛ لأنه خان الأمانة الوظيفية، وعصى الله تعالى.
فالعمل الصَّالح يجب أن يكون مشروعا مما يقبله الله، وأن يكون خالصا لوجهه، والله -تعالى- يخبرنا عن دعاء الرجل الصالح أنه يقول: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. فقوله: {صَالِحًا تَرْضَاهُ}: يدلّ أنه ليس كل عمل صالحٍ في الظاهر يرضاه اللَّه تعالى، بل لا بدّ أن يوفّق إلى الأعمال والأقوال الموجبة لرضاه جل وعلا، من صدق الإخلاص، وحسن العبادة في المتابعة ، وكما ورد في الحديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا».
أنواع العمل الصالح
الأعمال الصالحة قد تكون عبادات وقد تكون غير ذلك من المعاملات أو العادات.
فالعبادات ما شرعه الله تعالى للتقرب به إليه وحده، كالصلاة والصيام والصدقة وقراءة القرآن وذكر الله -تعالى- والدعاء، والأصل في العبادات المنع، فالعبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما دل عليه الشرع، قال شيخ الإسلام: «باستقراء الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع».
وقال: «باب العبادات والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله ، فليس لأحد أن يجعل شيئا عبادة أو قربة إلا بدليل شرعي».
وقال ابن القيم: « ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله ، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر».
فالعبادات الغرض الأصلي من تشريعها التقرب إلى الله وشكره وابتغاء الثواب في الآخرة؛ ولهذا يشترط لها النية لتكون صحيحة، كما قال النبي -[-: «إنما الأعمال بالنيات» فهو خبر عن حكم الأعمال الشرعية، وأنها لا تصح ولا تحصل إلا بالنية ومدارها على النية. أما المعاملات فالغرض من تشريعها تحقيق مصالح العباد، وتنظيم العلاقة بين فردين أوجماعتين لتكون أحوالهم على أكمل وجه، مثل المعاوضات المالية والأنكحة والمشاركات والتوثيقات ونحو ذلك، والأصل في العادات والمعاملات الإباحة، ولا يمنع منها إلا ما خالف الشرع.
ولهذا لا يشترط لها النية لتكون صحيحة، لكن يشترط لها الإخلاص ليحصل الثواب، فالمعاملات لا يشترط في صحة فعلها نية التقرب إلى الله، وإذا فعلها الإنسان بلا نية فلا أجر له، كرد الأمانة ورد المغصوب، وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة وغير ذلك، ولكنها تقع صحيحة مجزئة إذا توافرت أركانها وشروطها، وانتفت موانعها. فالعبادة لا تكون عملا صالحا حتى توافق الشرع، والمعاملات والعادات لا تكون عملا صالحا إذا خالفت الشرع.
لاتوجد تعليقات