من حقوق القرآن الكريم (1-2)
- يؤمن المسلم أن القرآن الكريم كلام الله حقيقة بألفاظه ومعانيه المنزل على رسوله [ والمتعبد بتلاوته
- أسرع طريقه لتحصيل العلم هي مدارسه القرآن والعكوف على فهمه وتدبّره وأفضل وسيلة لتحصيل الأجر والثواب هي تعليم القرآن ونشر أحكامه بين الناس
- تلاوة القرآن الكريم من أجلِّ العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل لأن التلاوة هي وسيلة الفهم والتدبر لكلام الله
لم يكن القرآن الكريم كتاب تلاوةٍ تُحرّك به الألسن فحسب؛ بل هو عهدُ الله إلى عباده، ورسالة هدايةٍ شاملة، ومنهج حياةٍ متكامل، أنزله الله ليُتلى، ويُفهم، ويُعمل به، ويُحكَّم في شؤون الفرد والأمَّة، وإنَّ للقرآن على أهله حقوقًا عظيمة، قصّر فيها كثيرون حين اكتفوا بحسن الصوت دون حضور القلب، أو بجمال الخط دون صدق الاتباع، ومن الوفاء لكتاب الله أن نعيد النظر في علاقتنا به؛ فنقف على حقوقه التي شرعها الله، وأوجبها على من آمن به كلامًا ربانيًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فمعرفة هذه الحقوق ليست ترفًا علميًا، بل ضرورة إيمانية، بها تُبعث القلوب، وتُصلح النفوس، وتنهض الأمَّة من جديد.
الإيمان بالقرآن الكريم
يؤمن المسلم أن القرآن كلام الله حقيقة بألفاظه ومعانيه؛ المنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والمتعبد بتلاوته، وهذا مع أنه أمر بدهي، إلا أن غيابه أورث خللاً ظاهرًا في التعامل مع القرآن كما حدث مع بعض أهل البدع الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، قال -تعالى-:{والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة:)، وقال -تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(البقرة:585)، وقال -تعالى-: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة:121).تعظيم القرآن وتوقيره
ومما يعين علي ذلك استشعار أنه كلام الله العظيم، وليس كلام أحد من البشر، ثم استشعار أن الله يناديه، ويخصه بهذا الكلام، قال -تعالى-: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الأعراف:204)، قال القاضي عياض -رحمه الله-: «اعلم أنه من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحد حرفـًا منه، أو كذَّب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر بإجماع المسلمين»، ويتنافى مع هذا التعظيم من يضحك ويلهو عند القراءة أو السماع، أو لا يهتم بحفظه فيلقيه بدون عناية، أو يضع فوقه الأشياء، أو يتروَّح به، أو يمد رجليه إليه.العمل بالقرآن الكريم
العمل بالقرآن هو الغاية من تنزيله، وبرهان هذا العمل هو سرعه التطبيق والامتثال لأوامره ونواهيه، وقد وصف اليهود في القرآن أنهم مغضوب عليهم؛ لأنهم كانوا يعرفون الأحكام ولا يمتثلونها، فمن فعل ذلك من المسلمين فقد شابه اليهود في إحدى خصالهم، قال -تعالى-: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة:5)، وقال -تعالى-: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام:155)، عَنْ أَبِي عبدالرَّحْمَنِ قال: «حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَؤُونَ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -عَشْرَ آيَاتٍ، فَلا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذَا مِنَ الْعَمَلِ وَالْعِلْمِ»، قَالَ: «فَعَلَّمَنَا الْعَمَلَ وَالْعِلْمَ»، وسئلت عَائِشَةَ -رضي الله عنها- عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»، وعن الحسن البصري -رحمه الله- أنه قال: «أُمر الناس أن يعملوا بالقرآن، فاتخذوا تلاوته عملاً»، قال الحسن بن علي: «اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فليست بقراءة».تعلمه وتعليمه
أسرع طريقه لتحصيل العلم هي مدارسه القرآن، والعكوف على فهمه وتدبره، وأفضل وسيلة لتحصيل الأجر والثواب هي تعليم القرآن ونشر أحكامه بين الناس؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»، قال عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: «عليكم بالقرآن فتعلموه، وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تـُسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظـًا لمن عقل»، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إذا أردتم العلم فانثروا هذا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين»، قال الحسن بن علي: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار».دعوة الناس بالقرآن
قال -تعالى-: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} (ق:45)، وقال -تعالى-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (التوبة: 6)، وقال -تعالى-: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (الإسراء:106)، وقال -تعالى-: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} (النمل: 92)، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في كثير من مناظراته وحواراته مع المشركين ومع غيرهم يقيم عليهم الحجة بالقرآن، ويكتفي فقط بمجرد تلاوته على أسماعهم، فيكون لذلك أعظم الأثر في هدايتهم.لا يُتخذ القرآن وسيلة يتكسب بها
قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ -ريحها- الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ وَلا تَغْلُوا فِيهِ وَلا تَجْفُوا عَنْهُ وَلا تَأْكُلُوا بِهِ وَلا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ»، والمقصود من ذلك هو من يريد بتعلم القرآن طلب مال، أو جاه، أو رئاسة، أو ارتفاع على الأقران، أو ثناء عند الناس، أو غير ذلك من الأغراض الدنيَّة الحقيرة، أما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف فيه العلماء، والراجح جوازه؛ لحديث: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، ولا سيما إذا كان سيتم تفريغ الحُفاظ لهذه المهمة.حفظ القرآن الكريم
قال -تعالى-: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ } (العنكبوت: 49)، وقل - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ»، قال سهل بن عبدالله -رحمه الله- لأحد طلابه: «أتحفظ القرآن؟»، قال: «لا»، قال: «واغوثاه لمؤمن لا يحفظ القرآن، فبم يترنم؟ فبم يتنعم؟ فبم يُناجي ربه؟!».تعهد القرآن وعدم نسيانه
قال الله -تعالى-: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»، وفي رواية لمسلم: «وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ».تعاهده بالتلاوة والتدبر
فتلاوة القرآن من أجلِّ العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله -عز وجل-؛ لأن التلاوة هي وسيلة التفهم والتدبر لكلام الله، والذي يدفع بعد ذلك إلى العمل به وتطبيقه، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر:30)، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَان»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ».
لاتوجد تعليقات