من المستحيلات – هؤلاء وقفوا مع الحق
لم يكن يوم 2/8/1990 يوما عاديا، فقد كان يوما مفصليا، بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين الرحمة والطغيان.
وانقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: قسم وقف مع الحق وناصر أهله، ودافع عن المظلوم، وصد الظالم. وقسم وقف محايدا، مترددا، لا يستطيع أن يتخذ موقفا إما لهول الصدمة، أو لتعقد المصيبة، فهو معذور إلى حين، وقسم ثالث انجرف وراء الظلم والطغيان، وسانده بكل قوة، إما لهوى في نفسه أو مخدوع بالمآلات، أو عمى بصيرة.
هذا اليوم الذي دُبر له بليل، يوم أن احتلت القوات الصدامية دولة الكويت، ومهما قيل عن التسويغات فإنها هباء منثور، لا تساوى شيئا أمام النتائج، فكم من الأبرياء سقطوا، وكم عذبوا وكم شردوا وكم من الآلام حفرت في الصدور حتى إنه وبعد مرور 26 عاما هي باقية تصرخ في الضمير (2/8/1990 حتى لا ننسى)!
لقد كان يوما تغيرت فيه خارطة اللحمة العربية والإسلامية، ومهدت السبل لأعداء الأمة أن يحدوا فيه سكاكينهم، ويرفعوا عليها معاولهم، ويحيكوا بخيوط الغدر مؤامراتهم. فلم تصحو بعدها إلا من نكبة أصغر إلى نكبة أكبر، ونكسة إلى هزيمة، ومن اعتداء وتدخل إلى احتلال وهيمنة وتجبر، وأضحى ربيعنا خريفا.
ولو جئت تتحدث عن القسم الثالث الذي ولغ في الباطل لما انتهيت، ولو تكلمت عن جبروته لما توقفت، ولو حاولت تسويغ بعض من أفعاله لما وجدت، ولأصابك الهم والحزن والغثيان رغم مرور كل هذه السنوات، ولو قلت كان قرارا غبيا، أو موقفا ساذجا، أو خطوة متهورة لحدت عن الحقيقة بونا شاسعا، فالأمر أكبر هذا بكثير.
ولو عددت السفهاء الذين أجرموا وقتها، وشاركوا الطغيان طغيانه وبحثت عنهم الآن فإنك لا تجد لهم أثرا، فصدام رأس الفتنة علق مشنوقا، وقتل أبناؤه، وشردت عائلته وأقرباؤه، وتشتت حزبه وأعوانه، ولا تسمع عنهم إلا ذكرى الخيبة والعار، وهكذا بقية القائمة!
ولو جئت تتكلم عن القسم الأول لوجدت مواقف الرجال، وشجاعة الشجعان، وصلابة الأبطال؛ فجابر الخير -رحمه الله- لم يكن إلا صابرا حين عز الصبر، ورحوما حين طغى العدوان، فالدموع العزيزة التي خرجت منه وهو يخاطب العالم في الأمم المتحدة (27/9/1990م) كانت مدعاة لتقدير الجميع؛ فقد وقفت الأمم المتحدة تحييه وتحيي الكويت وشعبها وصمودها طويلا، حين خاطب سمو الأمير أبناءه هناك (وقد خنقته العبرة): «إن الله -سبحانه وتعالى- ناصرنا بفضل سواعدهم وعزيمتهم، وبفضل منظمة الأمم المتحدة ومناصرة الأشقاء والأصدقاء وجميع الخيرين والشرفاء في العالم، وإن خروج الغزاة آت لا ريب فيه بإذن الله -العلي القدير-».
أما خادم الحرمين الملك فهد -رحمه الله- لخص الموقف بكلمات خالدات إلى يومنا هذا، وأتبعها أفعالا لا يمكن أن تنسى، فقد قال: «إن الحياة والموت تساووا لدينا وصار شيئا واحدا، بعدما رأيته بعيني ما تم عمله في الشعب الكويتي، وما عاد فيه الكويت ولا فيه السعودية، فيه بلد واحد، (يا نعيش سوا يا ننتهي سوا).. هذا القرار الذي اتخذته وما فيه ولا سعودي إلا ويؤيدني في هذا القرار.. يا تبقى الكويت والسعودية يا تنتهي الكويت والسعودية».
وكذلك قادة الخليج العربي والدول العربية والإسلامية التي وقفت مع الحق ودول العالم التي أرسلت الجيوش حتى اندحر العدوان وانتصر الحق.
لاتوجد تعليقات