رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 16 ديسمبر، 2020 0 تعليق

من درر الأعلام – شبهـات حول السنة – الشبهة الثانية: رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أو لمعارضتها المستقر في بعض الأذهان

 

الشيخ: عبدالرزاق عفيفي - رحمه الله

من حفظ الله لدينه وفضله على عباده أن هيأ لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من يحفظها وينقلها ويعلمها وينافح عنها وينفي عنها الدخيل، ويدحض شبهات المبطلين ويفندها، وإسهاما من الفرقان في دحض ما يروجه المبطلون وتفنيد ما يزعمونه، ونصحًا للمسلمين، وامتدادا لجهود المجلة في نصرة الإسلام والعناية بمصدريه العظيمين القرآن الكريم والسنة النبوية، ننشر هذه السلسلة للعلامة الكبير الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله-، التي كتبها قديما في تفنيد شبهات أعداء السنة وخصومها، واليوم مع الشبهة الثانية وهي: رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أو لمعارضتها المستقر في بعض الأذهان.

     بعض الناس من المسلمين يرد بعض أحاديث: إما لمعارضتها لفكره فيما يزعم، أو معارضتها لما يرى أن الطب جاء به، وأن الطب قرر قرارا صحيحا في أمور لا يليق أن يأتي على خلافها حديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأمثال هؤلاء يردون أحاديث: إما لمعارضتها لفكرهم وعقولهم، وإما لمعارضتها القواعد الصحيحة.

حديث الذباب

مثلا: حديث الذباب والأمر بغمسه إذا سقط في الطعام أو في الشراب:

- أولا: يرده جماعة ممن اقتنعوا بالطب، وبالنظريات الطبية، وقدسوا النظريات الطبية، ووثقوا بعقول الأطباء وبتجارب الأطباء، أعظم وأقوى من ثقتهم بتشريع الله وبما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حسنوا نظرهم بالنظريات الطبية أكثر مما حسنوه بما صح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا طعن في أحد أمرين:

- إما طعن في المشرع.

- أو طعن في المبلغ وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم .

وظيفة التشريع

- يقولون: إن وظيفة التشريع صيام، وصلاة وكذا...، وليس له دراية بالطب، وما الذي يدخله في الطب؟ فهو له دائرة محدودة يدور فيها هي دائرة التشريع من صلاة، وصيام، وبيع وشراء، وأمثال ذلك، فما الذي يدخله في هذا؟ هذا ليس من اختصاصه، فالعمل فيه إنما يكون على النظريات الطبية لا على ما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الفن ليس فنا له ولا هو من اختصاصه.

- ثانيا: وإما أن يكون ردهم لهذا الحديث من جهة أخرى، هي طعنهم في الرواة الذين رووا هذا الحديث.

الجواب على هذه الشبهة

     أما من الجهة الأولى: فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بيَّن لهم العلة؛ فقال: إن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وتعليله هذا- وهو لم يدخل مدارس طب، ولم يتفنن بتجارب قام بها- دليل على أنه إنما تكلم بهذا عن طريق الوحي من الله -جل شأنه-، والله -سبحانه- عليم بخواص مخلوقاته؛ فهو عليم بجناح الذباب، وما فيه من داء وما فيه من دواء، وأن هذا يكون علاجا لذاك، يقول الله -تعالى-: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: 14).

     ومعروف في الذباب، أنه إذا هبط من أعلى إلى أسفل في كل مرة أنه يهبط بميل. القصد أن الذباب كسائر الطيور إذا نزل بالجناح مال على أحد جناحيه، فإذا غمسته كان جناحه الثاني وما فيه من شفاء علاجا لما أصاب الشراب أو الطعام من الداء الذي نزل في الطعام من الجناح الآخر.

     فهذا التعليل دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم  وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب وليس صاحب تجارب في الطب، ولم يدخل مدارس طب، ولا جامعات طب- ليس تخمينا من عند نفسه ودخوله فيما لا يخصه من عند نفسه، إنما هو بوحي من الله -جل شأنه-، والله عليم بمخلوقاته وما فيها من خواص، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مكلف بالبلاغ عن الله، وقد بلغ هذا عن ربه، ويجب على الإنسان أن يثق بوحي الله -جل شأنه- أعظم من ثقته بنظريات الأطباء.

