رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 22 سبتمبر، 2021 0 تعليق

من أسباب عدم قبول الحق والانصراف عنه – التقليد الأعمى

 

بينا في العدد السابق (1103) أن رفض الحق يكون بأسباب كثيرة، وقد ذكرنا منها: أولا: اتباع الهوى.

ثانيا: التقليد الأعمى: التقليد منه ما هو حق وواجب، ومنه ما هو مذموم مكروه، فأما التقليد الواجب فهو تقليد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحسن اتباعه، والاقتداء به، وكذلك اتباع أهل الإجماع من علماء الأمة الأفاضل، فهذا النوع من التقليد ليس مذموما، أما التقليد المذموم الذي ذم الله أصحابه، وشبههم بالبهائم، فذلك التقليد الذي يجعل صاحبه بلا كيان ولا رؤية، فيقبل قول غيره من العامة بلا دليل ولا برهان، قال الله -تعالى- في أرباب هذا النوع: {وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170).

     فهؤلاء المقلدون لا يعلمون شيئا، ولا يفقهون سوى أنهم يسيرون على طريق آبائهم، دون أن يعرفوا هل هو طريق حق أم باطل؟ فمقياس الحق عندهم ما كان عليه الآباء، والباطل ما لم يكونوا عليه، فهم يتبعون الناعق دون علم أو روية، فألغوا بذلك شخصياتهم، ولم يستعملوا عقولهم فيما أمر الله به من النظر والتدبر والتفكر، ورضوا بأن يصافوا البهائم العجماء، فيهينوا أنفسهم، ويذلوها؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟»، والقذة: ريشة السهم، وهي ما يشبه رصاصة البندقية اليوم، فكل واحدة تكون مساوية الأخرى، فالمعنى أنكم تكونون مثلهم بأفعالهم سواء بسواء.

     والتقليد الأعمى من المنكرات التي تجب محاربتها وزجر الناس عنها ولا سيما طلاب العلم؛ حيث إن التقليد دفع بعضهم في العصور المتأخرة إلى التعصب الذميم لآراء الأئمة وأقوالهم، وتقديمها في أحيان كثيرة على النصوص الصريحة المخالفة لهذه الآراء والأقوال، رغم أن الأئمة كانوا ينهون من أخذ عنهم من مغبة التقليد دون معرفة الدليل الشرعي الذي بنوا عليه قولهم، وأن الأئمة أنفسهم كانوا يرجعون عن رأيهم إذا تبين لهم الدليل. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر!». وقال الإمام الشافعي: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد»، وقال أيضا:» إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط».

اتباع الكتاب والسنة

     وقال الإمام مالك: «ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر - صلى الله عليه وسلم »، وقال: «ما كان من كلامي موافقا للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه». قال الشاطبي -رحمه الله-: «ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد علی الرجال أقوام خرجوا بسب ذلك عن جادة الصواب، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل».

ثالثا: سيطرة العادات والتقاليد الموروثة

     كان أهل الجاهلية يعظمون الآباء والأجداد، ويتغنون بمفاخر القبيلة، فهم أكثر الناس عددا، وأقواهم شكيمة، وأعلاهم نسبا، فالكبر ديدنهم، وعظمة الدنيا تملأ قلوبهم، من كثرة الأموال والبنين إلى الخيل المسومة وقطعان الإبل والمواشي، ومع الزمن صارت هذه التقاليد دینا لا يجوز المساس به، ولا يصح الخروج عما تعارف عليه أبناء القبيلة الواحدة.

     كاد الفرد أن يلغي عقله أمام مطالب العادات الموروثة، وعندما أطلت تباشير الدين الجديد، اصطدم الدين الحنيف بهذه التقاليد، ولذلك حذر الإسلام من التعلق بالعادات الضالة، وندد بفعل أصحابها، وحذر من الوقوع في متاهاتها بعد نعمة الإسلام، ومن هذه العادات المذمومة -مثلا- الفخر بالأحساب: قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة»، فدل الحديث على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من الخصال الرديئة، وقد ورثتهم اليوم طائفة من هذه الأمة تجاوزوا فيها أسلافهم، فتراهم يفتخرون بمزايا آبائهم وهم بعيدون عنهم بمراحل، فهذا يقول: كان جدي الشيخ الفلاني، وهذا يقول: جدي العالم الرباني، أو البطل أو المحارب، إلى غير ذلك. ويذكر ابن تيمية -رحمه الله-: «أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية...؛ ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحد بنسبه ولا يذم أحد بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان».

قبول الدين الحق

لقد غلا القوم في تعظيم الأسلاف والأكابر، حتى حجبهم هذا التعظيم عن قبول الدين الحق، كما حال هذا التقليد دون إسلام أبي طالب، رغم اعتقاده بصدق ابن أخيه - صلى الله عليه وسلم - وما كان عليه من هدی.

     عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال: ياعم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.

      والعصبية والتمسك بتراث الأسرة والعشيرة هو الذي جعل أبا جهل يقول: «وتنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذا؟، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. لقد رفض الإقرار بالحق، وبالقرآن الذي استمع إليه خلسة مع نفر من أصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جوار الكعبة، وتأثروا بما سمعوا، لكنها التقاليد والعادات والحفاظ على موروثاتها.

اتباع العوائد

     إن المتتبع لأحداث التاريخ وتراجم الماضين ليقف حائرا مدهوشا لما يرى من وقائع مذهلة، أقدمت عليها طوائف من الناس، فأضفت قدسية وتعظيما على الآباء والشيوخ والأجداد، وأطلقت عليهم من الصفات والنعوت ما يطلق عادة على الآلهة، ولتقاليد الأسلاف سلطان قوي يخلب ألباب البشر، وسلطان الأجداد والشيوخ يجب أن يقف عند حد معين لا يتجاوزه، وإلا كان وبالا ومصيبة على البشرية، لا يعرف مداها إلا الله.

     يقول الإمام الشاطبي: «من أسباب الخلاف التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق، وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم، فإن الله ذم ذلك في كتابه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}. وقوله: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}.

وللاستفادة مما كان عليه الآباء ينبغي أن يخضع ذلك للكتاب والسنة، وللعلم والهدى؛ لأنه إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال، فالحق أيضا لا يعرف دون وسائطه، بل بهم يتوصل إليه، وهم الأدلاء على طريقه.

      إن الخطورة تكمن في تحكيم العادات في أمر الناس ولو خالفت الكتاب والسنة، وما من عادة سيئة أو بدعة محدثة إلا وتميت سنة، ولذلك حرر الإسلام العقول من الجمود على الماضي أو العادات الدارجة ذات الألف في النفوس، وسد كل الطرق المؤدية إلى تشويه صفاء التوحيد والعقيدة.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك