من أفضل أوجه الصدقة كفالة الدعاة
الداعية إلى الله يحمل أمانة نشر الدين الإسلامي، بوسطية ويسر، وهذا نهج الأنبياء والرسل عليهم السلام، لتحيا القلوب بالإيمان والعدل والنور، وبالبرهان الساطع والدليل القاطع، يبيت الليل ساهراً، وفي النهار سائراً، ويحول بينه وبين الدعوة طلب الرزق له ولأسرته؛ فإن دعا الوقت أغلبه أخل بمسؤوليته تجاه أسرته،؛ ولذلك فإن الأمر يستحق منا بذل الجهد لتجهيز الدعاة لنشر الخير، وثواب ذلك جزيل وأجره عظيم؛ لأن المنفعة متعدية، والناس بحاجة إلى من يدلهم على الإسلام كحاجتهم للماء والغذاء والدواء، بل هو أشد.
أهل الخير يقدمون على مشاريع بناء المساجد، وكفالة الأيتام، وحفر الآبار، وطباعة المصاحف، وكلها خير، ولكن نريد من المدعوين أن يأتوا إلى المساجد ليقرؤوا المصاحف، وهذا لا يأتي إلا من خلال داعية صادق ومخلص ومؤثر، ولديه إلمام بالعلم واللغة، ونحن بدورنا نسد حاجته، ونكفيه المؤونة لتهدأ نفسه، ويرتاح فؤاده، ويبتعد عن رق الدين والذل والهوان، ولا يفكر بلقمة العيش الكريمة، ولكن همه الدعوة إلى الله عز وجل؛ فالداعية لا يريد غنى ولا ثراء؛ بل يريد كفايته، وقد كتب العلماء والأئمة الأعلام حول الصدقة في كفالة الدعاة وعدُّوها من أجلِّ وأعظم وأفضل الصدقات والأعمال الصالحات التي تحيي الدين والسنن، ويعرف الناس من خلالها الحلال والحرام والحقوق والواجبات، مع التحذير من مواصلة الشر والفساد في الدارين، ويتفرغ لتوعيتهم والإجابة عن أسئلتهم وما يقيهم من العذاب.
فالدعاة صمّام أمان في المجتمعات، يتحملون هموم الناس، ويعملون في العلم والدعوة من أجل سعادتهم في الدارين.
لو أحسن إنسان إلى آخر بإنقاذه من هلكة كجوع أو غرق أو حرق لشكره طيلة حياته، ولعدّها منقبة وفضلا له، ولأثني عليه في كل مكان، فكيف بمن يسعى جاهدا بتعليمه ودعوته للخير وإحياء قلبه وبدنه، والنجاة من أهوال الدنيا والآخره؟
فعندما نكفل داعية إلى الله نقوم بالآتي:
- نفرغه للعلم والتعليم والدعوة لنجاة الناس.
- نجعله يسخر أوقاته واهتماماته من أجل بيان الدين وإقامة الحجة على الناس وإصلاح ذات بينهم.
وإننا بذلك نحب لهم الفوز والنجاة والسعادة، ونجعلهم حريصين على حفظ أعراضهم وأموالهم وأعمارهم بتعليمهم وتوجيههم وتربيتهم ونصيحتهم.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122)، وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } (الزمر:9)
فالناس قد ابتلوا في حرب عقائدية، وأفكار منحرفة ومتطرفة، وأعاصير الفتن والشبهات الهدامة؛ فهم يريدون داعية ثابتاً وراسخاً يثقون به لتثبيتهم وتوجيههم من خلال نقلهم للآيات والأحاديث وكلام أهل العلم؛ لتفريج كربهم ولتحيا بها القلوب والأبدان في تلكم المدلهمات.
فما أوسع وأحلم وأرحم طالب العلم بالناس! ينفعهم ويضرونه، ويساعدهم ويعينهم ولا يعينونه، ويقبل عليهم بنجاتهم وتعليمهم ويعرضون عنه لجهلهم، ويحب لهم الخير من كل قلبه وهم يحاربونه، ويثني عليهم وهم يشتمونه ويزدرونه، ويقوم في ليله يدعو لهم في صلاته وسجوده بالتوفيق والهداية وهم يدعون عليه.
عاملهم بإخلاص وصدق وإحسان؛ فهو أب رحيم، وأخ شفوق، وصديق رفيق، وهو لا يريد من الخلق جزاء ولا شكورا، ولكن يريد ما عند الله الذي هو خير وأبقى، وفي الحديث: «إن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحتيان في جوف الماء، والنمل في جحورها». (صححه الألباني).
ولله در الشاعر حين قال عن الدعاة:
يسعون في طلب الحديث بعفة وتـــــوقــــر وســـكينــة وحـــيــــاء
لهم المهابة والجـــــــــــلالة والنهى وفضائل جلت عن الإحصاء
ومـــداد ما تجــــري به أقلامهـــــم أزكى وأفضل من دم الشهداء
يا طـــــالبي علــــم النبي محمــــد ما أنتـــــم وســــــواكم بســــــــــواء
قال علي -رضي الله عنه- يوم جاء سائل يسأله: اكتب حاجتك على رقعة، فإني لا أحب أن أرى ذل السؤال على وجه مسلم، فكتب الرجل حاجته، فأمر له عليّ بكساء ومائة دينار ، فأنشد الرجل قائلا:
كســــــوتني حلة تَبــــلى محاسنُها فسوف أكسوك من حسن الثنا حُللا
إن نلتَ حسن ثنائي نلت مكرمة ولســـــت تبــــــغي بما قــــــــــد نلته بدلا
إن الثنـــــاء ليحــــيي ذكر صاحبه كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا
والحمدلله رب العالمين
لاتوجد تعليقات