من صفات القدوة الفهم الجيد والانصاف والاعتراف بمزايا الآخرين
هذه همسات تربوية وخواطر قرآنية من هداية كلام رب البرية، عبارة عن فوائد وإرشادات مقتضبة، ووصايا وتوجيهات مختصرة، وبرقيات عاجلة، تنير الطريق، وترسم المعالم، مستقاة من أخلاق الكبار وصفات العظماء، من الأنبياء والأصفياء، لصناعة قُدوات عملية وإيجاد نماذج ربانية.
الفهم الجيد:
قدر زائد على العلم، لحاجة القائد والقدوة تحديد مواقف وإصدار قرارات وأحكام صائبة وسديدة، سيما في النوازل والمُلِمَّات، وقد أثنى الله -سبحانه- على سليمان بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} (الأنبيا:79)، أَيْ فَهَّمْنَاهُ الْقَضَاءَ الْفَاصِلَ النَّاسِخَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي النَّازِلَةِ. البحر المحيط (7/455).
حُسن الاستماع والإصغاء الجيد:
مهارة مهمة وخُلُق رفيع للقدوة، لكسب القلوب وترك الأُثر الحسن في النفوس، فمع مخالفة الهدهد وغيابه من بين الجند، وغضب سليمان وتوعده له، إلا أنه استمع له شرحه وإسهابه ومسوغاته، {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} (النمل:22}، وما بعدها.
عدم الاستخفاف بالرعية:
والأتباع واستجهالهم؛ لما فيه من القهر لهم واستحماق عقولهم، كما فعل فرعون النموذج القرآني للقائد الفاشل! {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الزخرف:54)، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَعْنَى فَاسْتَجْهَلَ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ بِخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ، وَقِلَّةِ عُقُولِهِمْ. فتح القدير (4/641).
حُسن الخُلُق:
عماد شخصية القائد المؤثر، وعامل أساسي في القدوة العملية الفعالة، لذلك أثنى الله -سبحانه- على نبينا -عليه الصلاة والسلام- أعظم قدوة بقوله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)، وَالْخُلُقُ الْعَظِيمُ: هُوَ الْخُلُقُ الْأَكْرَمُ فِي نَوْعِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ الْبَالِغُ أَشَدَّ الْكَمَالِ الْمَحْمُودِ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وهو أَرْفَعُ مِنْ مُطْلَقِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ. ينظر التحرير والتنوير (4/564).
الصدق في الوعد:
والوفاء بالعهد من أخلاقيات الكبار والعظماء؛ لما يترتب عليه من بناء الثقة بين الأفراد، وتوطيد أواصر التعاون في المجتمع، قال سبحانه عن إسماعيل عليه السلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} (مريم:54)، فَصِدْقُ الْوَعْدِ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، كَمَا أَنَّ خُلْفَه مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ. تفسير ابن كثير (5/239).
الإنصاف:
في الحكم على الآخرين وإحسان الظن قبل الاستعجال صفة مهمة للقدوات؛ فقد اتَّهَم سليمان -عليه السلام- بصره أولا قبل أن يحكم نهائيا على غياب الهدهد، قال سبحانه: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} (النمل:20).
الاعتراف بمزايا الآخرين:
وإبرازها وإظهارها خُلُق الأنبياء والعظماء، ولا يُنقِص من قدر القدوة ولا يقلل من قيمة الرمز؛ فهذا نبي الله موسى عليه السلام، كليم الله ومن أولي العزم من الرسل، يقول عن أخيه هارون: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} (القصص:34).
لاتوجد تعليقات