مسألة نظرية اجتهادية

إن الأطباء لم يتفقوا على ما بنى عليه هؤلاء المعترضون على هذا الحديث، هم مختلفون أيضا فيما بينهم، والمسألة مسألة نظرية اجتهادية من الأطباء، فكيف يرد بمسألة نظرية اجتهادية - مازالت تحت البحث - حديث رسول الله؟

الجهة الثانية: جهة السند

     وأما من الجهة الثانية: جهة السند: فالسند على طريقة المحدثين سند صحيح، مستوف للشروط التي اشترطها علماء الحديث، والناس الذين اعترضوا على هذا الحديث من جهة رجاله ليس عندهم سند يستندون إليه في ذلك، وهم في معاملتهم وقبولهم للأخبار التي تصل إليهم يعتقدون يقينا أو يظنون ظنا غالبا بما وصلهم من الأخبار، يعتقدون ما دلت عليه فيلزمهم أن يقبلوا ما جاء عن رواة هذا الحديث؛ لأنهم أوثق وأضبط وأعدل من الرواة الذين يروون لهم أخبارا بسفر فلان وفي إدانة فلان، وفي شهادة فلان، هم يقبلون ذلك عن أقل من الذين رووا عن رسول الله هذا الحديث.

الذين يردون الأحاديث

ثم إن الذين يردون بعض الأحاديث لأنها لا تتفق مع أفكارهم ومداركهم يسلكون في ردها أحد ثلاثة مسالك:

- الأول: فإما أن يردوها ويكذبوها، ويقولوا: خالفت العقل إن لم يمكنهم أن يؤولوها.

- الثاني: وإما أن يتأولوها على خلاف ما دلت عليه مع كثرتها.

- الثالث: وإما أن يردوها لأنها أخبار آحاد، وهذا أيضًا وضع غير سليم واعتراض غير سليم؛ فإن عقولهم يعتريها الخطأ والصواب، والوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وثبت عنهم- جاء عن الصادق الأمين بوحي من ربه، وهو لا ينطق عن الهوى.

الرد على أهل المسلك الأول

     الرد على أهل المسلك الأول القائلين برد السنة لمخالفتها العقل، يجب على الإنسان أن يتهم عقله وتفكيره بدلا من أن يتهم رسوله أو الرواة العدول، أو أن يتهم ربه في وحيه، وليثق بربه وبرسوله أكثر من ثقته في تفكيره، فإن العقل قاصر، وجرب عليه الخطأ كثيرًا ومداه محدود، وما يجهله أكثر مما يعلمه.

     فعليه أن يعتقد في تفكيره القصور، وأن يعتقد في وحي الله الكمال والصدق، وأن يعتقد في الرواة الذين استوفوا شروط النقل المضبوطة المعروفة عند المحدثين الثقة بهم أكثر من ثقته بتفكيره، هذا جواب على من ينكر الحديث لمعارضته لتفكيره. فيقال اتهم عقلك بالقصور فإن ما يعلمه أقل مما يجهله، اتهم عقلك بالخطأ وبالجهل في تفكيرك لأنك كثيرًا ما تخطئ، وجُرب عليك هذا، أما هؤلاء العدول الضباط الذين استوفوا شروط النقل (نقل الأحاديث) فهؤلاء يندر فيهم أن يخطئ أحدهم، وخطؤه إلى جانب صوابه قليل جدا، بل نادر.

الرد على أهل المسلك الثاني

     الرد على أهل المسلك الثاني القائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها، ويمكن لهؤلاء أن يحملوا ذلك النوع من الأحاديث على غير ظاهره وهم يسلكون هذا المسلك في كتاب الله -جل شأنه- أيضا، ويتأولون كثيرا من نصوص آيات الأسماء والصفات ونصوص الرؤية، كقوله -تعالى-: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام: 103)، وغيرها من آيات الأسماء والصفات.

(2) وأحاديث عذاب القبر، ونعيم القبر، وسؤال القبر، وعذاب الأبدان: يحملون العذاب على عذاب الأرواح، وكذلك بعث الأجساد يحملونه على بعث الأرواح.

(3) وينكرون عروج النبي - صلى الله عليه وسلم - ببدنه إلى السماء، وإسراءه من مكة إلى بيت المقدس ببدنه، ويقولون: هذا إسراء بالروح، وعروج بالروح؛ تحكيما للسنن الكونية، والعادات المألوفة في الخلق، فإن الإنسان لا يسير تلك المسافة في جزء ليلة، ولا يعرج إلى السماء السابعة في جزء ليلة.

الأنبياء ليسوا كغيرهم

     الأنبياء ليسوا كغيرهم في المعجزات، وقياس غيرهم عليهم في المعجزات باطل: ولا ينظرون إلى أن الأنبياء جاؤوا بخوارق العادات، فخوارق العادات بالنظر إلى الأنبياء والمعجزات الكونية والسنن الكونية التي خص الله بها الأنبياء، هذه تعد عادية بالنظر لخصوص الأنبياء، وإن كانت خارقة للعادة وغير مألوفة بالنظر لغير الأنبياء، فلماذا تقيسون الأنبياء بما أوتوا من الله على الأفراد العاديين، هذا قياس باطل، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن الأنبياء يختلفون عن غيرهم في جريان خوارق العادات على أيديهم معجزة لهم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك