من روائع الأوقاف على الشؤون الأسريّة
انتشرت في العالم الإسلاميّ أوقافٌ كثيرةٌ يُنفَق ريعُها على تزويج اليتيمات أو الأرامل الفقيرات
من مَبَرَّات صلاح الدين الأيوبي أنّه جعل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزابًا يسيل منه الحليب وآخر يسيل منه الماء المُذاب فيه السكر
لا يزال الوقف رصيداً حضاريًّا وإنسانيًّا استظل الناس جميعاً بظلّه زماناً ومكانًا
لا يزال الوقف رصيداً حضاريًّا وإنسانيًّا، استظل الناس جميعاً بظلّه زماناً ومكاناً، وشاهداً للأمة بتحقيقها للخيرية، ومبشراً لها بالتمكين والرفعة، وللكشف عن كنوز الوقف، وما وقع في ميدانه من الإبداعات والروائع والإشراقات، ولتدوين إسهاماته الحضارية منذ القرن الأول إلى أيامنا التي نعيش، ولَجْنا في بحر تراثنا الزاهر، لاستخراج لآلئه وجواهره، التي خلفها الآباء للأبناء، والأجداد للأحفاد، والسلف للخلَف، وسأعرض بعضاً من تلك النماذج.
وقف (دار الدُّقَّة)
كانت في مراكش من بلاد المغرب دارٌ تسمّى دار الدُّقَّة، اشتُقَّ اسمُها من كونها في مضمونها وجوهر رسالتها (تدُقُّ) على يد الزوج الظالم الذي يسيء معاملة زوجته إلى حدٍّ يتجاوز التأديب المشروع، فقد كانت تأتيها الزوجة التي تعاني من هذه الحال، وتجاوزت ظروفها مع زوجها المتعسّف قدرتها على الاحتمال، فتنزل في هذه الدّار، فتجد فيها مسكناً وطعاماً وشراباً وكسوةً، حتى يزول ما بينها وبين زوجها!
دار الشيوخ لـ (شهر العسل)
كانت هذه الدّار بمدينة فاس بالمغرب، «وهي قصر عند زقاق رياض حجا بين الصّاغة ورَحْبة قيس، وكانت هذه الدّار محبّسة ومُعَدَّة لتعريس المكفوفين الذين لا سكن لهم، فكلّما اقترن كفيف بنظيرته أقاما بهذه الدّار مراسيم الزّفاف»، وكانت بالمدينة نفسها أيضاً ثلاث دور أخرى «برسم تعريس الضعفاء والمُعْوِزين الذين لا يتوفّرون على سكن يتّسع لهذه المناسبة، وقد جُهّزت كل واحدة منها بالفرش والأثاث اللائقة بوليمة التزويج، كما أنّ مواقعها توزّعت بين الأقسام القديمة لمدينة فاس؛ فواحدة منها بالعدوة، وأخرى بالدّرب الطويل، والثالثة في حيّ العيون، وكانت الدّار الأخيرة خاصة بتعريس الأشراف المقلّين، وهي ذات مرافق ومنظر وبهاء».
الوقْف على تزويج الفقيرات واليتيمات
نصّ جمعٌ من الفقهاء والمؤرِّخين على أنّ العالم الإسلاميّ انتشرت فيه أوقافٌ كثيرةٌ، يُنفَق ريعُها على تزويج اليتيمات، أو الأرامل الفقيرات، اللاتي لا يملك ذووهنّ ما يكفي لتجهيزهن للأزواج؛ ممّا يؤدّي إلى انصراف نظر الخاطبين عنهنّ، فسهّلت هذه الأوقاف بلمستها الإنسانيّة التي عزّ نظيرُها في التاريخ الإنسانيّ أمر تزويجهنّ، وانتقالهنّ إلى نمط الحياة التي تتطلّع إليه كلُّ أنثى.
فمن هذا النّمط ما أشار إليه ابن بطوطة ووصفَه عن رؤيةٍ ومشاهدة في دمشق، فقال: «والأوقاف بدمشق لا تُحصر أنواعُها ومصارفُها لكثرتها... ومنها أوقافٌ على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهنّ اللَّواتي لا قدرة لأهلهنّ على تجهيزهنّ»، وأشار إلى ذلك العلّامة الونشريسي بقوله: «وتناولت الأوقاف تزويج الأيامى والأبكار اليتيمات».
