من أسباب تشريع العقوبات في الإسلام- الحفاظ على الضرورات الخمس وصيانتها لأن بها صلاح الدنيا والدين
إن العقوبة في نظر الإسلام ليست غاية بنفسها، وإنما هي وسيلة لإصلاح الفرد والمجتمع؛ لأن النفس البشرية إذا ما أمنت العقوبة، اندفعت مسرعة نحو المعاصي فيكون صاحبها من جملة الخاسرين، وحتى تكون عملية الإصلاح التي هي مناطة بولي الأمر مثمرة وتؤتي أكلها فلابد من التقيد بأحكام الشرع في تقدير العقوبة إذا كانت مقدرة، وبالأصول والقواعد العامة إذا كانت غير مقدرة حتى لا يكون حكما بالهوى؛ لذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن الإمام أن يُخطىء في العفو خير له من أن يُخطىء في العقوبة»، ومن هنا كان البحث في العقوبات وبالتحديد ما كانت مسلطة على البدن خير مادة لبيان حقيقة أن الشريعة الإسلامية لم تشرع عقوبة فيها إيذاء للبدن إلا وكانت باستحقاق ؛ وذلك للحفاظ على الضروريات التي أجمعت كل الشرائع على الحفاظ عليها وصيانتها؛ لأن بها صلاح الدين والدنيا.
والإيذاء منه ما يكون بحق وذلك إذا كان في حدود التأديب الشرعي وهو أنواع:
1- الإيذاء على فعل الفاحشة، قال -تعالى-: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً} ثم نسخ ذلك بجلد الزاني البكر مائة جلدة وتغريب عام ورجم الزاني المحصن.
- الإيذاء الذي هو في حدود التربية والتأديب ومنه:
- إيذاء الوالي لمن يستحق الإيذاء الشرعي وذلك بإقامة الحدود والتعزيرات على من يمارس الجرائم في المجتمع.
- إيذاء الوالد لولده تأديبا له إذا حصل منه سلوك غير مناسب أو ترك أمراً مشروعاً قال -صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ لسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع»ِ.
- إيذاء الزوج لزوجته الناشر. حتى ترجع عن نشوزها قال -تعالى-: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}.
- إيذاء المعلم والمؤدب لطلابه بما يردعهم عن إساءة الأدب أو إهمال دروسهم وفعل واجباتهم المدرسية.
ثانيا: إيذاء محرم وعليه وعيد شديد وهو أنواع:
1- أذية الله ورسوله قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً}.
- أذية المؤمنين قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}.
- إيذاء المسلمات بالتطلع إلى عوراتهن لإيقاعهن في الفاحشة الأخلاقية – وقد أمر الله المؤمنات بتلافي ذلك بارتداء الحجاب الشرعي قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}.
- إيذاء الناس بالسباب والكلام السيئ الجارح وهؤلاء يستحقون التعزير الرادع حتى يكفوا عن ذلك.
- إيذاء المسلمين بالغيبة والنميمة وهؤلاء عليهم الوعيد الشديد قال -صلى الله عليه وسلم -: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ، وقال -تعالى-: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}، وقال -تعالى-: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}، من هنا فليس كل الإيذاء ممنوعًا؛ لأن ذلك يسبب ضياع المجتمعات.
لاتوجد تعليقات