وقْف دلبرون هانم شكري تعليم وتزويج
أنشأت السيدة دلبرون هانم شكري مدرسةً عام 1923م في شارع القادريّة بحيّ الخليفة من القاهرة، ووقفت عليها 120 فدّاناً من الأرض، يُخصّص ريعُها للبنات الفقيرات اللّواتي أنهَيْن مقرّر الدراسة، ولا يملك أهلهنّ ما يكفي لتجهيزهنّ للزواج.
وقْف الأميرة فاطمة إسماعيل تعليم وتزويج
أنشأت مدرسةً وقَفَتْها على تعليم أبناء وبنات الأسر الفقيرة، واشترطت في حجّة وقْفها أنّ «كل من تزوجت من التلميذات المذكورات، يُصرف لها من ريع الحصة المذكورة عشرون جنيهاً مصرياً، مساعدة لها على مهرها، لتكمل بهذا المبلغ ما تحتاجه لجهازها».
وكذلك في فلسطين.. أوقافٌ على تزويج الفقيرات، ذكر مايكل دمير في كتابه «سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين»(ص19) أنّ من تلك الأوقاف التي أرّخ لها، أوقافاً كانت مخصّصة لتوفير المهور للفتيات اليتيمات، من أجل أن يتيسّر لهنّ الزواج.
وقْف إعارة الحليّ للفقراء
وصفه أمير البيان شكيب أرسلان -وهو يعدّد بعض صور الوقْف المتكرّرة-: «وقْفٌ لإعارة الحليّ والزينة بحيث إنّ العامّة والفقراء، لا بل الطبقة الوسطى، يرتفقون بهذا المعهد الخيري، فيستعيرون منه ما يلزمهم من الحليّ لأجل التزيُّن به في الحفلات، ويعيدونه إلى مكانه بعد انتهائها، فيتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلّة لائقة، ولعروسه أن تُجَلَّى بحلية رائقة، مما يجبر خاطرَهما، وكذلك يستغني المتوسط في الثروة عن أن يشتري ما لا طاقة له به»، وقد وُجدت صورة هذا الوقف في المغرب وتونس وغيرهما.
وقْف الجوهرة بنت فيصل لزينة العروس
وقفت الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي (من أميرات آل سعود) وقفاً خصّصته لزينة العروس، يتمثّل في تقديم ثوب وبعض القطع الذهبية للمقبلات على الزواج، ثم قصرت هذا الوقف على أدوات الزينة من حناء وطيب وديرم وغيرها.
الوقْف على الملابس والأغطية
كثُر هذا النوع من الأوقاف بمناطق المغرب العربي، وقد وُجد في مدينة تطوان وحدها عدد كبير من الأوقاف لهذا الغرض خاصة.
وقْف الإبريق
كان يسمى أيضاً وقف الفاخورة، أو الكاسورة، وهو وقف خيري، كان له دكّان خاصٌّ لتوزيع الأباريق والأواني الفخاريَّة في باطن بيروت، وكانت مهمة القيِّم على الوقف إعطاء الصبي والفتاة والفقير والغلام وعاءً فخاريًّا سليماً مقابل الوعاء الذي انكسر معه أثناء قيامه بعمله، وفي الواقع فجميع الأسبلة في بيروت كانت أباريقها الموضوعة أمامها ليشرب منها المارَّة إنما كانت من أباريق وقف الإبريق.
التأصيل لرعاية الأمومة والطّفولة وَقْف (نقطة الحليب)
من مَبَرَّات صلاح الدين الأيوبي، أنّه جعل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزابًا يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المُذاب فيه السكر، فتأتي الأمّهات في يومين معلومَيْن من كل أسبوع، ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسُّكَّر، وقد ذكر الدكتور العلّامة مصطفى السباعي أنّ هذا المشهد بقي إلى وقته في دمشق، وأنّ المكان لا زال معروفاً بقلعة دمشق، وقد توفي الأستاذ رحمه الله في 1964م.
من لطائف الأوقاف
وَقَفَتْ السيدة ستيتة نت سالم النمرس وقفيّةً لها، وخصّصت منها جزئًا جعلته وقْفاً على زوجها، على أنْ يُحرم من منفعة ذلك الجزء في حال زواجه بأخرى! سواءً في حياتها أم بعد مماتها! وكذلك في حال سفره من الديار المصريّة.
لاتوجد تعليقات